تحوُّل إيران إلى دولة على عتبة النووي تحدٍّ لسياسة الغموض الإسرائيلية

تحوُّل إيران إلى دولة على عتبة النووي تحدٍّ لسياسة الغموض الإسرائيلية

بقلم: ألوف بن – رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية |
تقترب إيران بسرعة من وضع دولة “على عتبة النووي” وتملك مادة مخصبة تكفي لصنع قنبلة واحدة، وقنبلة ثانية وثالثة. الإسرائيليون بحاجة إلى وقت كي يعوا ذلك، لكن كما كتب رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق إيهود باراك في مقالته في نهاية الأسبوع في “يديعوت أحرونوت”، من الآن هذا واقع استراتيجي تواجهه إسرائيل.
ليس لدى الإيرانيين سلاح نووي عملاني، والمعروف حتى الآن أنهم يؤخرون تطوير قنابل ووسائل إطلاق ويركزون على تجميع اليورانيوم المخصّب وتطوير بنية تحتية لتصنيعه. وهذه التأخيرات تقنية يمكن التغلب عليها بجهد غير كبير. استغلت إيران انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي – بتشجيع متحمس من رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو – كي تسجل حقائق نووية تمنحها ميزة في أي وضع: تحسين شروط الاتفاق المستقبلي مع إدارة بايدن، وأيضاً تعزيز مكانتها في المنطقة مع اتفاق ومن دونه.
تخوف نتنياهو كثيراً من تقرُّب الولايات المتحدة من إيران، ووظف جهوده الدبلوماسية والعملانية لإحباط مثل هذه الإمكانية، لكنه لم ينجح في تسجيل حقائق تمنع تسوية التوترات بين الدولتين في المستقبل، وأيضاً في إيجاد بديل على شكل حوار مباشر بين القدس وطهران يساعد في تخفيف التوترات ويمنع حرباً لا يرغب فيها الطرفان.
قبل انتهاء ولاية نتنياهو رفض الإيرانيون عمليات جس نبض إسرائيلية لفتح قناة مباشرة بين الدولتين. الاتصالات بين الدولتين موجودة بواسطة عمليات التحكيم بشأن تقاسُم أرصدة شركة خط أنبوب النفط الإيراني – الإسرائيلي الدائرة في سويسرا بواسطة دولة ثالثة يثق بها الطرفان. لو كانت الاتصالات المباشرة نضجت لكان من الممكن مناقشة مشكلات إقليمية مختلفة، وتخفيف التوترات المتبادلة وخطر اندلاع اشتباكات إقليمية. لكن إذا كان ليس هناك مَن نتحدث معه في الجانب الإيراني ماذا نفعل؟
رئيس الحكومة السابق إيهود باراك – الذي من المفترض أن يفهم في هذه الموضوعات- قدّر أنه لم يعد لإسرائيل خيار عسكري لمهاجمة المنشآت النووية في إيران في إمكانه أن يؤجل سنوات كثيرة تخطّي إيران العتبة النووية. وهو يعتقد أيضاً أن الأميركيين الذين لديهم جيش أقوى بكثير من الجيش الإسرائيلي، ليس لديهم خطة عملانية أو اهتمام لمهاجمة الإيرانيين. والاستنتاج الذي توصل إليه أن على إسرائيل تعميق ارتباطها بالولايات المتحدة، وأن تطلب منها المزيد من الدعم والمساعدة الدبلوماسية والعسكرية.
تدل التجربة على أنه في أثناء مِحن أمنية اعتمدت إسرائيل بالفعل على الولايات المتحدة، لكن أيضاً هي تميل إلى إعادة فحص “سياسة الغموض النووية” التي تعود إلى أعوام كثيرة، ولا تعترف بالتقارير الأجنبية التي تتحدث عن قدراتها النووية، وامتنعت من القيام بتجارب نووية أو إعلان امتلاكها سلاحاً نووياً. أكثر من مرة منذ حرب يوم الغفران [حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973]، وكلما شعرت القيادة الإسرائيلية بوجود خوف أمني لدى الجمهور كان هناك دائماً مسؤول خفف قليلاً من الغموض وتحدث عن قدرات إسرائيل. كذلك باراك الذي أشاد في مقالته بقوة الردع الإسرائيلية، وقال إنه لا داعي للقلق.
بروز قوة نووية عظمى جديدة في المنطقة معادية لإسرائيل وتدعو علناً إلى القضاء على “النظام الصهيوني” سيرفع بالتأكيد معدل المخاوف في إسرائيل. هل نحن فعلاً أمام “محرقة ثانية” حذّر منها نتنياهو؟ المعضلة المطروحة على نفتالي بينت هي كيفية تهدئة الجمهور، وردع الإيرانيين، والحصول على دعم من الأميركيين.
“مشروع دانييل”، الذي قام به طاقم من خبراء الذرة والاستراتيجيا من إسرائيل والولايات المتحدة، أوصى في سنة 2003 رئيس الحكومة آنذاك أريئيل شارون بما يجب عليه فعله إذا حصلت دولة أو تنظيم معاديان لإسرائيل على قدرة نووية. بحسب الطاقم، ردع نووي “موثوق به وحاسم” ضروري لجوهر وجود إسرائيل – لذا، من المحتمل أن تضطر إسرائيل إلى تغيير سياسة الغموض إلى حد ما والكشف عن قدراتها. هذا النقاش سيعود من جديد كلما شعرت إسرائيل بأن إيران تتقدم نحو العتبة النووية، وربما بعدها.
لم يفصّل الطاقم ما يعينه بالكشف المحدود، على الأقل ليس ضمن صيغة واضحة. من خلال تجارب دول أُخرى في العالم كشفت قدراتها النووية، من الهند وحتى كوريا الشمالية، هناك قائمة طويلة – من الكشف عن منشآت نووية، مروراً بتصريحات الزعماء، وصولاً إلى تجربة نووية حقيقية. بالنسبة إلى إسرائيل، مردخاي فعنانو كشف قدراتها النووية، ومنذ ذلك الحين انتشر رقم “200 قنبلة نووية” تملكها إسرائيل. هذا السر المعلن تعرفه طهران أيضاً. مغزى تآكل الغموض لايعني تعزيز صدقية ما كشفه فعنانو، بل جعل الردع الإسرائيلي أكثر علنية.
القيود الأساسية أمام رفع الغموض هي التزام إسرائيل أمام الولايات المتحدة منذ سنة 1969 بالمحافظة على ضبط النفس في هذا المجال. وهذا الضبط يُكافأ بمظلة دبلوماسية أميركية تحافظ على ديمونا وعلى إنتاجها في وجه مبادرة دولية لنزع السلاح. كلما شعر الأميركيون بأن إسرائيل لا تلتزم بالتفاهمات كلما سرّبوا معلومات عن قدراتها. قبل بضعة أشهر جرى الكشف عن أعمال تطوير واسعة تجري في مقر هيئة الأركان العامة للجيش لبحث نووي من خلال صورة أقمار اصطناعية نشرها معهد أبحاث أميركي مع تبدُّل الإدارة الأميركية.
لا يرغب بينت في تعريض التفاهمات مع واشنطن للخطر، وسبق أن كررها في لقائه الرئيس جو بايدن الشهر الماضي. لكن ستُمارَس عليه ضغوط كي يعيد فحص هذه التفاهمات، بينما إيران تراكم المزيد من اليوارنيوم المخصب، واليسار في الحزب الديمقراطي يعترض على المساعدة العسكرية التقليدية لإسرائيل. هذا النقاش سيشغل في الفترة المقبلة متخذي القرارات في القدس وفي مقر هيئة الأركان العامة في تل أبيب، وأيضاً مَن يمسكون “بالملف الإسرائيلي” في واشنطن.

المصدر: صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مجموع القراءات 3 total views, قراءات اليوم 2 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية