“السي آي إيه” تعترف بخسارة عشرات المخبرين في العالم وإعدام بعضهم

“السي آي إيه” تعترف بخسارة عشرات المخبرين في العالم وإعدام بعضهم

قال مسؤولو مكافحة التجسس في وكالة الاستخبارات الأميركية في برقية سرية للغاية وُجهت لجميع محطاتها في العالم أن الكثير من المخبرين الذين تجنّدهم للتجسس لصالحها قد فُقدوا

بقلم: جوليان إي بارنز وآدم غولدمان |
نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية عن مصادر مطلعة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) قولهم إن كبار مسؤولي مكافحة التجسس الأميركيين قد حذروا الأسبوع الماضي كل محطات وقواعد وكالة الاستخبارات المركزية حول العالم بشأن أعداد مقلقة من المخبرين، الذين تم تجنيدهم من دول أخرى للتجسس لصالح الولايات المتحدة، لكن تم أسرهم أو قتلهم.
وقالت الرسالة، التي بعتث في برقية سرية للغاية غير عادية، إن مركز مهمة مكافحة التجسس التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد نظر في عشرات الحالات في السنوات العديدة الماضية التي تنطوي على مخبرين أجانب قُتلوا أو اعتقلوا أو تعرضوا للاختراق على الأرجح. وعلى الرغم من كون البرقية مختصرة، فقد حددت عدداً محدداً من العملاء الذين أعدمتهم وكالات استخبارات منافسة، وهو تفصيل وثيق الصلة لا يشاركه مسؤولو مكافحة التجسس عادةً في مثل هذه البرقيات.
وبينما حددت المذكرة أعداداً محددة من المخبرين الذين تم اعتقالهم أو قتلهم، إلا أنها قالت إن عدد المخبرين الذين تحولوا ضد الولايات المتحدة غير معروف تماماً. ففي بعض الأحيان، لا يتم القبض على المخبرين الذين تم اكتشافهم من قبل أجهزة الاستخبارات العدائية، ولكن بدلاً من ذلك يتم تحويلهم إلى عملاء مزدوجين يقدمون معلومات مضللة إلى وكالة الاستخبارات الأميركية، والتي يمكن أن تكون له آثار مدمرة على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها.
وقال مسؤولون سابقون في “السي آي إيه” إن الباكستانيين كانوا فعالين بشكل خاص في هذا المجال. ويعني انهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في أفغانستان أن معرفة المزيد عن علاقات باكستان بحكومة طالبان والمنظمات المتطرفة في المنطقة سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. ونتيجة لذلك، أصبح الضغط مجدداً على وكالة الاستخبارات المركزية لبناء وصيانة شبكات المخبرين في باكستان، وهي دولة لها سجل في اكتشاف وكسر تلك الشبكات. كما أن تركيز الإدارات المتعاقبة على منافسة القوى العظمى وتحديات الصين وروسيا يعني أن بناء شبكات تجسس وحماية تلك المصادر أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سابقين في السي آي إيه قولهم إن التكنولوجيا في تلك البلدان أصبحت مشكلة أيضاً. لقد سهّل الذكاء الاصطناعي، والمسح البيومتري، والتعرف على الوجه، وغيرها من التقنيات، على الحكومات تتبع ضباط الاستخبارات الأميركيين العاملين في بلادهم، مما جعل مقابلة المخبرين والتواصل معهم أكثر صعوبة.
وكشفت “نيويورك تايمز” نقلاً عن مسؤولين سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن اختراق نظام الاتصالات السري المعروف بـ”كوفكوم”، الذي تستخدمه الوكالة قد ساعد في فضح شبكاتها في الصين وإيران. وفي كلتا الحالتين تم إعدام المخبرين وتعين على الوكالة إخراج آخرين وإعادة توطينهم.
وأضافت الصحيفة أنه بعض مسؤولي الاستخبارات في إيران والصين يعتقدون أن الأميركيين قدموا معلومات لوكالات الخصوم التي كان من الممكن أن تساعد في كشف المخبرين. مونيكا إلفريدي ويت، الرقيب السابقة في القوات الجوية التي انشقت إلى إيران، وجهت إليها تهمة تقديم معلومات إلى طهران في عام 2019. واستفاد الإيرانيون من معلوماتها فقط بعد التأكد من إمكانية الوثوق بها. وفي وقت لاحق من ذلك العام، حُكم على جيري تشون شينغ لي، وهو ضابط سابق في السي آي إيه، بالسجن 19 عام لإعطائه أسراراً للحكومة الصينية.
يقول المسؤولون الأميركيون السابقون إنه لا يوجد نقص في الأمثلة على الأماكن التي ركزت فيها الوكالة على المهمة لدرجة أن الإجراءات الأمنية لم يتم أخذها في الاعتبار بشكل مناسب. وفي بعض الحالات، يمكن أن تكون للعميل عواقب مميتة.
إن تفجير عام 2009 في قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية في خوست، بأفغانستان، الذي قتل سبعة من موظفي الوكالة كان مثالاً جيداً لإعطاء ضباط الوكالة الأولوية للمهمة على الأمن، كما قال السيد لندن. في ذلك الهجوم الانتحاري، قام طبيب أردني تابع للوكالة يعتقد أن السي آي إيه أقنعته باختراق تنظيم القاعدة قد تحول في الواقع ضد الولايات المتحدة.
وقال لندن: “لقد كنا في عجلة من أمرنا لتحقيق مثل هذه النتيجة الكبيرة. كانت تلك أخطاء في الصناعة التقليدية” للاستخبارات. وأضاف أنه من المهم تذكير القوة العاملة في وكالة الاستخبارات المركزية بالضرر الذي يمكن أن يحدث عند سقوط العمل الاحترافي. وقال: “قم بعملك ولا تكن كسولاً.. إننا لسنا مثاليين كما نعتقد”.
البرقية سلّطت الضوء على الصراع الذي تواجهه وكالة التجسس لأنها تعمل على تجنيد جواسيس حول العالم في بيئات عمل صعبة. ففي السنوات الأخيرة، كانت أجهزة الاستخبارات المعادية لأميركا في دول مثل روسيا والصين وإيران وباكستان تلاحق مخبري وكالة الاستخبارات المركزية وفي بعض الحالات حولتهم إلى عملاء مزدوجين.
وأضافت “نيويورك تايمز” أنه مع الاعتراف بأن تجنيد الجواسيس هو عمل محفوف بالمخاطر، فقد أثارت البرقية القضايا التي ابتليت بها “السي آي إيه” في السنوات الأخيرة، بما في ذلك ضعف الاحتراف، والثقة الزائدة بالمصادر، والتقليل من أهمية وكالات الاستخبارات الأجنبية، والتحرك بسرعة كبيرة لتجنيد المخبرين مع عدم إيلاء اهتمام كافٍ لمخاطر التجسس المضاد المحتملة، وهي مشكلة أطلقت عليها البرقية تسمية “وضع المهمة فوق الأمِن”.
كما أظهر العدد الكبير من المخبرين المخترَقين في السنوات الأخيرة البراعة المتزايدة للبلدان الأخرى في استخدام ابتكارات مثل المسح البيومتري والتعرّف على الوجه والذكاء الاصطناعي وأدوات القرصنة لتتبع تحركات ضباط وكالة الاستخبارات المركزية من أجل اكتشاف مصادرهم.
وفي حين أن وكالة الاستخبارات الأميركية لديها العديد من الطرق لجمع المعلومات الاستخبارية لمحلليها من أجل صياغتها في ملخصات لواضعي السياسات، لكن تبقى شبكات المخبرين البشريين الموثوق بهم حول العالم هي محور جهودها، وهو نوع المعلومات الاستخبارية التي من المفترض أن تكون الوكالة الأفضل في العالم في جمعها وتحليلها.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية قولهم إن تجنيد مخبرين جدد هو الطريقة التي يحصل بها “ضباط الحالة” في الوكالة – جواسيسها في الخطوط الأمامية – على الترقيات. ولا تتم عادةً ترقية “ضباط الحالة” لإجرائهم عمليات استخبارات مضادة جيدة، مثل معرفة ما إذا كان المخبر يعمل بالفعل لمصلحة بلد آخر.
وكرّست “السي ىي إيه” الكثير من اهتمامها على مدار العقدين الماضيين للتهديدات الإرهابية والصراعات في أفغانستان والعراق وسوريا، لكن تحسين جمع المعلومات الاستخبارية عن القوى المعادية، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، أصبح مجدداً حجر الزاوية في أجندة وكالة الاستخبارات المركزية، خاصة وأن صناع السياسة يطالبون بمزيد من الفطنة والبصيرة في شؤون الصين وروسيا.
وقال مسؤولون سابقون إن فقدان المخبرين ليس مشكلة جديدة. لكن البرقية أظهرت أن القضية أكثر إلحاحاً مما هو مفهوم للجمهور.
وقالت الصحيفة إن التحذير، بحسب من قرأوه، كان موجهاً في المقام الأول إلى ضباط الخطوط الأمامية في وكالة الاستخبارات المركزية، وهم الأشخاص الأكثر مشاركة بشكل مباشر في تجنيد المصادر وفحصها. وذكّرت البرقية “ضباط الحالة” في الوكالة بالتركيز ليس فقط على تجنيد المصادر، ولكن كذلك على القضايا الأمنية بما في ذلك فحص المخبرين والتهرّب من أجهزة الاستخبارات المعادية.
ونقلت “نيويورك تايمز” عن أشخاص مطلعين على الوثيقة قولهم إن من بين أسباب إرسال البرقية حض “السي آي إيه” “ضباط الحالة” فيها على التفكير في الخطوات التي يمكنهم اتخاذها بأنفسهم للقيام بعمل أفضل في إدارة المخبرين.
وقال مسؤولون سابقون إنه يجب أن يكون هناك تركيز أكبر على الأمن والاستخبارات المضادة، بين كبار القادة وموظفي الخطوط الأمامية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتجنيد المخبرين، الذين يطلق عليهم ضباط الوكالة تسمية العملاء.
ونقلت الصحيفة عن دوغلاس لندن، الناشط السابق في “السي آي إيه” قوله: “لا أحد في نهاية المطاف يتحمل المسؤولية عندما تتجه الأمور إلى الفشل مع عميل. في بعض الأحيان تكون هناك أشياء خارجة عن إرادتنا ولكن هناك كذلك حالات من الغفلة والإهمال ولا يتحمل الأشخاص في المناصب العليا المسؤولية أبداً”.
وقال لندن إنه لم يكن على علم بالبرقية. لكن كتابه الجديد، “المجند: التجسس والفن المفقود للاستخبارات الأميركية”، يجادل بأن تحول “السي آي إيه” نحو العمل السري والعمليات شبه العسكرية قد قوّض التجسس التقليدي الذي يعتمد على التجنيد الآمن للعملاء والتعامل معهم.
وذكرت الصحيفة أن البرقية التي تحدد عدداً محدداً من المخبرين الذين تم اعتقالهم أو قتلهم من قبل قوى معادية هي مستوى غير عادي من التفاصيل، وهو مستوى يشير إلى أهمية المشاكل الحالية. وقال مسؤولون سابقون في الوكالة إن مسؤولي مكافحة التجسس يحبون عادة إبقاء هذه التفاصيل سرية حتى عن قوة العمل الواسعة في وكالة الاستخبارات المركزية.
ورداً على سؤال للصحيفة حول المذكرة، رفض المتحدث باسم وكالة الاستخبارات المركزية التعليق.
وقالت “نيويورك تايمز” إن السيدة شيتال تي باتيل، التي أصبحت العام الماضي مساعدة مدير وكالة الاستخبارات المركزية لمكافحة التجسس، لم تتردد في إرسال تحذيرات واسعة إلى مجتمع الضباط الحاليين والسابقين في الوكالة. ففي كانون الثاني / يناير الماضي، أرسلت باتيل رسالة إلى ضباط الوكالة المتقاعدين حذرتهم فيها من العمل مع الحكومات الأجنبية الذين يحاولون بناء قدرات تجسس من خلال تعيين مسؤولي استخبارات متقاعدين. (الرسالة، التي تم تسريبها على الفور، تضمنت كذلك تحذيرات بشأن التحدث إلى الصحافيين).
يقول المسؤولون السابقون إن الانتقادات هي وسيلة لدفع ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كي يصبحوا أكثر جدية بشأن مكافحة التجسس. وأشارت المذكرة التي تم إرسالها الأسبوع الماضي إلى أن الوكالة قللت من تقدير خصومها، بسبب الاعتقاد بأن ضباطها وحرفييها التقليديين هم أفضل من أجهزة الاستخبارات الأخرى. لكن نتائج الدراسة أظهرت أن البلدان التي تستهدفها الولايات المتحدة ماهرة أيضاً في تعقب المخبرين. ويعتقد بعض المسؤولين السابقين أن مهارات الوكالة في إحباط أجهزة الاستخبارات العدائية قد أصبحت رديئة بعد عقود من التركيز على التهديدات الإرهابية والاعتماد على الاتصالات السرية المحفوفة بالمخاطر. ويختلف تطوير وتدريب وتوجيه المخبرين الذين يتجسسون على الحكومات الأجنبية في بعض النواحي عن تطوير المصادر داخل الشبكات الإرهابية.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم عن الميادين نت

مجموع القراءات 6 total views, قراءات اليوم 3 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية