الفلسفة الصينية: تعاليم كونفوشيوس – الحلقة الرابعة

الفلسفة الصينية: تعاليم كونفوشيوس – الحلقة الرابعة

الكتاب: فلسفة حضارات العالم: نظريات الحقيقة وتأويلها

تأليف: د. أنطوان غرابنر هايدر وآخرون

ترجمة: د. جورج كتورة

الناشر: مؤسسة شرق ــ غرب وديوان المسار للنشر – الطبعة الأولى ــ 2010، 480 صفحة |

ترقى بدايات التفسير الصيني للعالم إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حيث سجلت أسئلة الكهان وأجوبتهم على عظام النبؤة. وطوّر الكهنة المنجمون كتابة صورية مبكرة استطاعوا من خلالها تثبيت النصوص الطقوسية. يدور الحديث في هذه النصوص عن القوى غير المرئية، عن جوهر العقل وأرواح الأجداد، التي تؤثر في كل مكان من العالم على الإنسان. في ظواهر الطبيعة، يفترض وجود كائنات روحية غير قابلة للرؤية وليست بتصرفهم، والتي يتم استحضارها بالشعائر والصلوات. كانت هذه الكائنات الروحية الإلهية أكبر وأقوى من البشر، إلا أنها كانت تفهم اللغة البشرية. وتم جمع هذه الكائنات من قبل كهنة القرابين تحت اسم “السماء” (tien)، وكان الناس يؤمنون بالحياة الأخرى لقوى النفس غير المرئية (hun) التي يفترض وجودها لدى كل إنسان. بعد الموت ترجع هذه القوى بعد انحلال الجسد إلى عالم الأجداد حيث تبقى.

استمر التأويل الأسطوري للعالم حتى الحقبات الثقافية المتأخرة.

وتستقي المؤلفات الخمسة الكلاسيكية المكتوبة مضمونها من عصر العالم الأكبر كونغ ــ فو ــ زي (كونفوشيوس، 551 ــ 491 ق.م)، الذي أسهم مع تلاميذه في تكريس مضمون هذه العقيدة كتابياً. وفي هذه المؤلفات نتعرف بوضوح على الأفكار التي تشير إلى تأويل عقلاني للعالم. هكذا يلخص كتاب “شون ــ كي”)الربيع والخريف( حوليات وأحداث إمارة “لو” التي سبق أن سجلت قبل ذلك. أما كتاب الشعائر (Yi-li) فيعطي التعليمات لإعادة ممارسة شعائر الأجداد الكبيرة والصغيرة، وفيها نتعرف على الأشكال المبكرة لتفسير العالم، إلى غيرها من الكتب الكلاسيكية الأخرى الثلاثة.

تعاليم كونفوشيوس

زار المعلم كونغ زي (كونفوشيوس) إحدى مدارس تعليم القتال والطقوس الدينية والأخلاقية التي تضم محاربين شباناً ثم عمل في إدارة إحدى المدارس. فقام بجمع الحكم القديمة وتفسيرات العالم وقواعد الأخلاق القديمة وقام بتدريسها لتلاميذه. وكتب لاحقاً عقيدته.  ويزعم تلميذه مانغ زي أن المعلم كونغ زي قد كتب بنفسه حوليات “الربيع والخريف”.

تعاليم كونفوشيوس وأتباعه، تتمحور في مجملها حول الأخلاق والآداب، وطريقة إدارة الحكم والعلاقات الاجتماعية. أثّرت الكونفشيوسية في منهج حياة الصينيين، حددت لهم أنماط الحياة وسُلّم القِيم الإجتماعية، كما وفرت المبادئ الأساسية التي قامت عليها النظريات والمؤسسات السياسية في الصين.

انطلاقاً من الصين، انتشرت هذه المدرسة إلى كوريا، ثم إلى اليابان وفيتنام، وأصبحت ركيزة ثابتة في ثقافة شعوب شرق آسيا. ورغم أن الكونفوشيوسية أصبحت المذهب الرسمي للدولة الصينية، لكنها لم تشق طريقها حتى تصبح ديانة بالمعنى المعروف، كان يعوزها وجود هياكل أساسية، وطبقة من الكهنوتية (رجال الدين). حظيَّ كونفوشيوس بمكانة رفيعة لدى رجال أهل العلم في الصين، كانوا يطلقون عليه ألقاب الـ”معلِم” والـ”حكيم”، إلا أن تبجيلهم إياه لم يرقَ أبداً إلى درجة التأليه(من الألوهية). لم يكن كونفوشيوس يدعي أنه إله. بسبب الطبيعية الأساسية الدُنيوية (لا دينية) لهذه الفلسفة، فشلت كل المحاولات التي كانت تهدف لأن تجعل من الكونفوشيوسية عقيدة دينية.

تم تَنَاقل تعاليم كونفوشيوس بالطريقة الشفوية، ولاحقاً تم تدوين هذه التعاليم في مؤلَف الـ”لون-يو”. يرى كونفوشيوس أن النظامين السياسي والاجتماعي يشكّلان وحدة متكاملة. الفضائل والمناقب الشخصية للحكام ورجال البلاط (الأرستقراطيين) وحدهما كفيلان بأن يضمنا عافية الدولة. وتتمحور الفكرة العامة للأخلاقيات الكونفوشيوسية في مفهوم الـ”رِن”، والتي يمكن ترجمتها بـ”إنسانية” أو”طِيبَةُ القَلْب”. “رن” هي الفضيلة السامية والتي تمثل أفضل ما في النفس البشرية.

الـ”تشونغ”  أو الإخلاص تجاه الذات وتجاه الآخرين، والـ”شياو”  أو “الإيثار” (إيثار الغير على النفس)، والذي يعبر عنه كونفوشيوس في قاعدته الذهبية :”لا تفعل بالآخرين مالا تحب أن يفعله الآخرون بك”.

سياسياً كان كونفوشيوس يدعو إلى حكومة أَبَوية (تسلطية) يقودها حاكم يحظى بالاحترام ومطاع بين رعيته. يجب على الحاكم أن ينمّي أخلاقه لتبلغ الكمال، حتى يكون مثالاً يحتذي به شعبه. في الميدان التربوي كانت لـ”كونفوشيوس” آراء تقدمية، كان يدعو إلى تعميم التعليم بين كل أبناء الشعب بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية.

وكان مينغ زي أحد تلاميذ كونغ المتأخرين الذي توفي عام 289 ق. م. قد أراد تطبيق تعاليم الكونفوشسية على مواقف حياتية معيّنة. نجد عرضاً لها في كتاب مينغ زي، وهي تعاليم تنطلق من مثال إنساني متفائل وإيجابي. وبحسبها، يسعى الناس جميعاً ومن الأساس إلى الخير الأخلاقي، وهم قادرون ايضاً على فعل هذا الخير. فلا يوجد إنسان يسعى بفطرته ليعيش الشر، حتى الذين يقومون بأعمال شريرة في الدولة يمكنهم تعلّم فعل الخير من جديد.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية