العراق مجدّداً في دائرة التجاذب الأميركي – الإيراني

العراق مجدّداً في دائرة التجاذب الأميركي – الإيراني

بقلم: حسن صعب* |
لم يشهد العراق في تاريخه المعاصر استقراراً سياسياً أو أمنياً أو اجتماعياً، وخصوصاً منذ مرحلة الانقلابات في ستينيات القرن الماض، تلتها الحرب مع إيران في بداية الثمانينيات(1980/ 1988)، والتي سُمّيت حرب الخليج الأولى، ثم حرب الخليج الثانية (1990/1991) التي أعقبت غزو نظام صدّام حسين للكويت، إلى الغزو الأميركي للعراق في مارس/آذار 2003، والذي سُمّي بحرب الخليج الثالثة.
وبديهي القول بأن ثروة العراق النفطية، وموقعه الجيوستراتيجي في المنطقة، قد جعلاه في خضم صراعات داخلية مريرة، وأخرى مع بعض دول الجوار، وحتى تلك البعيدة عنه بآلاف الأميال.
وقد كانت مرحلة ما بعد احتلال العراق من قِبل التحالف الأميركي – الدولي في العام 2003، هي المرحلة الأكثر استقطاباً للتجاذبات الإقليمية والأجنبية، بعد إسقاط نظام صدّام وحلّ الجيش العراقي ومؤسسات الدولة؛ بحيث رسم الأميركيون وحلفاؤهم مشروعاً معيّناً لعراق المستقبل، كجزء أساسي ممّا سمّي “الشرق الأوسط الجديد”، والذي واجه منذ البداية مقاومة شديدة من أطراف وقوى مختلفة، في الميادين السياسية والعسكرية والأمنية وغيرها؛ وكانت إيران في طليعة المتصدّين للمشروع الأميركي الذي كان سيستهدفها في نهاية المطاف، بحسب ما أعلن القادة الإيرانيون في حينه.
من المساكنة إلى الصدام
بعد مرحلة مساكنة قصيرة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تلت مرحلة إسقاط نظام صدّام الذي شنّ حرباً مدمّرة على إيران بعيد انتصار الثورة فيها، تطوّرت الأوضاع تدريجاً نحو التصادم غير المباشر بين الطرفين على الأرض العراقية، في ظل التنافر أو التناقض الجوهري بين رؤية كلٍ منهما لمصير العراق الجديد، والذي يمس بأمن ومصالح إيران والولايات المتحدة، جذباً وطرداً.
تمّ الانسحاب الأميركي العسكري الأول من العراق ،في أواخر العام 2011، في عهد الرئيس باراك أوباما الذي رغب بإنهاء تَورّط بلاده في نزاعات خارجية مكلفة ومفتوحة، والتي بدأها سلفه جورج بوش الابن، في العام 2001 ، بعد تفجيرات 11 سبتمبر الدامية في الولايات المتحدة، من أفغانستان، ليجري تعزيز كبير للقوات الأميركية في وقت لاحق بهدف مواجهة صعود تنظيم داعش الإرهابي، والذي سيطر بشكل مفاجئ على مساحة ثلث العراق آنذاك، مطيحاً بالجيش العراقي الذي أشرفت على تأسيسه وتدريبه وتمويله الإدارة الأميركية.
وهنا برز دور إيران، خصم الولايات المتحدة اللدود في المنطقة، في دعم الفصائل والأحزاب (الشيعية) المعادية لداعش كما للوجود العسكري والنفوذ السياسي الأميركي المتصاعد في ذلك الوقت. وهي احتلّت موقع الصدارة في مقاومة الاحتلال الأميركي بعد أعوام من تصدّر جماعات سنيّة متطرفة للعمليات العسكرية ضد القوات الأميركية، والتي لم توفّر المدنيين من كافة الطوائف والمذاهب والقوميات العراقية!
وقد سعى الطرفان الأميركي والإيراني طيلة تلك السنوات من المساكنة السياسية والمواجهة العسكرية غير المباشرة، إلى تثبيت ركائز نفوذ لكلٍ منهما في العراق، تحضيراً لمتغيرات قد تحصل في هذا البلد الذي يعج بالتناقضات والنزاعات، كما بالفساد المستشري وفشل الإدارة والتدخلات الخارجية في شؤونه.
ومعروف أن الأميركيين باتوا يمتلكون اليوم نفوذاً كبيراً في المناطق الكردية والسنيّة “شبه المستقلة”، كما في بعض البيئات الشيعية، العشائرية والسياسية والحكومية، فيما يمتلك الإيرانيون نفوذاً مهماً داخل البيئات الشيعية الدينية والسياسية والعشائرية، فضلاً عن دورهم الأساس في دعم الحشد الشعبي (الشيعي) الذي تمكن من دحر جماعات داعش الإرهابية فى وقت قياسي، فاجأ الأميركيين وحلفاءهم. وهنا يبرز دور الجنرال قاسم سليماني الذي اغتاله الأميركيون مطلع العام 2020 قرب مطار بغداد الدولي.

الانتخابات التشريعية محطة مفصلية
إن المحطة المفصلية التي ستكشف هويّة صاحب النفوذ الأقوى في العراق في المستقبل هي الانتخابات التشريعية، التي تقرّر إجراؤها في العاشر من تشرين الأول /أكتوبر 2021، حيث يشتد التجاذب الأميركي – الإيراني بشأنها، ولو من تحت الطاولة وليس بشكل علني أو إعلامي وسياسي فاقع.
وإذا كان مفهوماً أن يتأمّل الإيرانيون بفوز القوى أو الأحزاب العراقية المؤيّدة لعلاقات حسنة أو استراتيجية معهم، بحكم الروابط الدينية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية العميقة بين الشعبين والبلدين، إضافة إلى الدعم الإيراني العاجل والفاعل الذي ساعد العراقيين في دحر تنظيم داعش الإرهابي قبل سنوات، فإنه من الصعب تقبّل الحماسة الغربية، والأمريكية تحديدًا لحصول الانتخابات العراقية في موعدها، مع الحرص الشديد على نزاهتها وشفافيتها، والذي وصل حد إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في يوليو / تموز الماضي، عن تلهّفه لهذه الانتخابات وترقّبه لنتائجها!
ومن الواضح أن الإدارة الأميركية لا ترغب بفشل سياسي جديد لها في العراق قد يفوق الفشل الذريع الذي واجهته أخيراً في أفغانستان، على المستويين السياسي والعسكري، بعد احتلالها المكلِف لهذا البلد المنكوب لعقدين كاملين من الزمن. والخصم الأول للولايات المتحدة في العراق هو النفوذ الإيراني المتعاظم فيه، والذي يجب أن ينتهي أو ينحسر بتأثير نتائج الانتخابات المقبلة، كما يأمل الأميركيون.
فقد ادّعى ريتشارد ميلز، القائم بأعمال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، في اجتماع لمجلس الأمن بشأن العراق، أن أحد أبرز العوائق أمام تهيئة بيئة مؤاتية لإجراء انتخابات سلمية وشاملة وتمتاز بالمصداقية، “هو وجود فصائل مسلّحة ومتطرفين ومخرّبين”. وأضاف ميلز أمام مجلس الأمن الذي يضمّ 15 دولة عضواً فيه، أن “البيئة المؤاتية تعني أنه يجب علينا مواجهة الفصائل المسلّحة المدعومة من إيران وأنشطتها التي تزعزع استقرار العراق، إضافة إلى ما تبقّى من عناصر تابعة لتنظيم داعش”.
وتابع: “تُضعف هذه الفصائل ثقة الناس بالحكومة وبالانتخابات التي تُقام في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. إنهم يقتلون المواطنين العراقيين ويحرمون العراق من المساعدات الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية التي هو في أمسّ الحاجة إليها”.(1)
فيما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، لدى استقباله مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض، إن “الإدارة الأمريكية ملتزمة بتعزيز الشراكة مع العراق”، مبيّناً أن “التعاون مع العراق في مجال مكافحة الإرهاب سيستمر”.
ولفت بايدن إلى أن “الدور الأمريكي في العراق سيكون مرتبطاً بتوفير المساعدة في مجال التدريب والتصدّي لتنظيم داعش”، منوّهاً بأننا “لن نكون في مهمات قتالية في العراق بنهاية العام الجاري”. وأشار إلى أننا “ندعم الديمقراطية العراقية ومتلهّفون لموعد الانتخابات التشريعية العراقية”.(2)
في السياق، ووفقًا لما ذكرته “السومرية نيوز”، قالت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد، إن بلادها ترحّب بجهود بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق لدعم الانتخابات بمراقبين إضافيين.
وأضافت ليندا خلال جلسة ل‍مجلس الأمن، أن الولايات المتحدة ستقدّم منحة قدرها 5.2 مليون دولار لفريق مراقبة الانتخابات التابع لبعثة الأمم المتحدة في العراق.
وكانت رئيسة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، جينين هينيس بلاسخارت، شدّدت على أهمية الانتخابات المزمع إجراؤها 10 أكتوبر، بالنسبة لمستقبل البلاد.
وأكدت في كلمة لها خلال جلسة ل‍مجلس الأمن، أن مصداقية الانتخابات القادمة ستكون أساسية لمستقبل العراق.(3)
ودعت بلاسخارت مفوّضية الانتخابات العراقية إلى تكثيف الجهود للحد من التزوير، مضيفة “نعلم أن هناك تمارين ومحاكاة أجرِيت قبل أسبوعين، وربما تكون هناك ثغرات، ولكن نعتقد أن الأمور تجري بشكل جيّد؛ وهناك جهات أخرى تراقب الانتخابات وليست فقط الأمم المتحدة”.(4)!
ووفق أرقام مفوّضية الانتخابات في 31 يوليو/تموز، فإن 3249 مرشّحاً يمثّلون 21 تحالفاً و109 أحزاب، إلى جانب مستقلين، قد خاضوا سباق الانتخابات للفوز بـ329 مقعداً في البرلمان العراقي.(5)
وحول خلفيات هذه الاندفاعة الأميركية والأممية للانتخابات العراقية، يقول رئيس مركز القرار السياسي للدراسات هادي جلو مرعي: “اختلفت توجهات الدول نحو العراق منذ أحداث تظاهرات تشرين، حيث هناك اليوم تحركات جديّة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لإبعاد العراق عن دائرة النفوذ الإيراني والروسي والصيني، وتدفع بالقوى القريبة على المحور الغربي، وتؤكد على الانتخابات كونها أداة للتغيير”.(6)
على المقلب الإيراني، يشدّد المسؤولون في طهران على عدم التدخل في الانتخابات العراقية، مع إبداء حرصهم على تمتين العلاقات المميّزة مع الشعب والدولة العراقية.
وفي هذا الصدد، أشار السفير الإيراني في بغداد، إيرج مسجدي، إلى أن “إيران تدعم مبدئياً إجراء الانتخابات باعتبارها مظهراً للديمقراطية وحكم الشعب؛ وبالتالي فهي ترحّب بالانتخابات العراقية المقبلة، وتدعم البرلمان والحكومة التي تتمخض عنها هذه الانتخابات”. وبيّن أن “إيران لا تعوّل سلباً أو إيجاباً على أي طرف، والمهم لديها هو إجراء الانتخابات بنجاح واقتدار بما يخدم مصالح الشعب العراقي”، واصفاً “الانتخابات بأنها مهمة ومصيرية لأنها جاءت بعد أحداث عديدة على الساحة العراقية كالتظاهرات، ومجيء السيد مصطفى الكاظمي الذي تعهد بإجراء الانتخابات المبكرة”.(7)
ويقول رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان الشمري إن إيران على علاقة وثيقة جداً بالانتخابات العراقية، وبرز ذلك منذ عام 2010، حيث كان تدخلها واضحاً في الانتخابات وطبيعة مخرجاتها.
ويضيف الشمري أن طهران تولي أهمية كبيرة للانتخابات العراقية، خصوصاً أن استمرار سيطرة الشيعة على المشهد السياسي، ودعم حلفائها في الداخل العراقي، يتيحان لها المزيد من الاطمئنان على المصالح الإيرانية.(8)

خاتمة
في الخلاصة، وفي ظل التوقعات باستمرار الدور الأميركي الفاعل في العراق مستقبلاً، لحسابات استراتيجية تخص مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وحماية الكيان الإسرائيلي من التهديدات المتنامية حوله، يمكن لحظ وجود صراع خفي ومستتر بين النفوذين الإيراني والأميركي في العراق قبيل انسحاب القوات الأميركية القتالية من هذا البلد في نهاية العام الجاري، والدولتان تمتلكان أسساً قوية، سياسية أو عسكرية أو اقتصادية واجتماعية ودينية، ولن يتمكن أحد هذين النفوذين من إلغاء الآخر في المدى المنظور على الأقل، كما ستثبت نتائج الانتخابات هذا الأسبوع، وما سيليها من ترجمة لموازين القوى الجديدة في مجلس النواب والحكومة ومؤسسات الدولة، والتي ستواجه تحديات وصعوبات للتوافق حول إدارة شؤون البلاد، واستئصال الفساد ومكافحة البطالة؛ والأهم تثبيت استقلالية القرار العراقي بمواجهة أطماع بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين في ثروات العراق ومقدّراته.

الهوامش
(1) أميركا لمجلس الأمن: يجب مواجهة تدخل إيران قبل انتخابات العراق ،
موقع independent عربية،
وكالات، 17 فبراير 2021.
(2) بايدن:نتطلع للانتخابات العراقية.. وكاظمي يشكر أمريكا، موقع الموارد نيوز، 26تموز2021.
(3) أميركا تخصّص 5.2 مليون دولار لدعم مراقبة انتخابات العراق،موقع صدى البلد،
26/أغسطس/2021.
(4) المبعوثة الأممية إلى العراق: نبذل جهوداً لعدم تزوير الانتخابات والمقاطعة غير صحيحة، موقع العربي الجديد،7سبتمبر2021.
(5) الأمم المتحدة: مساعدة انتخابات العراق ستكون الأكبر عالمياً،
الأناضول ،07/09/2021.
(6) الانتخابات العراقية القادمة… فرصة للتغيير أم لإبعاد العراق عن إيران، موقع سبوتنيك،16/6/2021.
(7) إيران تحدّد موقفها من الانتخابات المبكرة في العراق،موقع الأولى نيوز،20/4/2021.
(8) لهذه الأسباب أثارت زيارة المبعوثة الأممية لطهران موجة غضب في العراق ،موقع الجزيرة نت،2/2/2021.

مجموع القراءات 8 total views, قراءات اليوم 2 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية