شبح آسيا: الصين والغرب والإسلام.. التحدي والاستجابة

شبح آسيا: الصين والغرب والإسلام.. التحدي والاستجابة

د. عقبل سعيد محفوض* |

وضعت التطورات الدولية، وخاصة جائحة كورونا، الصين أمام مهام وتحديات غير مسبوقة في تاريخها الحديث، ففي الوقت الذي زاد فيه إيقاع التوترات بين الصين والولايات المتحدة، لدرجة أوصلتهما إلى “حافة الحرب”؛ زاد الطلب العالمي ليس على السلع والخدمات الصينية فحسب، وإنما على دور صيني أكثر حضوراً وتأثيراً، بل أكثر قيادية في النظام العالمي، أيضاً.
تتحدث الولايات المتحدة منذ بعض الوقت عن “خطر صيني” يتهدد نظام المعنى والقوة في العالم اليوم. هذا الكلام الأمريكي صحيح وخاطئ في ان! صحيح بمعنى أن الولايات المتحدة تشعر بالفعل أن الصين تمثل تهديداً لمكانتها المهيمنة في النظام العالمي؛ وخاطئ، بل مضلل، بمعنى أن الصين لا تشكل تهديداً بل فرصة للعالم، وتقدم نموذجاً مختلفاً للقوة الكبرى ذات الاهتمام بأمن وتنمية العالم، وليس أمنها وتنميتها هي فحسب.
تنطلق الورقة من أن التوتر بين الصين والولايات المتحدة هو تظهير لجانب من التحديات التي تواجه النظام العالمي، وأن سببه الرئيس هو تراجع قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بهيمنتها على النظام العالمي، ومحاولتها إعاقة بروز فواعل قوة جديدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب والسياسات.
وفي الوقت الذي تحاول الصين فيه تقديم “بديل حضاري” للعالم، فإن الولايات المتحدة تستدعي ديناميات الحرب الباردة وسياسات الاحتواء لإجهاض بروز مشروع صيني بديل للعالم، وان التركيز المتزايد من قبل الغرب على إقليم شينجيانغ (وهونغ كونغ) هو نوع من الاستهداف/التهديد الأمريكي المركب للصين، يحاول أن يضرب عدة أهداف بحجر واحد، إن أمكن التعبير، كما يتضح معنا في حيز أخر من هذا التحليل.
تخلص الورقة إلى أن الصين لديها استجابات مركبة حيال مصادر التهديد، لا تقف عند ردة الفعل الدفاعية السلبية أو الفعل بالحد الأدنى، وإنما تتعدى ذلك إلى استجابة ذات طابع عالمي أيضاً. خاصة وان ثمة طلب متزايد –كما سبقت الإشارة- حول العالم على دور الصين في الاستجابة لتحدياته القارَّة منها والمستجدة، وبالأخص بعد وباء كورونا. وهكذا فإن واشنطن التي زادت وتيرة احتوائها وعدائها للصين، أثارت استجابات صينية واسعة الطيف، مركبة وعميقة، عجلت من الكشف عن أن إمكانات الصين وقدراتها أكبر بكثير مما تبدو عليه، وأن تصحيح ميزان المعنى والقوة والدور في النظام العالمي يجب تصحيحه، والأهم أن احتوائها هو “مهمة مستحيلة”.
تتألف الورقة من مقدمة وستة محاور، أولاً في الرؤية والمقاربة، ثانياً شبح اسيا أو الحكمة الصينية، ثالثاً الاحتواء، رابعاً الحزام والطريق، خامساً ما يخص شينجيانغ، سادساً الاستجابة، وأخيراً خاتمة.
أولاً- في الرؤية والمقاربة
يشهد النظام العالمي اليوم اختلالاً في نظام المعنى والقوة، لكن كما قال المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي، لا النظام القديم احتضر، ولا النظام الجديد ولد. وخلال ذلك، تحدث أمور كثيرة، مثل التوترات والأزمات والحروب. فيما يستدعي إيمانويل والرشتين فكرة سبق لـ ماركس وأنجلز أن قالاها في مقدمة البيان الشيوعي، وهي أن شبحاً يحوم فوق العالم، هو الشيوعية، أما شبح والرشتين، وإن لم يسميه، إلا أن خط المعنى لديه يحيل إلى شبح اسيا أو بالأحرى “شبح الصين”، إن أمكن التعبير. ولا يخفى ان استدعاء كلمة “شبح” يكون بكل قوته الايحائية والتعبيرية بوصفه نبوءة وشيكة التحقق.
الحديث عن الصين والغرب، يحيل إلى الصراع على تحديد شكل النظام العالمي المقبل، وأما “الإسلام” هنا فالمقصود به، ليس الإسلام كدين ورسالة روحية وحضارية، وإنما كـ “ظاهرة دينية” أو “ظاهرة سوسيولوجية”، وذلك على ثلاث مستويات:
– أولاً الظاهرة الدينية في إقليم شينجيانغ، وامتداداتها وتأثيراتها وتأثرها بالعامل الديني الإسلامي والشبكات الجهادية.
– ثانياً محاولة الغرب إثارة جانب من المزاج العام في العالم الإسلامي ضد الصين بذريعة مسلمي إقليم شينجيانع، وهذا جزء من استراتيجية الغرب لاحتواء الصين وتطويقها بالأزمات، بقصد إجهادها وإعاقة تطورها، وإشغالها عن دورها العالمي، بإثارة التوترات في الداخل والخارج.
– ثالثاً سعي الصين لـ “تحييد” هذا الأمر أو “احتوائه”، حرصاً على علاقاتها مع مواطنيها (المسلمين) من جهة، ومع المسلمين في العالم من جهة أخر.
وفي الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة فيه تشويه صورة الصين، وإثارة –أو بالأحرى هندسة واختلاق- أزمات ذات طابع عرقي وديني، بالتركيز الإعلامي والسياسي على إقليم شينجيانغ، فإنها تحاول تقديم موضوع “الإيغور”، بكيفية لا تتناسب مع حقيقته أو طبيعته الأصلية، ومن ثم تجعل من سردية إعلامية بمثابة واقع مادي أو بالأحرى مشكلة عرقية ودينية ذات أبعاد داخلية وخارجية.
ثانياً- شبح أسيا أو الحكمة الصينية
لعل أصل المشكلة بين الصين والولايات المتحدة، هو أن الأخيرة تخشى من تأثير الصين المتزايد في العالم، ليس لجهة النزاع على قيادة نظام عالمي متأزم، وإنما لجهة أن الصين أخذت تمثل رؤية مختلفة للعالم، ومنوالاً للتنمية والأمن والاستقرار من خارج المنظور الأمريكي أو الغربي أو الليبرالي.
هذا على الأقل ما كان قرأه الأمريكان من كلام الرئيس “شي جين بينغ” في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني في تشرين الأول/أكتوبر 2017، متحدثاً عن “الحكمة الصينية”، وكيف أن العالم اليوم أمام “مقاربة صينية لحل المشكلات التي تواجه البشرية”.
تَجِدُّ الصين في مسار يجعلها القوة الأكبر، ليس في اقتصاد العالم فحسب، وإنما في سياساته وميزان المعنى والقوة فيه أيضاً. وعندما يتحدث عالم الاجتماع الأمريكي الراحل إيمانويل والرشتين، عن “نهاية العالم كما نعرفه”، فهو يحيل إلى تشكل عالم مختلف، يفرد فيه حيزاً كبيراً للصين وشرق أسيا، ولا بد أن تكون الصين واحدة من قادته الرئيسين، إن لم تكن القائد الأهم فيه.
ثمة عولمة ذات طابع صيني أو توجه صيني لـ”قيادة العولمة”، ليس بالفرض أو الإكراه، وإنما بالقبول والتلقي، بل الطلب من قبل العالم، إن أمكن التعبير، ذلك أن عدد الدول التي تريد انفتاحاً على الصين وتطلب التوسع في التفاعلات التجارية والاستثمارية وغيرها، أكبر من تلك التي تريد التفاعل مع الولايات المتحدة.
وثمة بالقطع مؤشرات أخرى كثيرة، منها: تَطَلُّع دول العالم إلى السياسات الحيوية وسياسات الصحة والدواء، وتجربة الصين في التصدي لجائحة كورونا، وبالطبع تجاربها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبروز الصين قوة لا تجارى في القدرة على تولي مشروعات عالمية أكبر وتخصيص موارد هائلة للاستثمار في الخارج، مثل مبادرة “الطريق والحزام”، والأمن السيبراني، والصناعات ذات التكنولوجيا الفائقة.
ثالثاً- الاحتواء
إن مدارك التهديد لدى الولايات المتحدة حيال الصين ليست طارئة أو مستجدة، ولا وليدة نزاع تجاري أو تكنولوجي أو فايروسي الخ إذ ان أمورا من هذا النوع لا تحدث تلقائياً، لكن الولايات المتحدة تبدو مصدومة بالفعل، كما لو أنها فوجئت بما يمكن للصين أن تحققه، من قوة وحضور وتأثير في العالم، بما في ذلك داخل أمريكا نفسها.
ما تحاوله الولايات المتحدة هو “إعادة إنتاج” سياسات الاحتواء الأمريكية السابقة حيال الاتحاد السوفيتي، بالنظر إلى الصين وصفها مصدر تهديد يجب التعاطي معه، بدراسة مصادر السلوك أو مصادر القوة، ونقاط الضعف، والسبل الممكنة للتغلب عليه. بكل ما يعنيه ذلك من “شيطنة” الخصم، وإجهاده بأزمات ومشكلات في الداخل والخارج، وتجفيف مصادر قوته، وشن حرب رمزية وثقافية وإعلامية وقيمية ضده، والأهم هو “عولمة السياسة” حياله و”عولمة العداء” له، أي جعل العالم يتعامل مع الخصم بوصفه مصدر تهديد له (العالم) أيضاً.
رابعاً- الحزام والطريق
مبادرة الحزام والطريق واحدة من استراتيجيات الصين حيال العالم، وتمثل الدول الإسلامية جزء منها، وهي –كغيرها من المشاريع الصينية- لا تطرح الكثير من السياسة، ولا تتدخل في سياسات الدول الأخرى، ولا تطرح الكثير من الأسئلة، فضلاً عن أنها تركز على البنى التحتية ومشاريع التنمية الكبرى، وتخصص الكثير من الأموال لمشاريع رئيسة مثل الطرق والموانئ والإسكان والمناجم وقطاعات النقل والطاقة وغيرها.
فضلا عن أنها لا تدخل في مواجهة مباشرة أو تدخل على خط توترات حادة مع دول أخرى، ولا تريد أن تنفرد بشيء، ولا تستبعد وجود شركاء أوربيين أو شركات أوربية وأمريكية أو غيرها، أي أنها ليست مغلقة حيال أحد. هذا يجعل مشروعات الصين أكثر قابلية وأقل إثارة لمخاوف الشركات والمجتمعات والدول الأخرى.
إن تقدم مبادرة الحزام والطريق، سوف يجعل تدفق السلع والأفراد والأفكار أكثر سيولة، وسوف يتغير مسار التفاعلات الاقتصادية والتجارية في جزء كبير من العالم، ولهذا منعكس اجتماعي وثقافي وتنموي واسع النطاق، والأهم أن كل ذلك –كما سبقت الإشارة- غير محكوم باشتراطات سياسية تثقل كاهل المجتمعات والدول المشمولة. هذا تطور ثوري في نظم التفاعلات العالمية، يضع نظام الهيمنة الرأسمالي أو الليبرالي أمام تحديات غير مسبوقة.
خامساً- ما يخص شينجيانغ
تزداد وتيرة اهتمام الغرب بإقليم شينجيانغ طرداً مع ازدياد التوتر في العلاقات مع الصين، “البارومتر” هنا محكوم باعتبارات سياسية واستراتيجية، واهتمام الغرب بالإقليم لا يعبر عن أزمة موجودة بقدر ما يحاول “اختلاق أزمة”، وتدبر السبل لجعلها واقعاً مادياً وأزمة متفجرة.
وهكذا، تربط الولايات المتحدة بين الإيغور وبين استراتيجياتها في اسيا والمحيط الهادئ، ضد الصين، وفق السناتور ماركو روبيو وغيره من المسؤولين الامريكيين، هي استراتيجية التطويق بالأزمات والأعداء، التي تتمفصل مع استراتيجيات الإجهاد السياسي والحرب الاقتصادية والحرب الإعلامية، واستراتيجيات التغلغل والاختراق، كما سوف يظهر معنا، بإثارة الاضطرابات في الداخل، ما أمكنها ذلك أو إن أمكنها ذلك، ارتباطاً بالجهاديين الصينيين أو الإيغور الذين ينشطون الان في أفغانستان وسورية وغيرها.
تقرأ الصين اهتمام الولايات المتحدة بإقليم شينجيانغ، باعتباره جزء من سياسات الاحتواء، وبؤرة احتدام وخلخلة داخلية، وصولاً إل محاولة جعله “موطئ قدم” أمريكية أو بؤرة استنزاف يمكن لولايات المتحدة من خلالها أن تضرب الصين، وتسيء لصورتها وقوتها وتماسكها الداخلي. وعندما تقول الولايات المتحدة أن على الصين ان تغير سياستها في الإقليم، فإن الأخيرة تقرأ ذلك، بوصفه محاولة من أمريكا لتجريد الصين من حق الدفاع عن وحدتها واستقرارها وأمنها القومي.
لا يغيب عن القارئ، تأثير المدارك والخبرة التاريخية لدى الصين حيال سياسة الولايات المتحدة ضد خصومها، مثل: تجرية “الجهاد الأفغاني” ضد السوفييت، وتفكك السوفييتي نفسه، الحرب السورية؛ وثمة بالطبع العديد من الأحداث والخبرات المرجعية والأطر الإرشادية التي تلعب دوراً في تأطير وتحديد وتعيين سياسة بيجين في إقليم شينجيانع.
من ذلك مثلاً، أن شريحة في إقليم شينجيانغ، تقع تحت تأثير إيديولوجيا مناهضة، “تتمثل” أو “تستبطن” –بالمعنى السيكولوجي والقيمي- ما يريده مناهضو الصين وخاصة واشنطن، أي يتبنون ايديولوجيا مناهضة للدولة المركزية: ايديولوجيا دينية أو جهادية تكفيرية على غرار تنظيم القاعدة في أفغانستان وسورية والعراق الخ، وعرقية ذات طابع انفصالي، و”ليبرالية” بمعنى أنها مناهضة للشيوعية الصينية.
– “الجهاد الصيني”!
الحديث عن “الجهاد الصيني” هو استعارة معدلة لتعبير “الجهاد الأفغاني”، بمعنى أن الجهاديين الإيغور ورقة تتهيأ واشنطن لتحريكها ضد بيجين، كما تحركها ضد دمشق، مثلما كان الجهاديون الأفغان ورقة واشنطن ضد الاتحاد السوفيتي.
ما تحاوله واشنطن هو احتواء او اعاقة مبادرة “الحزام والطريق”، بمحاولة تفجير أزمة في إقليم شينجيانغ، وبالطبع تفجير أزمات ونزاعات أخرى على طريق “طريق الحرير”، أو الاستثمار فيها أو إعادة تحريكها.
ليس في إقليم شينجيانغ قابلية كبيرة لتوسع الإيديولوجية الجهادية أو الانفصالية، ذلك أن الصين دولة قوية، وتتبع سياسات احتواء نشطة وفعالة لمصادر التهديد، لكن إذا لم يحدث هناك نوع من الحركات الإرهابية المسلحة، فإن الولايات المتحدة وحلفائها، سوف يواصلون الحديث عن الإقليم، أو بالأحرى عن المسلمين فيه، بقصد: إثارة قابلية الاختلال والاضطراب، وربما تحريك شبكات عنف وإرهاب في الداخل، وتشويش علاقات الصين بالعالم الإسلامي، وبالطبع تشويه صورتها في العالم.
التفاعلات الاقتصادية والاستثمارية الصينية مع باكستان وإيران ودول الخليج العربية وغيرها، هي من المؤشرات الدالة على أن لا مشكلة مع الدين أو العرق أو القومية الخ وليس لدى الصين مقاربة محض دينية أو مقاربة خاصة بالإسلام –بما هو دين وقيم روحية- لما يجري في إقليم شينجيانغ، إنما هي مقاربة تحرص على ألا يكون الدين أو الظاهرة الدينية عامل تفجير وتأزيم في الإقليم أو في علاقات الصين الدولية.
– التأهيل والاحتواء الفعال
إن فكرة “مجمعات التأهيل” المقامة في الإقليم، مصدرها هو فكرة أو نمط “الدولة الراعية”، و”الدولة الحارسة” في الصين، بالطبع هذا له دلالات، عندما تنظر الدولة المركزية الى شريحة من الإيغور بأنهم عرضة لتأثيرات خارجية تريد ان تذهب بهم خلاف مصلحتهم، فإن عليها (الدولة) أن تحميهم بمنعهم من ذلك، ليس بما هم جماعة عرقية أو دينية أو إقليم طرفي، وإنما بما هم جزء من الشعب الصيني، مع الحفاظ عل الحقوق الدينية، بما ينسجم مع سياسات وأولويات الصين بهذا الخصوص.
وإن المقاربات التي يحاول الغرب تعميمها (وعولمتها) عن الصين، تعد الدولة المركزية أو السلطات في الإقليم بمثابة “سلطة خارجية”! وبالطبع هذا خطأ في قراءة التجربة الصينية، والأرجح أنه “سياسة قصدية”. يزيد في تعقيد الأمر إن كان ثمة من الإيغور أو غيرهم من يرى الأمور على هذا النحو. وهذا يفتح الباب أمام نقاش مختلف، موضوعه هو “حركة انفصالية” أو/و “جهادية إرهابية”، وبالنسبة للصين، فإن مجرد الحديث عن “تقرير المصير” أو “الانفصال” هو بمثابة “إعلان حرب”.
سادساً- الاستجابة
أظهرت الصين مقدرة كبيرة على الاستجابة للتحديات المتزايدة في الداخل والخارج، وحققت تقدماً كبيراً على صعيد التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والاستثمار، والحد من الفقر، والتعليم، وبناء المجتمع والدولة والأمن، كما حققت تقدماً مدهشاً، على صعيد الفاعلات الاقتصادية والتبادل التجاري والاستثمار حول العالم.
وقد يكون إنجاز الصين الأهم، هو بقائها خارج خرائط وخطوط الاصطفافات والتحالفات الدولية، الأمر الذي مكنها من أن تكون شريكاً نشطاً فعالاً مع أطراف وقوى هي في حالة عداء تقليدي لسنوات طويلة، وبأقل قدر ممكن من التوتر والاحتكاك السلبي مع فواعل النظام العالمي.
لكن “انتهى العالم كما كنا نعرفه”، بتعبير والرشتين، وكما سبقت الإشارة، فإن ثمة عالم جديد يتشكل اليوم، يبدو بعض أطرافه أكثر عدائية تجاه الصين، مثلما تبدو هي أكثر قابلية للانخراط في الصراع على المعنى والقوة فيه. الأمر الذي يتطلب من الصين خلق استجابات مركبة وبما أمكن من الفعالية:
– الاستمرار في خط التنمية الداخلية، والتفاعلات الدولية، ومباشرة دور عالمي يتناسب مع إمكانات الصين ورؤيتها. وهذا يقتضي، ونحن هنا نأخذ عبارات للرئيس “شي جين بينغ”، “بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل بعمق”، و”ترسيخ الثقة الذاتية بالنظام السياسي”، وتعزيز التفاعل والوحدة بين القوميات الـ (56) في البلاد، من خلال المساواة والوحدة والحكم الذاتي، وحرية الاعتقاد الديني، وقانونية النشاطات الدينية، والاتحاد مع “الجماهير المؤمنة والجماهير غير المؤمنة”.
– إذا واصلت الولايات المتحدة سياسات الاحتواء تجاه الصين، فمن المفترض بالأخيرة تقابل ذلك بنوع من “الاحتواء المعكوس”، بمعنى دراسة مصادر السلوك الامريكي ضد الصين، وتقصي نقاط الاستهداف ضد الصين، في الداخل والخارج، حتى لا تتمكن الولايات المتحدة من استغلالها.
– مراجعة مدارك التهديد-الفرصة، وإعادة قراءة السياسات والاستراتيجيات، وتقدير السيناريوهات المحتملة في المواجهة بين الصين والولايات المتحدة، على جبهات ومستويات عديدة: جنوب شرق اسيا، التجارة، التكنولوجيا، الأمن السبراني، سباق التسلح، الحرب الثقافية والإعلامية، تفجير مناطق توتر في الأطراف أو الجوار، والتطويق بالأزمات والخصوم والأعداء.
خاتمة
أظهرت الصين اندفاعة غير مسبوقة في الاستجابة للتغيرات المتزايدة في التفاعلات الدولية، وللتحديات المتزايدة أيضاً من قبل الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها لم تشأ أن تغير نمط الخطاب والفعل السياسي، إلا أنه أبدت حيوية نشطة بهذا الخصوص، وأنها مستعدة لـ “اتخاذ ما يلزم” من الإجراءات لضمان أمنها ومصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك صورتها وتفاعلاتها ومكانتها ودورها المتزايد في النظام العالمي.
ان الضغوط الأمريكية والغربية حيال الصين لها معنى واحد تقريباً، وهو أن تكف الصين عن أن تكون هي، وأن تقبل مكانة ودوراً تابعاً في نظام الهيمنة الغربي على العالم، بل أن تفتح الباب للتفكك والانهيار، بذريعة احترام الديمقراطية وحقوق الجماعات الإثنية والدينية؛ وهذا مناهض لمنطق السياسة ولتاريخ الصين نفسها.
كما أن انتقادات الغرب لسياسات الصين في هونغ كونغ وشينجيانغ، وحتى تايوان، تتنافى مع كون الصين –تاريخياً وحضارياً- دولة متعددة الأعراق والثقافات والأديان، ولكنها موحدة السياسات والتطلعات، ومن الطبيعي أن تباشر مسؤولياتها في الداخل والخارج.
عودة إلى عبارتي “غرامشي” و”والرشتين” المذكورتين أعلاه، صحيح ان النظام العالمي الذي كنا نعرفه “انتهى” أو هو “يحتضر”، إلا أنه لم “يمت”، كما أن النظام الجديد لم يولد بعد، إلا أنه “شبحه” يحوم في أفق العالم. وثمة من يحاول تأخير ولادته، وربما “إجهاضه”، إن أمكنه ذلك، مثل الولايات المتحدة، فيما يحاول اخرون أن تكون “الولادة” طبيعية ما أمكن، إن أمكن التعبير على هذا النحو، مثل الصين.

*باحث وأستاذ جامعي سوري له العديد من الكتب والدراسات حول الشؤون السورية والتركية والكردية والدولية.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية