تفجير نطنز الإسرائيلي والرد الإيراني المتوقع

تفجير نطنز الإسرائيلي والرد الإيراني المتوقع

بقلم: حسن صعب* |

حاولت «إسرائيل»، كعادتها في تمويه أو تورية تورّطها في عمليات أمنية أو عسكرية حسّاسة، ضد «أهداف معادية» لها، تفادياً لردود فعل غير محسوبة أو مكلفة، أن تخفي وقوفها – الذي يبدو شبه مؤكد – وراء التفجير الغامض الذي حصل الأسبوع الفائت في منشأة نطنز النووية في طهران، والتي تلته انفجارات عدة في مواقع نووية أو غير ذات صلة بالبرنامج النووي الإيراني في مناطق أخرى من إيران.

لكن رصد السياق الخبري والتحليلي للصحف أو المواقع الإسرائيلية التي اهتمت بتفجير نطنز يؤكد أيضاً الهدف الإسرائيلي الكامن بإيصال رسالة “قوية” إلى إيران (وحلفائها) بأن يد «إسرائيل» الأمنية والاستخبارية طويلة، وأن صنّاع القرار في الكيان لا يأبهون بتهديدات إيران، وهم لا ينتظرون المتغيرات السياسية في أي بلد من أجل الدفاع عن الكيان وصدّ التهديدات والأخطار «الوجودية» المحدقة به، مهما كلّف الأمر!

فقد نقل تقرير لصحيفة «التايمز أوف إسرائيل» عن موقع «نورنيوز»، الذي يُنظر إليه كبوق ناطق باسم المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (كما عبّرت الصحيفة)، أن الانفجار الذي وقع في منشأة نطنز يُشبه الضربات الأخرى ضد بُنى تحتية أمنية في إيران.

وفيما أكد الموقع الإيراني أن «الضربة الجوية على منشأة نطنز تكاد تكون مستحيلة»، أشار إلى أن «مجموعة من المعلومات الاستخبارية واللوجستية، وحجم الدمار تثبت أن الحادث كان متعمداً».

وأضافت الصحيفة الإسرائيلية: لقد اعترفت إيران بأن منشأة نطنز تكبّدت «أضراراً كبيرة جرّاء الحريق” رغم سعيها إلى التقليل من حجم الضرر، والذي قال محلّلون إنه دمّر على الأرجح مختبراً فوق الأرض يتم استخدامه لإعداد أجهزة الطرد المركزي المتقدمة قبل تركيبها تحت الأرض.

وقال مسؤول استخباراتي من الشرق الأوسط لصحيفة نيويورك تايمز إن الأضرار التي لحقت بنطنز نتجت عن قنبلة قوية، وإن إسرائيل «ربما كانت وراء الانفجار». وكشف عضو في الحرس الثوري أن هناك متفجرات استُخدمت، لكنه لم يحدّد المسؤول عنها[1].

أما عاموس هرئيل، المحلّل العسكري الإسرائيلي، فتناول انفجار نطنز في إطار أوسع، أمني وسياسي، فتحدث في مقالة له في صحيفة «هآرتس»، عن فرضية إيرانية بأن الحادث كان نتيجة هجوم سيبراني، وأن إيران ستحاول الرد أيضاً بواسطة هجوم سيبراني.

وبعدما عرض لسلسلة من الأحداث، التي بدأت بانفجار في منشأة لتطوير سلاح (…) في بارشين، في منتصف الشهر الماضي، أشار هرئيل إلى أنه ليس من المؤكد أن كل هذه الأحداث وقعت نتيجة هجمات مخطّط لها ونفّذت من طرف واحد. لكنه توقف عند هجوم نطنز، الذي ادّعت مصادر رسمية في طهران أنه من المحتمل أن تكون إسرائيل وراء الهجوم، زاعماً أنه في منشأة نطنز تركّب أجهزة الطرد المركزية الأكثر سرعة، والتي تسرّع من وتيرة تخصيب اليورانيوم، حيث استفادت إيران من الوقت الذي أتاحه لها الاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما، لتحقيق اختراق في التخصيب وصنع قنبلة في غضون سنة تقريباً!

لكن هرئيل لاحظ بأن إيران لم تتخذ بعد قراراً استراتيجياً في هذا الشأن، رغم تقدير الأجهزة الاستخبارية الغربية بأن زمن «الاختراق» قد تقلص إلى النصف فيما يتعلق بتحسين تخصيب اليورانيوم والتقدم في تجميع المواد المطلوبة لإنتاج قنبلة (نووية)!

وأضاف: “يمكن التقدير بأن هجوم نطنز كان له هدف مزدوج: الأول، نقل رسالة إلى طهران بأن هناك ثمناً لسلوكها الذي يشمل، بالإضافة إلى التقدم في المجال النووي، إنتاج صواريخ بعيدة المدى، وأيضاً مساعدة تنظيمات إرهابية في لبنان وسوريا والعراق؛ والهدف الثاني، في المجال العملي، بالتشويش على التقدم الإيراني المستجد نحو إنتاج القنبلة”.

ونقل هرئيل عن مدير معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، عاموس يادلين، توقعه بحصول رد إيراني سيبراني، عبر إطلاق صواريخ من سوريا أو هجوم من الخارج، بعد اتهام أطراف رسمية (في إيران وغيرها) لإسرائيل بالوقوف وراء هجوم منشأة نطنز.

وذكّر المحلّل الإسرائيلي بأن إسرائيل وإيران تبادلتا فيما بينهما هجمات سيبرانية فقط قبل شهرين، بحسب تقارير في وسائل إعلام أجنبية. والبداية كانت محاولة إيرانية لضرب توزيع المياه في إسرائيل بواسطة اختراق لجهاز يعمل على إضافة الكلور إلى منشآت المياه؛ والمحاولة على ما يبدو فشلت. لكن بعد أيام جرى الحديث عن هجوم سيبراني إسرائيلي عرقل لعدة أيام العمل في مرفأ إيراني مهم هو بندر عباس.

ويختم هرئيل مقالته بأن «الزعيمين» ترامب ونتنياهو يواجهان داخلياً أزمة اقتصادية وصحية غير مسبوقة، تترافق أيضاً مع تهديد لمستقبلهما السياسي. ويبدو حالياً أنهما ينتهجان خطاً أكثر هجومية ضد إيران، قد تكون له تداعيات إقليمية واسعة، على الرغم من أن الدول الثلاث تغرق في أزمة كورونا[2].

وفي السياق، نقل تسفي برئيل، المحلّل السياسي الإسرائيلي، عن مقال نشرته وكالة الأنباء الإيرانية، أنه «حتى الآن، حرصت إيران على مواجهة الأزمات التي تنشب والظروف غير المتوقعة. لكن تخطّي الخطوط الحمراء للجمهورية الإسلامية من قِبل أعدائنا، وخصوصاً الكيان الصهيوني، يفرض علينا تغييراً استراتيجياً».

وأضاف: «إيران لا تقدّم معلومات عن أسباب الانفجارات»، «لأسباب أمنية». لكن بحسب ادعاء الناطقين بلسانها، هي تعرف كيف نفّذت، وقريباً ستنشر المعلومات، مع أنها – على الأقل رسمياً – لا تنسبها إلى طرف معيّن». وهذا المقال هو التعبير العلني الأول عن أن إيران تربط بين التفجيرات وبين الولايات المتحدة و/أو إسرائيل».

ويقلّل برئيل من تهديد إيران بالرد، كما ورد في المقال المذكور، بقوله إن هذا الكلام ليس جديداً مقارنة بالتصريحات الماضية، بما فيها تلك التي تلت اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني/ يناير.

ويدّعي برئيل بأن الانفجارات «الغامضة» في إيران ليست على رأس الحديث العام أو الانشغال السياسي، على خلفية المعارضة الشديدة من قبل نواب إيرانيين لسياسات حكومة الرئيس روحاني ووزير الخارجية ظريف، بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر العملة الإيرانية بشكل كبير.

لكن برئيل أعرب عن قلق من محاولة إيران السير في «الاختراع» المعروف، بإيجاد عدو خارجي تنقض عليه كي تصرف الانتباه عن إخفاقاتها، مع استبعاد وضع إيران للساحة السياسية (الدولية) في خضم عملية عسكرية تمسّ بجهودها ضد اقتراح قرار أميركي في الأمم المتحدة لتمديد الحظر على السلاح التقليدي المفروض على إيران، والذي ينتهي في تشرين الأول / أكتوبر المقبل.

ويقدّر المحلل السياسي الإسرائيلي بأن إيران قد تستخدم ميليشيات شيعية في العراق لضرب أهداف أميركية، مع وجود محاذير سياسية وأمنية في هذا الخيار. وفي المقابل، يحذّر برئيل من أن أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي ضد إيران في المرحلة الحالية سيخدم الأطراف المحافظة في إيران، والتي ازدادت قوّتها بعد الانتخابات البرلمانية[3].

أما التعليق الأوضح، و«الرسمي»، على انفجارات إيران، وطبيعة السياسة الإسرائيلية «الغامضة» تجاه الملف الإيراني النووي تحديداً، فقد ورد على لسان وزير الأمن الإسرائيلي، ورئيس الحكومة البديل، بيني غانتس، الذي قال خلال لقاء إذاعي: «بإمكان الجميع الاشتباه بإسرائيل كل الوقت»، مضيفاً: «ليس كل ما يحدث في إيران مرتبط بنا».

وتابع: «إن إيران النووية ستكون خطراً على العالم، وعلى المنطقة وإسرائيل. ولهذا نحن نواصل تحركاتنا في كل الميادين الممكنة لدرء هذا الخطر وتقليص إمكانيات إيران لبلوغ القدرة النووية. وإلى ذلك، فمن غير الممكن ربط هذا النهج بكلّ ما يحدث في إيران»[4].

وفي الختام، فإن المضمون السياسي لردود الفعل الإيرانية والإسرائيلية على ما حدث أخيراً في إيران يوحي بأن الأمور لن تتدحرج باتجاه حرب شاملة أو هجمات غير محسوبة بين طرفي المواجهة، وهي قد تنحصر في الإطار السيبراني، بانتظار «التحوّل الكبير» في الولايات المتحدة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

*حسن صعب باحث لبناني.  


[1]  «هجوم متعمد».. موقع مقرّب من طهران يكشف معلومات عن هجوم نطنز، موقع شجون عربية، 8 يوليو، 2020.

[2]  الانفجار في نتانز ضربة مباشرة للمشروع النووي الإيراني، صحيفة هآرتس، 5/7/2020.

[3] هناك تهديدات أكبر، إيران تعرف أن الرد على الحوادث الغامضة يمكن أن ينتظر، صحيفة هآرتس، 6/7/2020.

[4]  «انفجارات إيران».. غانتس يكشف لأول مرة علاقة إسرائيل بما يحدث في طهران، موقع سبوتنيك (الروسي)، 5/7/2020.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية