تعاون الشعبين السعودي والصيني على مكافحة وباء كورونا

تعاون الشعبين السعودي والصيني على مكافحة وباء كورونا

بقلم: تشن يويه يانغ ولي شيو تينج |

نشرت الباحثتان الصينيتان تشن يويه يانغ ولي شيو تينج مقالة تحب عنوان “تعاون الشعبين السعودي والصيني على مكافحة الوباء أمر إيجابي” في مجلة اليمامة السعودية. والنص كما يلي:  

يوافق هذا العام الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية؛ إذ تضرب أواصر الصداقة بين البلدين جذورها في أعماق التاريخ منذ كان ميناء جدة من أهم محطات طريق الحرير القديم؛ ومذ كانت مدينة العُلا من أهم مراكز التبادل التجاري على طريقي الحرير والتوابل، وقد شهدت تلك المناطق تواصلاً تاريخياً بين الصين وشبه الجزيرة العربية.

تتجلى الصداقة في وقت الضيق؛ فالأُخُوّة بين شعبي الصين والمملكة تجسدت في عدد من الحالات؛ ففي عام 2008م، حينما تَعَرّضت منطقة «وين تشوان» بمحافظة «سي تشوان» إلى زلزالٍ كارثيٍّ، تبرعت المملكة بمبلغ 50 مليون دولار أمريكي، وبعشرة ملايين دولار مساعداتٍ عينيةً، وقد كان ذلك أكبر تبرع تتلقاه الحكومة الصينية آنذاك، وعُد بمثابة تعاطف ودعم كبير مع شعب الصين، وفي عام 2016م كانت المملكة العربية السعودية أول محطة للرئيس شي جين بينغ في رحلته إلى الشرق الأوسط، وقد أعلن حينها الطرفان السعودي والصيني بدء علاقات إستراتيجية شاملة بينهما، وخلال السنوات الأخيرة تلاقت أهداف مبادرة «الحزام والطريق» وأهداف «رؤية السعودية 2030»، وهذا أتاح فرصاً سانحة لاستمرار العلاقات الثنائية وتطورها.

وبعد انتشار فيروس كورونا المستجد خلال العام الحالي، ساعدت علاقات الصداقة بين الطرفين على تخطي تلك المِحْنَة، بالدعم المتبادل بين البلدين وتداولهما خبراتهما في مجال مكافحة الوباء، وتقديمهما المساعدات الإنسانية فيما بينهما، ووقوفهما معًا أمام انتشار الوباء، وتعاونهما على تخطي الصعوبات، وبذلك سيكتب البَلَدان فصلًا جديدًا من تاريخ علاقات الصداقة والتعاون السعودية الصينية، بمناسبة الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية، في ظل ما يدعو إليه الجانب الصيني من العمل بفكرة مجتمع المصير المشترك للبشرية.

لقد عبَّرت السعودية، عند بداية انتشار فيروس كورونا المستجد، على جميع الصُّعُد، عن ثقتها بانتصار الصين على وباء كورونا ومواساتها الشعب الصيني.

فعلى الصعيد الحكومي، وعند بداية انتشار الفيروس في الصين، كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود من أوائل المسؤولين الأجانب الذين اتصلوا هاتفياً بالرئيس الصيني شي جين بينغ، وقد أعرب عن دعمه الصين في معركتها ضد الوباء، وعن رغبته تقديم المساعدة إلى الجانب الصيني، وقد أثنى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، ومعالي وزير الصحة توفيق الربيعة، ثناء حسناً على ما أبدته الحكومة الصينية من نموذج يُحتذى به في العزيمة والإرادة القوية في أثناء مكافحتها الوباء.

أما على الصعيد الإعلامي فقد علقت الإذاعة الرسمية ووكالات الأنباء السعودية تعليقاً إيجابياً على المجهودات التي بذلتها الصين لمكافحة الوباء، وغطّت عدة مصادر إخبارية مشهورة تغطية عادلة وشفافة أخبار انتشار الوباء في الصين، التي كانت بمثابة مصدر مهم لشعوب البلاد العربية للتعرف إلى حقيقة هذا الوباء.

وعلى الصعيد الشعبي عبّر كثير من السعوديين عن دعمهم وتمنياتهم القلبية للمصابين بالوباء من الشعب الصيني بالشفاء العاجل، من طريق إرسالهم رسائل نصية ومشاركات عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، كما نشر باحثو مركز البحوث والتواصل المعرفي، وهو من المراكز البحثية المعروفة التي تبحث في الشؤون الصينية، عدة مقالات في هذا الصدد، وسجّلوا فيديوهات باللغة الصينية يعربون فيها عن دعمهم الشعب الصيني، وعقَد مركز البحوث عدة حلقات نقاشية افتراضية ناقش فيها الباحثون والخبراء مواضيع آثار جائحة كورونا في جميع دول العالم.

لقد دعمت السعودية حكومة وشعباً الصين في أثناء تصديها بكل قوتها للأزمة، ووجّه خادم الحرمين الشريفين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بتقديم مساعدات طبية عاجلة، كما قدّمت عدة جهات سعودية تبرعات للصين بلغت 50 مليون يوان صيني، وكانت تلك التبرعات ذات قيمة كبيرة في نظر الصين؛ لأنها جاءت لتخفف عنها ظروفًا عصيبة قاسية، وكانت في هذا الوقت دعماً للشعب الصيني، كما جسّدت العلاقات الإستراتيجية الشاملة بكل معانيها بين البلدين.

وردًّا لهذا الجميل، سجّلت السفارة الصينية وموظفو إحدى المؤسسات الصينية بالمملكة فيديو لشكر سمو الملك سلمان على المساعدات التي أرسلها، وأهدوا إلى مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لوحةً تذكارية مرسوماً عليها بالخط العربي الآية القرآنية: «إن الله يحب المحسنين».

منذ ظهور حالة الإصابة الأولى بفيروس كورونا بالمملكة في ثاني مارس عام 2020م بدأت حالة انتشار الوباء تصاعداً مستمراً، وتجاوز عدد حالات الإصابة اليومية فيها أكثر من ألف حالة، حتى إنها سجلت أكبر عدد من الإصابات بين الدول العربية، ويتذكر الشعب الصيني صنائع المعروف دائماً، ويقدِّر مساعدة المملكة ومشاعر الصداقة الصادقة بين شعبي البلدين، وفي الوقت الذي كانت فيه الصين تبذل مساعي كبيرة للحد من انتشار الوباء فيها كانت تتواصل مع المملكة لتساعدها في أزمتها هي أيضًا، وأعربت عن استعدادها مشاركتها بيانات تجربتها، وقدمت المساعدات التي تحتاج إليها المملكة.

بعد عقد قادة دول مجموعة العشرين القمة الافتراضية الطارئة بإشراف المملكة؛ بهدف التباحث في قضية مواجهة الوباء، اتصل الرئيس شي جين بينغ مرة أخرى بالملك سلمان هاتفياً، وقال له: إن الصين والمملكة ستقفان معًا جنبًا إلى جنبٍ دائمًا، ولن تغيب الصين في أثناء مراحل تصدي المملكة للوباء، وقرّرت الصين تقديم الدعم الكامل للمملكة من المساعدات التي تحتاج إليها، كما إن السفير الصيني لدى المملكة السيد تشن وي تشين أجرى حوارات ولقاءات مع وزارة الخارجية السعودية وقناة الإخبارية السعودية، أعرب فيها عن وقوف الشعب الصيني إلى جانب الأصدقاء في المملكة، وتضامنه مع الشعب السعودي لمواجهة تحدي جائحة كورونا، كما عرَّف السفير تشن بالتجربة الصينية في مكافحة الوباء في عدة مصادر وصحف إعلامية، وكذلك عقد خبراء وزارة الصحة من البلدين اجتماعات افتراضية؛ لتبادل الخبرات وطرائق التشخيص والعلاج، وأساليب الوقاية من العدوى، إلى آخر الخبرات.

وفي منتصف شهر أبريل عام 2020م أرسلت الحكومة الصينية فريقًا طبيًا إلى الرياض مُحمَّلًا بخالص الأمنيات القلبية ومشاعر الصداقة والأخوة الإنسانية، وقدّم الفريق الاحتياجات الطبية التي يحتاج إليها الجانب السعودي، وأجرى اختبارات العدوى بالفيروس والدعم الفني في مواضع أخرى، وعقد ندوات، وبدأ أبحاثاً ميدانية، وأعدَّ تدريبات إرشادية للوقاية من العدوى بالفيروس وتشخيصه.

كما شاركت الشركات الصينية في تحمل مسؤولية تقديم مساعدات للشعب السعودي، مثلما أتاحت «التجربة الصينية» و»التكنولوجيا الصينية» لدول العالم؛ بهدف مكافحة الوباء، وكان ذلك التعاون بين البلدين إبرازًا لنيتهما التعاون وتبادل المساعدات ومكافحة الوباء؛ فالمؤازرة، وإنْ بَعُدَت المسافات والتعاون في تخطي الأزمات، هي الوعدُ الذي وفَت به الصين للشعب السعودي، وهي ما فعلته على أرض الواقع.

التعاون السعودي الصيني بعد جائحة كورونا

تلاقت خلال السنوات الأخيرة أهداف مبادرة «الحزام والطريق» وأهداف «رؤية السعودية 2030»؛ لأن العلاقات الصينية السعودية ودية ولا تنقطع، وقد انتقل التعاون بين الجانبين، من المجالات التقليدية، مثل: الاقتصاد والطاقة، إلى مجالات الثقافة والصحة والإعلام، وغيرها.

وعلى رغم تأثُّر بعض مجالات الانتاج في الصين بشكل مؤقت؛ بسبب انشار الفيروس في الفترة السابقة، إلا أن ذلك لن يؤثر في الاتجاه الصاعد الذي اتخذه تطور الاقتصاد الصيني منذ مدة طويلة، فالتعاون الاقتصادي للدولتين ما زال ينتظر فضاءً مستقبليًا واسعًا لا حدود له.

إن التجارة السعودية الصينية واجهت، بانتشار الوباء في جميع أنحاء دول العالم، انخفاضًا مؤقتًا، ولكن قاعدة التبادل التجاري بين البلدين راسخة، كما إن الطرفين يدرسان توسيع مجالات التبادلات التجارية بينهما، ولا تزال أمامهما إمكانات نموٍّ واسعة النطاق، وقد قررت الصين تسريع خطى التعاون التجاري الواثقة بعد انتهاء انتشار هذا الوباء.

إن المملكة أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، وهي بمثابة أكبر مورّد للنفط الخام إلى الصين، كما إن الصين هي ثاني اقتصادات العالم الكبرى، ولديها مجموعة صناعات متكاملة، ونُظُمٌ صناعية متميزة، وسلاسل إنتاجية مجهّزة، واحتياجات كبيرة إلى توريد النفط؛ ولذا يُعدّ التأثير السلبي للوباء في التعاون السعودي – الصيني في مجال الطاقة مؤقتاً.

وقد وقَّعت شركة «خوا دا» الصينية لتقنيات أبحاث المادة الوراثية مع السعودية، وفقًا لوكالات الأنباء السعودية، عقدًا بقيمة 995 مليون ريال سعودي، (أي: مليار و870 مليون يوان صيني) للتعاون في مجال اختبارات فيروس كورونا، ستقدم خلالها إلى السعودية تجهيزات طبية تكفي لإجراء اختبارات الحمض النووي على 9 ملايين شخص، وسترسل 500 شخص لإجراء الفحوصات، وستنشئ ستة مختبرات لكشف الإصابة بالفيروس في جميع أنحاء المملكة، على نحو يكفي لإجراء 10 آلاف اختبار يومياً، وبعد انتهاء جائحة كورونا سيعمل الطرفان كلاهما على تحسين الأنظمة الصحية لديهما؛ لتلبية احتياجات مواجهة النوع نفسه من المخاطر غير التقليدية على الأمن، فيمكن للطرفين تعميق التعاون بينهما في هذا المجال، وإرساء قاعدة للمصير الصحي المشترك.

منذ بدء تنفيذ «رؤية السعودية 2030» كان اتجاه السعودية هو تعزيز التحول الاقتصادي وتنويع القطاعات غير النفطية؛ وهذا يوفر فرصًا سانحة لتطوير عدد من الصناعات الناشئة ذات الآفاق الاستثمارية الواعدة، منها على سبيل المثال: التجارة الإلكترونية، ومصادر الطاقة المتجددة، والجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات(5G)، والذكاء الاصطناعي، وسنّت الدولة عدة سياسات جديدة؛ بهدف تحسين البيئة التجارية المحلية، وزيادة جذب الاستثمارات الخارجية، وسيزيد في المستقبل عدد الشركات الصينية التي ستستثمر في السعودية في تلك المجالات.

إن ظهور أي فيروس لا تقيّده حدود الدول، وهو يتفشى دون تمييز بين الأجناس، والبشرية بمجموعها يربطها مصير مشترك؛ فلا يمكن للمجتمع الدولي الانتصار على الأوبئة إلا بالتضامن والتعاون والتكاتف لمواجهته، وعلى رغم بُعدِ المسافات بين البلدين إلا أن ثقافة شعبيهما تحثُّ على التعاون والاتحاد والمساعدة والود؛ وهذا يعزّز الصداقة بين الشعبين، ويسهم في تخطي هذه الأيام العصيبة؛ إذ تجمع السعوديةَ والصينَ صداقةٌ ودية وشراكة حقيقية، حتى أصبح التعاون بينهما في أثناء مكافحة الوباء مَثلًا يُحتذى به في مجال التعاون الدولي، ونحن موقنون أن التعاون الوثيق بين البلدين والجهود المشتركة بينهما ستمكنهما من التغلب على الوباء، وسنستقبل مستقبلًا مشرقًا، وحينها سنكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الصداقة بين البلدين.

المصدر: مجلة اليمامة

مركز الدراسات الآسيوية والصينية