تحديات العصر الحديث في الفلسفة الصينية

تحديات العصر الحديث في الفلسفة الصينية

قراءة: د. هيثم مزاحم* |

  الكتاب: فلسفة حضارات العالم: نظريات الحقيقة وتأويلها

تأليف: د. أنطوان غرابنر هايدر وآخرون

ترجمة: د. جورج كتورة

الناشر: مؤسسة شرق ــ غرب وديوان المسار للنشر – الطبعة الأولى ــ 2010، 480 صفحة. |

عرفت الصين خلال تاريخها اضطرابات عديدة وشديدة (الممالك المتحاربة، انقلابات على أنظمة)، جعل فلاسفة تلك المرحلة في عودة إلى الماضي، مستلهمين البساطة، والسكينة، من سذاجة الناس، راجين الإبقاء على الأمور في حالة سكون، تفادياً للفوضى. ونقرأ كيف أن لاوتسو وتشوانغ سو انتقدا في كتاباتهما، نهم الإنسان نحو العلم والتطوّر، آخذين عليه إهماله للسكينة ووداعة العيش. هذه النظرة لامت أيضاً كونفوشيوس وأتباعه في سيرهما نحو نزع الأمية من المجتمع الصيني، وسعيه الحثيث في تغيير السياسيات المطبقة.

مع هذا، اعترف كونفوشيوس نفسه بأنه على الهدي، على الطاوية القديمة، هذا ما دفع كسون زي أحد أتباع كونفوشيوس، للمزج بين الهدي كالطريقة الأولى والواحدة، وبين الكونفوشية (كونفشيوسية) التي تدعو للتطوّر. وقال كسون زي: “كل شيء يتغيّر، تماما مثل الهدي، الذي هو في تغيّر دائم”. وظهر بعدها أن الكونفوشسية، مجرد نهج في طريق الهدي، وأن الهدي، هو أساس الفلسفة.

حين انتزعت أسرة مندشو الحكم عام 1644م واستمرت على رأس السلطة في الصين حتى العام 1912، حدث توجّه جديد في أوساط العديد من مدارس الحكمة، فالمفكّرون المحافظون وجدوا في السلطة الغريبة إهانة وعاراً، لذلك انخرطوا في صف المعارضة للنظام الجديد. بل إن بعضهم ذهب إلى حد الانتحار تعبيراً عن عدم رغبته في خدمة سيد غريب. وقد فرض الحكام الجدد الفلسفة الكونفوشسية إذ رأوا فيها أسس العيش المشترك داخل الدولة. كان الحكيم هوانغ زونغ كسي (1695م) ناقداً بالسر للحكام الغرباء، وعلى الرغم من ذلك فقد ألف أول تاريخ للفلسفة الصينية، أوضح فيه قيم الحياة الأصلية في الثقافة الصينية طالباً من معاصريه اتباعها من جديد. ولذلك فهو يعتبر من المفكّرين المبكّرين للقومية الصينية. تبعه بعض المعلمين الآخرين منتقدين المجتمع غير العادلن مقدمين براهين من أجل مجتمع عادل وناجح اقتصادياً.

كذلك كان المعلم غو يانفو (توفي 1682م) ناقداً للسلطة الجديدة، وأراد أن يكون له تأثيره السياسي وسط دائرة ضيقة من الأصدقاء، وأن يغير شيئاً في الحياة الاجتماعية، حتى يتسنّى للناس العيش بسعادة.

وقد تابع الفلاسفة النقاش حول المبدأ الأزلي وقوى الأصل الأربع والنمو والمحصول والاختبار. وقال المعلم داي زيهين (توفي 1777) بقيم حياتية محافظة، وتجريب مناهج جديدة لاكتساب المعرفة. وفي هذا الوقت كانت مدرسة “النصوص الجديدة” قد حظيت بتقدير كبير حيث أخذت في رواياتها عقائد من الطاوية والبوذية. والمفكرون الذين قدر لهم الاحتكاك بالمبشّرين اليسوعيين رأوا في هذه العقيدة الجديدة حسنات تضاف إلى ثقافتهم الخاصة، إذ نقل المبشّرون إلى الصين علوم الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء الغربية مما جعل بعض معلّمي الحكمة أكثر فضولاً فبدأوا الاهتمام بالفكر ذي الطابع العلمي الطبيعي. أحد أشهر المحرّضين على ذلك كان كانغ يوفاني (توفي 1727م)، إذ أراد الجمع بين العقيد الأخلاقية القديمة والعلم الغربي، فرسم في كتابه عن “الوحدة الكبرى” عالماً ثقافياً تتكامل فيه التعاليم الكونفوشسية مع معارف العلم الغربي الجديدة بطريقة مثمرة.

حول خصوصيات الثقافة الصينية كتب المعلّم الكونفوشسي كو هونغ مينغ (توفي 1932م) وهو عايش نهاية العهد القيصري في الصين عام 1912. وكان على بلاده في القرن التاسع عشر أن تتحمل الكثير من الإهانات السياسية والاقتصادية التي تسبّب بها الأوروبيون. وكان عليه أن يعاين كيف تجاوز اليابانيون البلاد تقنياً، ذلك أن أسرة ميجي الحاكمة كانت هناك قد ضرعت البلاد باكراً للثقافة الغربية. وكانت الإجراءات الاقتصادية والسياسية اللازمة قد ذهبت أدراج الرياح بسبب الموقف الصارم الذي اتخذته الإمبراطورة الأخيرة تسي هسي. وفي 12 شباط 1912 كان عليها أن تتخلّى عن العرش تحت تأثير الضغط السياسي الكبير الذي ألزمتها به القوى الثورية. هنا بدأ انفتاح الصين وببطء وبـتأخر زمني على العلم الغربي وعلى التقنية الغربية، وعلى أشكال الحياة الديموقراطية. وبدأت نماذج الفلسفة الغربية تعرف في الصين.

كان سون يات سين (توفي 1925) أول رئيس في الجمهورية الصينية وكان صاحب ثقافة فلسفية وقد مارس الطب، ودرس في أميركا وانجلترا، وتعرف هناك على الأفكار الليبرالية والديموقراطية. وقد أراد في كتابه “مبادئ الشعوب الثلاثة” نشر قيم الحياة الديموقراطية في الصين بالتدرّج. إذ كان يعتقد أنه من الممكن أن يكون التجديد السياسي والثقافي في بلده خالياً من الأزمات.  ومنذ تولّي الحزب الشيوعي السلطة عام 1948 صارت الفلسفة الماركسية الفلسفة الرسمية في الصين. وبين 1966 و1976 عرفت الصين “الثورة الثقافية” حيث تم القضاء على كل بقايا الثقافة الإقطاعية وتم تخريب المعابد البوذية والطاوية وطرد الرهبان من أديرتهم وألزموا بالعمل اليدوي. وفي العام 1976 أعلن الانتهاء من هذه الثورة وساد التسامح مجدداً في التفكير وتنظيم الحياة الشخصية. وكان على الديانات القديمة أن تنتشر تحت رقابة الدولة.

*رئيس مركز الدراسات الآسيوية والصينية.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية