الفلسفة الطاوية- الحلقة الخامسة

الفلسفة الطاوية- الحلقة الخامسة

 الكتاب: فلسفة حضارات العالم: نظريات الحقيقة وتأويلها

تأليف: د. أنطوان غرابنر هايدر وآخرون

ترجمة: د. جورج كتورة

الناشر: مؤسسة شرق ــ غرب وديوان المسار للنشر – الطبعة الأولى ــ 2010، 480 صفحة. |

قراءة: د. هيثم مزاحم |

الطاوية مجموعة مبادئ، تنقسم إلى فلسفة وعقيدة دينية، مشتقة من المعتقدات الصينية الراسخة القدم. من بين كل المدارس العقلية التي عرفتها بلاد الصين، تعتبر الطاوية الثانية من حيث تأثيرها على المجتمع الصيني بعد الكونفشيوسية.

الطاو أو التاو (DAO) معناها بالعربية: الهدي، الطريقة أو الطريق، الذي يسلكه أتباع الديانة أو الهدي.حين بدأت الديانات الإبراهيمية (يهودية، مسيحية، إسلام) من الأعلى إلى الأسفل (الله وملائكته)، بدأ أتباع الهدي من الأسفل إلى العالم العلوي. راقب قدماء الصينيين الإنسان ببساطة، ثم جرّدوه من غلافه للمقارنة بينه وبين الحيوان، فظهر جلياً أن الأشياء الحيّة المتطوّرة لها أصلان، ذكري وأنثوي، متضادان، متحدان (الين YIN الأنثوي واليانغ Yang الذكري)، منبعهما شيء له صفتان، غموض أنثوي ونشاط ذكري، أصل كل الأنواع على الأرض وغيرها، الطاو.

تقول الحكم إن المبدأ الأول لا يلفظ باسمه في العالم. ذلك أن كل ما نستطيع أن نسمّيه بلغتنا ليس هذا المبدأ الأول. وهو يشبه بالأم البدئية(الأولى) التي منها يتولّد كل شيء. إننا نرى حاشية ثوبها فقط لكننا لا تعرف جوهرها. ومن هذه الأم الأولى تولّدت القوى التي تشكل الحياة، وبالتحديد قوة الظلام وقو النور. وكلتاهما تؤثّران ببعضهما بعضاً وتكملان بعضهما بعضاً، ولا تقاتل الواحدة الأخرى أبداً. ولأن الأمر كذلك تشكّل كل القوى المتصارعة وكل الأشياء المتضادة في عالمنا وحدة نهائية. والإنسان الحكيم هو الذي يترك العنان لحياته تسير كيفما اتفق. ذلك أنه يعيش إلى جوار الطبيعة وجوار المبدأ الأول الأزلي.

حتى يكون الإنسان في حالة تناغم مع الـ”طاو”، وجب عليه أن يمارس الـ”لافعل” (وو واي)، أو على الأقل اجتناب كل الأفعال الناتجة عن الغصب (الإجبار)، الاصطناع أو غير الخاضعة للطبيعية.عن طريق التناغم التلقائي مع نزوات طبيعته الذاتية الأساسية، وترك كل المعارف العلمية المكتسبة، يتحد الإنسان مع “الطاو” ويستخلص منه قوة غامضة (دي). بفضل هذه القوة يستطيع الإنسان تجاوز كل المستحيلات على ذوي البشر العاديين، على غرار الموت والحياة.

اعتبرت المدرسة الطاوية المبكّرة هذه القوى بأنها سحرية، فيما اعتبرها كل من “لاوتسو” و”تشوانغ تسو” قوى ناتجة عن أهلية الشخص (اِسْتِحْقاق)، وعوامل الطبيعية والتلقائية.وانتقد “تشوانغ سو” ما كان يذهب إليه كل من “كونفيشيوس” من أن الحكمة الإنسانية وحدها يمكن أن تقود إلى استكشاف الـ”طاو”، كان يعتقد أن التمييز (الذاتي، التلقائي) للأفكار التصوّرية هو المسؤول عن انفصال الإنسان عن الـ”طاو”.

وكما أن الماء رقيق لكنه يفتت الحجر مع الوقت، كذلك فإن قيم وأشكال الحياة الأنثوية ستكون مع مرور الوقت أقوى من مثيلاتها الذكورية. ذلك أنها أقرب إلى المبدأ الأزلي من هذه. أما الذي يتبع بحدسه الطريق الأزلي(الطاو) فهو يعرف في كل لحظة من حياته ما هو حق بالنسبه له وما هو نافع لأخوته البشر.

والطاوية، بالمعنى المتداول اليوم، تشمل تيارين أو مدرستين متباينتين: مدرسة فلسفية، نشأت أثناء الفترة الكلاسيكية لحكم سلالة “تشو” في الصين، المدرسة الثانية عبارة عن مجموعة من المعتقدات الدينية، طوّرت خمسمائة سنة بعد المدرسة الأولى، وفي ظل حكم سلالة “هان”. يطلق اليوم على هاتين المدرستين الطاوية الفلسفية والطاوية الدينية على التوالي.

نشأت المدرسة الأخيرة بعد ظهور أحد الحكماء واسمه “لاو تسي”، قام الأخير بإملاء تعاليمه على أحد المنتسبين إلى المدرسة الطاوية الأولى وهو “تشانغ داولنغ”، وقعت هذه الأحداث في جبال السيشوان، ويؤرخ البعض أحداثها سنة 142 بعد الميلاد. على الرغم من التأثيرات ذات الطابع الديني والمأخوذة من المعتقدات القديمة للأهالي، الديانة الشامانية، الكهانة أو الشعوذة، على رغم كل هذه التأثيرات استطاعت المدرسة الطاوية الفلسفية الحفاظ على نفسها، في نفس الوقت شقت الديانة الطاوية لنفسها طريقاً وسطاً، ويتجلّى تأثيرها أكثر في الثقافية الشعبية الصينية.

تدعو هذه المدرسة إلى احترام الذات والانعزال عن الحياة العامة، تفرعت هذه المبادئ عن التقاليد الصينية القديمة للتصوّف والعبادة التأملية والتي ارتبطت باليوغا. قام الفيلسوف “تشوانغ تسو” بتطوير هذه المبادئ في نهاية القرن الـرابع قبل الميلاد.

يمكن العثور على تعاليم ومبادئ المدرسة الطاوية الفلسفية بيت دفتي اثنين من أهم المصنّفات: الأول وهو الـ”داوديجنغ”، ألفه “لاوتسو” في القرن الـثالث ق.م.، المصنف الثاني أو الـ”تشوانغ تسو”، ويضم مجموعة من الأمثال والمواعظ، صنفه “تشوان غتسو” في نفس القترة السابقة تقريباً (القرن الـثالث ق.م.).

كان النظام المثالي في رأي “لاو-تسه” هو النظام الشمولي الذي يقوده ملك-فيلسوف، أما الرعية فيجب أن تكون مسالمة ومطاوعة لأقصى درجة لهذا الحاكم.على عكس الكونفشيوسية والتي كانت تدعو الفرد إلى الانصياع إلى النظام التقليدي، كانت مبادئ الطاوية تقوم على أنه يجب على الإنسان أن يهمل متطلبات المجتمع المحيط، وأن يبحث فقط على الأشياء التي تمكنه من أن يتناغم مع المبادئ المؤسسِة للكون، أو “الطاو” (الطريق).

يقول “مينغ-تسي” (من أتباع المدرسة الكونفوشسية) وهو يصف أتباع لاوتسو، “لن يضحوا ولو بشعرة إذا توجب ذلك لإنقاذ العالم”.

مجموع القراءات 534 total views, قراءات اليوم 1 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية