الصين وعصر ما بعد أميركا في الشرق الأوسط

الصين وعصر ما بعد أميركا في الشرق الأوسط

د. نادية حلمي* |

ستنتناول هذه القراءة التحليلية الإجابة على الأسئلة التالية:
أولاً: هل إستعدت الصين والولايات المتحدة الأميركية لعصر “ما بعد أميركا” في منطقة الشرق الأوسط؟
ثانياً: هل يمكن أن تتعاون الصين والولايات المتحدة معاً لصالح الشرق الأوسط؟. سنقوم بتحليل مجالات التعاون المحتملة بين الصين وواشنطن في المنطقة.
ثالثاً: نظرية العلاقة بين الإستراتيجيتين الصينية والأميركية في الشرق الأوسط، وإحساس الرأى العام العربي بالإغتراب عنها أو الإقتراب منها؟
رابعاً: بيانات إستطلاعات مراكز الفكر والرأي الصينية بشأن “رؤية المواطن العربي للصين وأميركا في المنطقة”.
خامساً: هل إستعدت الولايات المتحدة فعلياً لعصر “ما بعد أميركا” في الشرق الأوسط؟
كان أكثر ما لفت نظري هو وجود تحليلات فعلية في “الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية” لما يعرف بعصر “ما بعد أميركا”. وأكاديمية العلوم الإجتماعية هي واحدة من أكبر الأكاديميات الإجتماعية في الصين والعالم، ولها نفوذ وحضور وتأثير دوليان كمركز فكر وبحث مؤثر صينياً وعالمياً في صياغة قرارات الصين داخلياً وخارجياً، ومعظم نخبها ينضمون إلى “مجموعات القيادات الصغيرة”، الذين يتم الإستعانة بهم في الصين لمعاونة صانع القرار الصيني في وضع سياسات الصين حول العالم.
ونتيجة لاطلاعي بشكل يومي مستمر على أرشيف الأمن القومي الأميركي، والذي يصلني عبر البريد الإلكتروني يومياً بشأن الصين، فضلاً عن تواصل أبرز الباحثين والخبراء الأميركيين في الشؤون الصينية والآسيوية، ومن المقربين من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، معي بشكل مستمر لبحث وتحليل كل ما يتعلق من سياسات الصين في المنطقة والعالم. وكانت هذه فرصة سانحة لي لفهم العقلية الأميركية تماماً، بل وإستيعابها في كل ما يتعلق بالملف الصيني، وعلاقة الصين بالمنطقة والعالم العربي.
ومن هنا، باتت تحليلاتي مختلفة جد الإختلاف، نتيجة لأنني بت محاصرة فعلياً بين الأجندتين أو بالأحرى وجهات النظر والرؤى الصينية والأميركية، ومستوعبة لها تماماً بموجب قربي الشديد من الطرفين، والإستماع للطرفين بشكل يومي دائم، وإجتهادي في محاولة نقل ما يحدث ويدور بين واشنطن وبكين بشأن المنطقة وللعالم العربي.
وقد طرحت هذا السؤال على عدد من الباحثين الأميركيين: لماذا يعتبرون دوماً واشنطن أن كل خطوة صينية في المنطقة ستقوض حتماً المصالح الأميركية الجيوسياسية؟، وهل يمكن لواشنطن تحديد مصالحها بوضوح في الشرق الأوسط والدفاع عنها بقوة، والعمل في الوقت ذاته مع الصين في المنطقة حين يكون الأمر مفيداً، خاصةً في مجالات وملفات الدفاع عن الممرات المائية في الخليج العربي واليمن ومضيق هرمز وباب المندب حفاظاً على أمن الطاقة، والحفاظ على الأمن والإستقرار ومكافحة الإرهاب فى المنطقة؟
وتبقى تلك هي أهم إشكالية في دراسة وتحديد شكل العلاقات المستقبلية بين الصين والولايات المتحدة، وخاصةً مع بدء الإنسحاب الأميركي تدريجياً من منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي باتت الصين مرشحة معه للعب دور قيادي أكبر في المنطقة إيذاناً ببدء عصر ما بعد أميركا في الشرق الأوسط،. وبناءً عليه، سأتناول عدداً من المحاور والنقاط التالية، كالآتي:

أولاً: هل إستعدت الصين والولايات المتحدة لعصر “ما بعد أميركا” في المنطقة؟
يتفق أغلب المحللين مع الرأي والتحليل المستقبلي القائل، بأن “أميركا الآن بعد الحقبة الترامبية باتت في حالة ضعف شديد، وبعد سياساتها المتخبطة في الشرق الأوسط، باتت الصين مرشحة للعب دور قيادي وسياسي بارز”. فقد خرجت واشنطن من تلك الحقبة “الترامبية”، بنتيجة غير مرضية بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط والمنطقة العربية نتيجة للإضرار بمصالح مواطنيها، بسبب قوة التيار الشعبوي، والذي إجتاح أميركا خلال عهد ترامب، وهي الحالة التي أثارت الحنق والغضب بين الرأي العام العربي، نتيجة تقييد سياسات الهجرة إلى الولايات المتحدة خلال حقبة ترامب.
والنتيجة التي واجهتها الولايات المتحدة في عالمنا العربي هي حالة الغضب الشعبي من بعض السياسات الأميركية التي تخص شعوبنا العربية، مثل:
تسربيات “صفقة القرن” بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل رغم مخالفة ذلك لقرارات الشرعية الدولية، ومن هنا، بات الرأي العام العربي متكتلاً ضد هذه السياسات الأميركية لصالح الصين التي باتت أكثر قرباً شعبوياً للشعوب العربية والإسلامية، بسبب عدم تطرقها لمثل هذه القضايا الخلافية في المنطقة. وباتت جموع من الرأى العام العربي، وخاصةً الفئات الأكثر تديناً، أكثر عداء للولايات المتحدة.
وخرجت أميركا من تلك الحقبة الترامبية، منهكة القوى وفي حالة تخبط سياسي عالمي، وما زال أمام أميركا سنوات طويلة حتى تستطيع ويكون بمقدورها أن تتجاوز هذه الحالة، نتيجة لتخبط المؤسسات الأميركية داخلياً ودولياً. ولعل المشهد المستقبلي لا يزال أكثر إضطراباً فيما يتعلق بقوة الولايات المتحدة نفسها، والتي تحتاج لإعادة ترميم علاقاتها مع دول الشرق الأوسط والعالم، وأن تمتص غضب الشعوب العربية منها بسبب سياساتها السابقة، وأن يكون تعبيرها أقوى، وسيطرتها على القرار أعمق لمحو الصورة الذهنية الغامضة والمضطربة في عهد “ترامب”.
وهنا أتفق مع الباحثة الأمريكية محللة الشؤون الدفاعية فى مؤسسة “راند”، المحللة آشلي رودس، والأكاديمية في “مركز ويلسون، داليا داسا كاي، حينما دعتا إلى “تفادي إعتبار السياسات الصينية في الشرق الأوسط، أخباراً سيئة للولايات المتحدة”، لأنه لا تزال هناك أوجه للتعاون بينهما، خاصةً في حالة الرغبة الأميركية في ذلك.

ثانياً: هل يمكن أن تتعاون الصين والولايات المتحدة معاً لصالح الشرق الأوسط وما هي مجالات التعاون المحتملة؟

من خلال رؤيتي لطبيعة المشهد السياسي فى الشرق الأوسط، إلى تحليل هام مفاده، بأنه لا يمكن لأي من الصين والولايات المتحدة أن تكون هناك ثمة مصلحة لأي منهما في حدوث إضطرابات ما في منطقة الشرق الأوسط تؤثر على مصالحهما. وتبرز أهم تلك التحديات في: الحروب الأهلية المدمرة في المنطقة، أو السماح للتصعيد في النزاعات البحرية التى يمكن أن تعرقل الشحن الدولي وتقيّد مصالح الصين والولايات المتحدة على حد سواء.
كما يمكن أن يتعاون الطرفان في توفير المساعدات الإنسانية، وعمليات الإغاثة من الكوارث، ودوريات مكافحة القرصنة، وإيجاد المزيد من فرص التعاون. وقد يكون هنالك مجال للتعاون أيضاً في مكافحة الإرهاب في المنطقة بسبب القلق الصيني العلني من تهديد (شبكات الإرهاب الدولية) على المغتربين الصينيين وإستهداف إستثمارات بكين في الخارج، وخاصةً مع ثبوت تجنيد آلاف من مسلمي الأويغور فى إقليم “شينغيانغ” مع شبكات الإرهاب في الشرق الأوسط، وإنضمام الآلآف منهم إلى تنظيم داعش في العراق وسوريا، والحزب الإسلامي التركستاني في سوريا، فضلاً عن وجود إمتدادات لبعض هؤلاء المتطرفين في العديد من دول العالم، وتطور فكرهم من ضرب وإستهداف مصالح الصين في الداخل الصيني، إلى إستهداف مشاريع الصين ومصالحها وإستثماراتها وسفاراتها ومواطنيها في الخارج، مثلما حدث من تفجير القنصلية الصينية في كراتشى في باكستان إنتقاماً من الصين، أو ضرب بعض مصالح وشركات وإستثمارات الصين في أفريقيا، وغيرها من الإضطرابات التي حدثت للصين، نتيجة إنتشار تلك الشبكات الإرهابية التي تستهدف مصالحها حول العالم.

العلاقة بين الإستراتيجيتين الصينية والأميركية في الشرق الأوسط
نجد أن الإستراتيجية الأميركية الجديدة المعلنة لدى إدارة الرئيس جو بايدن، هي تراجع أهمية الشرق الأوسط لأميركا لصالح التوسع في الفناء الخلفي للصين في منطقتي المحيط الهادئ والباسيفيك لكبح وتطويق وإحتواء الصين في نطاقها الجغرافي الضيق”، وبتحليل أكثر عمق، ربما لم يتطرق أو ينتبه البعض له من قبل، يتكشف لنا عن نوايا الولايات المتحدة في رغبتها إدخال الحرب كعنصر في إستراتيجيتها الجديدة، وكفن من فنون الحكم السياسي لضبط منافس مكافئ أو شبه مكافئ في منطقة الشرق الأوسط.
وبالتالي، فإن حضور الصين واليابان فى خطابات الرئيس السابق دونالد ترامب، كان يعني “محاولة واشنطن إيجاد علاقة معينة بين إقليمي الشرق الأوسط وشمال شرق آسيا كمحيط خلفي إستراتيجي مهم للصين، ويكشف عن توجه جديد في التصور الأميركي لكبح الصعود الصيني”.
فالتحليل هنا، هو أن ما تريده الولايات المتحدة من هذه العلاقة بين الصين والشرق الأوسط، ربما هو “توريط الصين في سياسة القوة في الشرق الأوسط، ومن ثم تحويل المنطقة إلى منطقة إرتطام بين المحاور والقوى الدولية والإقليمية المتنافسة”، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إطلاق صراع واسع النطاق بين القوى في الخليج، من خلال خطة أميركية طويلة المدى، تتمثل في توريط خصم مكافئ أو شبه مكافئ لها فى القوة والنفوذ الدولي كالصين، وضبط أميركا لتطلعات القوة الإيرانية، وذلك لضمان إستمرارية عمل إيران نفسها تحت الإشراف الصيني ضمن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة. وبالطبع إن كل هذا سيزيد من شهية القوى الأخرى المنافسة لها مثل السعودية إلى إمتلاك القوة، وهو ما يوسع فرص إبرام صفقات أمنية جديدة للولايات المتحدة.
ولمن يفهم جيداً ويحلل الخطابات السياسية الأميركية منذ عهد ترامب، يكاد يفهم بأن الإستراتيجية الأميركية الجديدة تستهدف بالأساس منح رخصة للدولة القادرة على فرض الهيمنة على المنطقة كالصين لتوسيع نطاق نفوذها. فلأن أمريكا باتت أقل حزماً في الشرق الأوسط، وفقاً لرغبتها بالإنسحاب التدريجي لصالح التوغل وإختراق مناطق نفوذ الصين، منافستها الأساسية في العالم، فلم تعد أميركا تحمي أحداً في الشرق الأوسط كما هو عليه الحال من قبل، فالمنطقة لم تعد تهم واشنطن كثيراً.
وهنا، يمكن عمل تحليل مستقبلي جديد حول تلك الخطة الأميركية المتمثلة في “دفع الشرق الأوسط إلى مأزق أمني – ولاسيما لدى الدول التي تعتمد على الحماية الأميركية كالخليج – بحيث يصبح الهدف منه، هو إشعال التنافسات الأمنية في المنطقة”.
ومن هنا يصبح أن ما تريده الولايات المتحدة هو بالضبط إدخال المنطقة في توترات متدحرجة تدريجياً قد تفضي إلى حروب بينية تحول من خلالها واشنطن ثروات المنطقة من الدول المتنافسة كالصين وروسيا واليابان وغيرها إلى الولايات المتحدة.
وأميركا وفقاً لهذا الطرح التحليلي طويل المدى، تعطي إشارة للصين بأن ثمة مخاطر إستراتيجية كبرى تنتظر الصين في المنطقة، وهو الأمر الذي يثير قلق بكين بشأن تراكم ثرواتها التي تعتمد بشكل كبير على طاقة الشرق الأوسط.

بيانات مراكز الفكر والرأي الصينية
تظهر بيانات إستطلاعات مراكز الفكر والرأي الصينية بشأن رؤية المواطن العربي للصين في المنطقة، بأن هناك إنفتاحاً ملحوظاً على الصين، على الأقل في رأي المواطنين العاديين في دول المنطقة. ففى 9 دول عربية من أصل 12 دولة عربية شملتها سلسلة إستطلاعات للرأي، أعرب النصف تقريباً أو أكثر عن تأييدهم لوجود علاقات إقتصادية أقوى مع الصين. وبلغ الدعم أقصاه في الأردن (70%)، رغم عدم إنضمام الأردن بعد إلى مبادرة “الحزام والطريق”. وأكثر من 6 من كل 10 أشخاص يؤيدون تقوية العلاقات الإقتصادية مع الصين، وفي ليبيا (63%) والسودان (62%)، وهما البلدان اللذان تعرضا، مثل الأردن، لتحديات إقتصادية كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
وعلى النقيض، فإن دعم تقوية العلاقات الإقتصادية مع الصين قائم بدرجة أضعف في لبنان (42%)، خاصةً مع وجود إنقسامات طائفية قوية، وفي الجزائر (36%) حيث أن هناك نظرة شك دائمة وفقاً للرؤية الصينية للمواطن الجزائري تجاه تنامي وزيادة الإستثمارات الأجنبية في بلاده، ومدى إستغلالها لثروات ومقدرات وموارد بلاده. وفي مصر بلغت النسبة حوالي 30%.
ويبقى هنا الطرح غير المسبوق والجديد، بشأن الإنجذاب والقبول الشيعي والطائفة الشيعية في المنطقة إلى الصين، فربما يعود ذلك لعدة أسباب:
1-تنجذب الجماعات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة إلى الصين لأسباب مختلفة، فهم يرونها ثقلاً إستراتيجياً موازناً لأميركا. فعلى سبيل المثال، فقد كتب وزير الكهرباء العراقي في أكتوبر ٢٠١٩، مقالاً في صحيفة عراقية، قال فيه، إن “الصين هي خيارنا الأساسى كشريك إستراتيجي على المدى الطويل”.
وأشادت الجماعات الشيعية شبه العسكرية في كل من العراق وسوريا، والمعروفة بإسم “عصائب أهل الحق”، والجماعة الشيعية في لبنان، بقيادة حزب الله مراراً بالصين، وطالبت بزيادة حصة الإستثمارات الصينية في الشرق الأوسط، بإعتبار ذلك فيه توبيخاً لأميركا.

3-ربما كان الأمر المثير للإنتباه، واللافت للنظر هنا، أنه رغم الترحيب الشيعي بالصين، إلا أن ذلك لم يثر أي رد فعل مناهض للصين في الدول السنية الرئيسية في المنطقة.
4-حب الرأي العام العربى والخليجي والمصري أيضاً مؤخراً بتدريس اللغة الصينية في مدارسهم للأطفال والدارسين، فقد أطلقت السعودية برنامجاً لتدريس اللغة الصينية كلغة ثالثة في جميع المدارس والجامعات.
5- إستعان عدد من دول الخليج العربي بشركة هواوي الصينية لبناء البنية التحتية للإتصالات “جى فايف G5 متحدية بذلك الضغوط الأميركية عليها.
6- رحبت جميع الدول العربية باللقاح الصيني (سينوفارم)، وكانت الإمارات أول دولة أجنبية تمنح موافقة طارئة للقاح (كوفيد-19) من شركة “سينوفارم” الصينية، وغرد حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عبر نشر صورة لنفسه، وهو يتلقى حقنة من ذلك اللقاح الصيني لتشجيع الرأي العام العربي والإماراتي والخليجي على تلقي اللقاح الصيني.
وهنا، نجد إنفتاح الرأى العام العربي على الصين أكثر من واشنطن التي ربما يشعر بالإغتراب السياسي عنها، نتيجة لبعض السياسات الأميركية في المنطقة، والمتعلقة بعلاقاتها مع إسرائيل.
وربما كان هذا هو ما ذهب إليه مستشار الرئيس الأميركى الأسبق جيمي كارتر لشئون الأمن القومي زبيغينو بريجنسكي، عندما نظر لما هو أبعد من ذلك، وذلك في كتابه المعروف عالمياً بإسم “رؤية إستراتيجية”، والذي وضع فيه رؤيته للمحافظة على هيمنة أميركا على العالم، حيث ينصح بريجنسكي الولايات المتحدة بأن “تتوقف عن لعب دور شرطي العالم مؤقتاً، وبأن تتيح الفرصة للقوى الآسيوية، وعلى رأسها الصين كي تتصارع بينها، وتستنزف مقدراتها، على أن تحتفظ أميركا بقوتها وعدم التورط في صراعات تخصم من رصيدها لدى شعوب العالم، كالشعوب العربية بالأساس.

هل إستعدت الولايات المتحدة لعصر “ما بعد أميركا”
توصلت إلى قناعة تامة بأن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هو السبب في الوصول لعصر “ما بعد أميركا”، رغم سعى إدارة الرئيس جو بايدن في الوقت الحالى، إلى تصحيح وضع الولايات المتحدة كقائدة للعالم الحر وتعزيز دورها في حل الأزمات الدولية في “إطار الدبلوماسية المتعددة الأطراف”، والتي تشمل أصدقاء الولايات المتحدة الذين تخلى عنهم ترامب مثل الإتحاد الأوروبي.
ولا شك أن العودة إلى المنظمات الدولية (الصحة العالمية-اليونسكو…إلخ)، فضلاً عن الإتفاقيات والمعاهدات الدولية التى إنسحب منها ترامب، ستعيد الثقة الدولية للولايات المتحدة كدولة ترعى القانون الدولي وتحترمه وتدافع عنه، إلا أنه في الوقت ذاته، فإن الرأي العام العالمي لم يتخلص بعد من تبعات سياسات ترامب.
وفي نفس السياق، نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية منذ أشهر عدة مقالاً للباحث المتخصص بالدراسات الصينية في جامعة أكسفورد، الأكاديمي آيك فريمان، قال فيه “بات على أميركا على مدار محاولاتها طوال 12 عاماً سابقة، أن تحاول فك إرتباطها بالشرق الأوسط”. ووفقاً لتحليل فريمان، فقد إستجابت القوى الإقليمية بشكل أو بآخر، بما في ذلك (إيران، إسرائيل، روسيا، السعودية، تركيا)، بالبحث عن حلفاء جدد والتنافس بشكل أكثر شراسة بعضها مع بعض.
وبعيداً عن العناوين الرئيسية، فإن الصين وفقاً للتحليل الراهن هي الفائز الأكبر في الشرق الأوسط في (عصر ما بعد أميركا)، نظراً لكون بكين هي أكبر مشترٍ لنفط المنطقة، فضلاً عن علاقاتها السياسية والتجارية القوية مع كل دولة رئيسية في المنطقة.
وبالنسبة لواشنطن، فهذا يعني أن الشرق الأوسط ربما يعاود الظهور كساحة لتنافس القوى العظمى. وربما حتى الآن، فإنه لا شيء يهدد النفوذ الصيني المتزايد في الشرق الأوسط. كما لا يشكل الوجود الصيني حتى الآن أي مصالح حيوية لأميركا بشكل مباشر بعد، ربما بإستثناء رغبة الصين في حماية الممرات المائية والبحرية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط عموماً للحفاظ على تدفقات النفط إلى الصين.
ونجد أن واشنطن ربما توصلت بالفعل لقناعة بأن مشكلتها الحقيقية باتت تكمن في كبح الصعود الصيني من خلال البحث في كيفية عرقلة تراكم الثروة الصينية في الشرق الأوسط بالأساس، وخاصةً بعد إطلاق المبادرة الصينية للحزام والطريق. ومن هنا، وجدت الولايات المتحدة أن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك، هي الحرب، بمعنى إدخال وتوريط بكين في حروب وصراعات الشرق الأوسط، وتوريطها أيضاً في صراعات فيمنطقة الصين الإقليمية فى المحيط الهادئ وشمال شرق آسيا والباسيفيك. فبعدما إكتشفت الولايات المتحدة محدودية اللجوء لإستعمال الإقتصاد العالمي في عرقلة وتقييد الصعود الصيني، لجأت واشنطن إلى إستراتيجية أخرى، تتمثل في أن واشنطن باتت بحاجة إلى إستكمال تطويق وتقييد بكين عبر وسائل أخرى من شأنها أن تزيد من فعالية عرقلة الصعود الصيني.
وفي هذا المنحى، إقترح وانغ جيسي، الخبير والدبلوماسي الصينى الأبرز في ملفات السياسة الخارجية، مفهوماً جديداً، أطلق عليه، مصطلح “الزحف بإتجاه الغرب”، وقال فيه: “بينما تعيد واشنطن التوازن نحو آسيا، أصبحت العلاقة بين أميركا والصين مثيرة للجدل على نحو متزايد وتقوم على نتيجة صفرية”.
ومع إحتدام المنافسة البحرية بين الصين والولايات المتحدة فى آسيا، توقع وانغ جيسي بأن تصبح آسيا الوسطى والشرق الأوسط منفتحة مجدداً على التعامل مع الصين.
ولعل التحليل الجديد الذي طرحه وانغ استوقفني إستوقفني قوله إن “الإنسحاب الأميركى الحتمي من الشرق الأوسط، يمكن أن يؤدي إلى “إستفادة الطرفين (أميركا والصين معاً)”، لأن أميركا كانت “في أمس الحاجة إلى مساعدة الصين في تحقيق الإستقرار في أفغانستان وباكستان”.
وقد توصلت إلى وجود هدفين بالنسبة للصين وواشنطن تجاه الشرق الأوسط، هما:
أولاً، الهدف الصيني: نجد أن هدف الصين هو تحقيق نفوذ من دون التورط في الشرق الأوسط، من خلال مبادرتها للحزام والطريق.
ثانياً، الهدف الأميركي: إن الولايات المتحدة تهدف هنا وفق خططها المستقبلية، إلى إتباع إستراتيجية الربط بين صراعها مع النفوذ الصيني فى الشرق الأوسط والصعود الصيني في منطقة شمال شرق آسيا كمحيط خلفي للصين، ومن ثم، فإن تلك الإستراتيجية الأميركية الجديدة تكمن في إستخدام الحرب فى إستراتيجيتها السياسية لكبح جماح الصين، بمعنى: محاولات أميركا إستعمال القوى الإقليمية عبر حروب الوكالة نيابةً عن واشنطن كإستراتيجية مفضلة لها لكبح صعود الصين كقوة يحتمل أن تكون معادية لمصالح الولايات المتحدة في بقاع عديدة حول العالم. وتضمن هذه الاستراتيجية الحيلولة دون بروز مهيمنين إقليميين خطرين، والتحكم في بناء ثروات القوى الإقليمية عبر تحويل الثروات من الدول المتحاربة مع الصين إلى الولايات المتحدة.
فالخطة الأميركية المنتظرة، ستكون عبر توريط وإرغام الصين في الإنغماس رغماً عنها في صراعات، من خلال إدخالها في حروب بينية في منطقتها الإقليمية في شمال شرق آسيا أو عبر توريطها فى سياسات الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي من شأنه أن يرفع من تكاليف الصين الإقتصادية التي ستنفقها على مشاريع سياسية من أجل حماية أصولها الإقتصادية حول العالم ومبادرتها العالمية مترامية الأطراف للحزام والطريق، وهو الأمر الذي باتت تخطط له واشنطن، لأنه سيشكل بالضرورة عبئاً على الصين، التي لا تزال منهمكة في عملية بناء الثروة للحفاظ على إستراتيجية الحزام والطريق طويلة الأمد والتي تأثرت حتماً بعد إنتشار جائحة كورونا حول العالم.
ومن هنا، توصلت إلى تحليل جديد ونظرية سياسية مستقبلية، وهي أن الشرق الأوسط سيشهد إنسحاباً تدريجياً أميركياً، ولكنها رغم ذلك باتت تعمل حسابه بعناية فائقة عبر توريط غريمتها ومنافستها التقليدية، الصين، في حروب بينية أخرى لتشتيت قوتها وثروتها، وهو الأمر الذي ربما فطنت إليه بكين بالفعل من خلال توقيعها الإتفاقية الإستراتيجية مع الجانب الإيراني لتأمين طرق الإتصال المهمة والممرات البحرية لتأمين نقل النفط والطاقة من الشرق الأوسط إلى الصين كمحور إستراتيجي مهم في خطة الصعود الصيني، تسعى القوى المنافسة لبكين إستغلاله لضرب وتقويض مصالح الصين.
وهنا يمكننا الوصول لتحليل مستقبلي معمق، وهو أن الولايات المتحدة لن تخوض حروباً مباشرة ضد الصين، فمن غير المرجح إطلاق تعارك صيني أميركي مباشر مثلما يتمنى ويريد البعض. والأرجح سعي واشنطن نحو توريط دول أخرى فى هذا الصراع مع الصين، ولاسيما عبر حلفاء الولايات المتحدة، وإطلاق حروب بينية بين الصين ودول حليفة لواشنطن في منطقة شمال شرق آسيا، كاليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وفيتنام، والفلبين، وغيرها. وتصبح النتيجة هي تشتيت قوة الصين في إتجاهات ومحاور حروب بينية عديدة، تؤثر على تراكم ثرواتها حول العالم، وتؤثر قطعاً على إستراتيجيتها للحزام والطريق في الشرق الأوسط.

*أستاذة جامعية مصرية وباحثة في الشؤون الآسيوية والصينية.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية