صفحة جديدة في العلاقات الإسرائيلية السعودية؟

صفحة جديدة في العلاقات الإسرائيلية السعودية؟

كتب المحلل الإسرائيلي المعروف بن كاسبيت مقالة في موقع  “المونيتور” الأميركي تناولت التقلبات في العلاقات الإسرائيلية – السعودية بعد تسريب اللقاء السري بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارة سرية لنتنياهو إلى المملكة الشهر الماضي.

وقال كسبيت: ما الذي يحدث بين إسرائيل والسعودية؟ تعتبر التقلبات الأخيرة في العلاقات بين هاتين القوتين الإقليميتين أكثر إثارة للدوار وللدهشة من تقلبات مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ففي 6 تشرين الأول / أكتوبر، أصدر الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي المخضرم السابق لدى الولايات المتحدة، انتقادات غير عادية ضد الفلسطينيين، اعتبرتها “إسرائيل” على أنها خطوة أخرى في التقارب التدريجي للرياض معها.

وهاجم بندر في حديث لقناة “العربية” السعودية القيادة الفلسطينية بسبب إدانتها لاتفاقات التطبيع بين الإمارات والبحرين و”إسرائيل”. وقال “إن اعتداءهم على قيادة دول الخليج بهذا الخطاب البغيض أمر غير مقبول على الإطلاق”. وأضاف أن “القضية الفلسطينية “تعرضت للسرقة … من قبل إسرائيل والقادة الفلسطينيين على حد سواء … القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكن دعاةها فاشلون..”.

وقال كسبيت إن المسؤولين الإسرائيليين فركوا أيديهم فرحاً بكلام بندر بن سلطان. حتى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يكن ليصيغ كلاماً ضد القيادة الفلسطينية بشكل أفضل. وأضاف: مع ذلك، بعد شهرين بالضبط، قام أحد أفراد العائلة المالكة السعودية المؤثرة بإلقاء الماء البارز على رياح التطبيع التي تهب بين “إسرائيل” والرياض. ففي مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأميركية في 5 كانون الأول / ديسمبر، نفى الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية السابق لفترة طويلة، التقارير المنتشرة حول لقاء نتنياهو السري الشهر الماضي مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقال: “وزير الخارجية السعودي نفى تماماً هذه المزاعم … أعتقد أن مصداقية المملكة تقدر بشكل كبير أكثر من مزاعم شخص مثل نتنياهو، المتهم في بلاده بالكذب على الشعب الإسرائيلي، فكيف يمكن أن يصدقوا كذاباً؟”.

ورداً على سؤال حول التطبيع مع “إسرائيل”، قال: “لا يوجد تحضير من هذا النوع … القضية الفلسطينية هي أولوية المملكة والمملكة ملتزمة بمبادرة السلام العربية”.

وقال كسبيت: “حتى بينما كان المسؤولون الإسرائيليون المذهولون يحاولون فهم سبب الهجوم الناري، أطلق تركي الفيصل حملة انتقاد أخرى على “إسرائيل” خلال المؤتمر الأمني ​​الإقليمي لحوار المنامة في 6 كانون الأول / ديسمبر. وقد حضر المؤتمر عبر الإنترنت وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي والمدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غول، وهو مساعد لنتنياهو”.

وفي كلمته أمام الحدث، رفض الفيصل ادعاء “إسرائيل” بأنها “تحمي حقوق الإنسان وأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. وقال إن “إسرائيل تصوّر نفسها بتواضع على أنها دولة صغيرة مهددة وجودياً، محاطة بقتلة متعطشين للدماء يريدون القضاء عليها من الوجود في حين أنها سجنت [الفلسطينيين] في معسكرات اعتقال تحت أبشع الاتهامات الأمنية – صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، متعفّنين هناك من دون اللجوء إلى العدالة. إنهم يهدمون المنازل كما يحلو لهم ويقتلون من يريدون”. ووصف “إسرائيل” بأنها “آخر القوى الغربية الاستعمارية في الشرق الأوسط”.

وبعد أن تحدث غولد، خاطبه الفيصل مباشرة، متهماً إياه بـ”تشويه سمعة الملك واستخدام الأوصاف القبيحة”، بالنظر إلى كتاب غولد الصادر عام 2003 بعنوان “مملكة الكراهية” عن رعاية السعودية للإرهاب.

وقال مصدر إسرائيلي رفيع منخرط بعمق في الاتصالات بين الجانبين لموقع “المونيتور”، شريطة عدم الكشف عن هويته، “نشهد صراعاً داخليًا داخل المملكة. هناك معسكر محمد بن سلمان الذي يغازل فكرة التطبيع مع “إسرائيل” ويقيم علاقات وثيقة مع نتنياهو وشعبه، وبندر بن سلطان جزء من هذه المجموعة. وعلى الجانب الآخر يوجد الملك نفسه والمؤسسة المخضرمة، الحرس القديم، الذي يضم رجال دين متطرفين يعتبرون التطبيع مع إسرائيل شراً لا بد منه ولكن وقته لم يحن بعد”.

وبحسب المصدر، فإن هذين المعسكرين كانا متطابقين حتى وقت قريب، مما أتاح لمحمد بن سلمان مساحة للمناورة في مواجهة “إسرائيل”. وقال المصدر “لا يجب أن نخطئ، فما كان للبحرينيين أن يمضوا قدما مع إسرائيل من دون التنسيق مع محمد بن سلمان. لكن بعد ذلك سافر نتنياهو إلى السعودية”. ووفقاً لمصادر إسرائيلية عدة، أثارت التقارير المسربة عن لقاء نتنياهو في السعودية مع محمد بن سلمان في 22 تشرين الثاني / نوفمبر بحضور وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو غضباً في الرياض، التي كانت حتى ذلك الحين على استعداد لمواصلة لعبتها المزدوجة فيما يتعلق بـ”إسرائيل”. وأضاف كسبيت أن التسريب أرغم إبن سلمان على التراجع بضع خطوات، مما أفسح المجال للمتطرفين للمضي قدماً. فأعيدت “مبادرة السلام العربية” لعام 2002، التي عُرفت في البداية باسم مبادرة السلام السعودية، إلى مركز الصدارة، وأعيد إحياء القضية الفلسطينية العالقة منذ فترة طويلة”. 

وقال كسبيت: السعوديون حريصون على رفض لقاء نتنياهو من أجل تكثيف إذلاله. كما تخلى أتباع نتنياهو عن احتفالاتهم الأولية باللقاء التاريخي في السعودية. وعندما سُئل عن هذا الأسبوع في مقابلة مع إذاعة “كان”، الإذاعة العامة الإسرائيلية، لعب غولد دور الغبي وقال إنه لم يكن على دراية بمثل هذا الحدث.

وأضاف الكاتب “أن المسؤولين الإسرائيليين يدركون الثمن الباهظ الذي تدفعه “إسرائيل” لتسريب نتنياهو الطائش للاجتماع السري، الذي يبدو أنه وضع جانباً المصلحة الوطنية في خدمة مصالحه الشخصية. ومع ذلك، فإن مقياس الضغط في “إسرائيل” لا يسجل نشاطاً غير عادي”. 

وقال أحد المقربين من نتنياهو لـ”المونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويته: “الشروط الأساسية تبقى كما هي. السعوديون هم نفس السعوديين والإيرانيون هم نفس الإيرانيين وإسرائيل لا تزال القوة المفضلة في الشرق الأوسط. إنهم [السعوديون] يفضلون على ما يبدو اللعب بهدوء وانتظار [الرئيس المنتخب جو] بايدن. وهذا أمر مفهوم”.

في غضون ذلك، تنشغل “إسرائيل” بمحاولة تكثيف الضغط على إدارة ترامب المنتهية ولايتها من أجل تعزيز مكاسبها. فقد هدد السودان بإلغاء تحركه للتطبيع مع “إسرائيل” ما لم تقم الولايات المتحدة برفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بينما يطالب أعضاء مجلس الشيوخ الموالون لـ”إسرائيل” بموافقة الكونغرس على بيع الولايات المتحدة مقاتلات F-35 للإمارات للتأكد من ذلك. فالصفقة لا تقوّض التفوق العسكري لـ”إسرائيل” في المنطقة. حتى رجل نتنياهو في واشنطن، السفير الإسرائيلي رون ديرمر، أُجبر على التصعيد والإعلان في 7 كانون الأول / ديسمبر أن “إسرائيل” ليس لديها مشكلة مع الصفقة. 

وأوضح الكاتب ان قلق “إسرائيل” المهيمن هو عودة الولايات المتحدة المحتملة إلى الاتفاق النووي مع إيران من قبل إدارة بايدن. وبالتالي، تنشغل جميع الأطراف بالتحضير للإدارة الأميركية الجديدة إذ لا يُعرف الكثير عن خطط بايدن للمنطقة. فمع اقتراب موعد التنصيب في 20 كانون الثاني / يناير، من المرجح أن يرتفع مستوى الضغط في العديد من عواصم الشرق الأوسط، والعصر الذهبي لنتنياهو في واشنطن على وشك الانتهاء. حتى لو تبين أن بايدن يختلف عن الرئيس باراك أوباما فيما يتعلق بسياسة الشرق الأوسط، فلا أحد يشك في أنه لن يكون ترامب.

ترجمة بتصرف: الميادين نت

مركز الدراسات الآسيوية والصينية