فلسفة حضارات العالم: الفلسفة الهندية – الحلقة الأولى

فلسفة حضارات العالم: الفلسفة الهندية – الحلقة الأولى

قراءة: د. هيثم مزاحم |

  الكتاب: فلسفة حضارات العالم: نظريات الحقيقة وتأويلها

تأليف: د. أنطوان غرابنر هايدر وآخرون

ترجمة: د. جورج كتورة

الناشر: مؤسسة شرق ــ غرب وديوان المسار للنشر – الطبعة الأولى ــ 2010، 480 صفحة.

الكتاب الذي بين أيدينا محاولة لعرض الأسس الفلسفية لحضارات العالم الكبرى بطريقة إجمالية ومكثفة. يبدأ أولاً باستعراض مسائل تتعلق بتفسير العالم، وتوجّهات الحياة واكتساب المعرفة، والحياة الاجتماعية وبنية اللغة. فقد بدأت كل حضارة في زمن ما بالتأمل في تفسير العالم وشكل الحياة والتفكر بهما نقدياً. وتشكّل النقلة من التفسير الأسطوري إلى التفكير العقلاني المكثّف بداية الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة. ويثير الكتاب السؤال حول الموضوعات التالية: نظرية المعرفة، فلسفة الطبيعة، الأنطولوجيا، الماورائيات، فلسفة الدين، الأخلاق وفلسفة الأخلاق، المنطق وفلسفة اللغة، الفلسفة الاجتماعية وفلسفة الحضارة، وتجري مناقشتها على مستويات عقلانية مختلفة.

ويهدف الكتاب إلى دفع الحوار الفلسفي حول حضارات العالم خطوات صغيرة إلى الأمام، فهو يعكس أولاً إمكانيات التبادل وحدوده مع التفسيرات الغربية للعالم ولنظام القيم، ثم يعرض النظريات الفلسفية في حضارات العالم بشكل واضح ومتماسك، في لغة مفهومة وعامة وبطريقة بسيطة وغير معقدة.

الفصل الثاني كتبه هايكة ميخائيل ــ هورمان عن “الفلسفة الهندية”، يقول فيه إن من الصعب إخضاع الفلسفة الهندية لترتيب تاريخي أكيد. لكن يمكن تحديد أربع حقبات زمنية كبيرة. تتضمن المرحلة الأولى فلسفة العصر القديم الذي يمتد من بدياة الأقاويل الفلسفية المبكرة، أي في عصر الأوبانيشاد (بين 800 و600 قبل الميلاد) وعصر الملاحم (حتى سنة 400 قبل الميلاد). تتميز الحقبة الثانية بتكون الأنظمة الكلاسيكية الستة التي امتدت فترة ازدهارها حتى العام 1000 بعد الميلاد. نجد هنا عقائد تتميز بأفكار الخالق إلى حد بعيد، وهي عقائد تطورت بمنهجية علمية. ثم نجد حقبة فلسفة العصر المتأخر، التي علينا تحديد بدايتها منذ منتصف القرن الأول بعد الميلاد، والتي ما زالت مدارسها قائمة وإن جزئياً حتى اليوم. وهي تتميز إلى حد كبير بالنظام الفيسنوي والسيفاتي أي يغلب عليها الطابع التأليهي. أما الحقبة الرابعة فهي الحقبة المخصصة للفلسفة الحديثة، ومن أبرز معالمها الأخذ بالفكر الغربي.

فلسفة العصر القديم

1- عصر الفيدا: من أقدم آثار الفلسفة الهندية الكتابات الدينية القديمة المسماة الفيدا. والفيدا تعني المعرفة، وهي المعرفة لكسب رضا الخالق. والفيدا هي من أقدم المصادر الأدبية الهندية، وهي مجموعة من النصوص المقدسة المكتوبة بالسنسكريتية، وتتكون من أربعة كتب: الريغ ـ فيدا المشتمل على الصلوات الموجهة للآلهة. الياجور ـ فيدا المشتمل على العبارات المرافقة للقرابين وتفسير الكهنة للمذهب. الساما ـ فيدا المتعلقة بالأناشيد. الأثارفا ـ فيدا الخاصة بالتعاويذ والطقوس السحرية كما يشتمل أدب الفيدا على أربعة نصوص تسمى شروتي، أي الكتب المنزلة وهي: السامهيتا وهي تسابيح وصلوات وبركات. والبراهمانا وهي كتابات من النثر تخص الطقوس المرافقة للقرابين والأرانيكا أو نصوص الطبيعة ولها علاقة بالتعاويذ السحرية والشعائر الدينية التي تخص الذين يتحوّلون من الحياة الدنيوية إلى الطبيعة. أما الأبانيشاد فهي نصوص فلسفية. ويعتقد الهنود أن الإله الأعظم (براهما) كتب الفيدا بيده.

وتحتوي الفيدا على أفكار وتعاليم نبيلة تتعلق بالاستقامة والنقاوة. وتتمثل أسس الفكر الفلسفي فيها في ثلاثة أسئلة هي: السؤال عن الإنسان، وعن علة الحياة، وعن المصير بعد الموت أو أثناء النوم الذي يعتبر صنو النوم. الإجابات عن ذلك تم إيجادها في الطبيعة التي تم استخلاص النتائج منها بمراقبتها، وهكذا تم البحث عن علة الحياة في الماء والهواء والنار، فظهرت نظرية الماء (كوشيتاكي – أوبانشيد)، ونظرية الهواء، ونظرية النار. إن بعض هذه الأعمال يثير مسائل أساسية في الفلسفة، مثل: كيف نشأ العالم؟ وكيف ظل باقيًا؟ وما أسسه؟ عن هذه الأسئلة تجيب بعض التسابيح الفيدية في زعمهم بذكر اسم إله معيّن. لكن النقطة الفلسفية الكبرى نجدها في الريغ ـ فيدا العاشر ـ 129 أي تسابيح الخليقة، حيث جاء فيها أن أصل الخليقة يرجع إلى كائن غير مشخص يسمّونه تاد إيكام؛ أي ذلك الأوحد الكامن في الشعور. وتوجد فكرة فلسفية أخرى مهمّة في تسابيح الريغ ـ فيدا، وهي فكرة الرتا؛ أي النظام الكوني. وقد وصل الفكر الفلسفي الفيدي إلى غايته القصوى في نصوص الأبانيشاد.

فلسفة الملحمة

أما المصدر الأكبر الآخر فنجده في الأدب الملحمي الواسع، وفي الدرجة الأولى في كتاب مهابهراتا” (الكتاب الكبير). تتحدث ملحمة الأبطال الكبيرة هذه التاريخ المأساوي لأسرتين من الأمراء المتخاصمين. مصدر المعلومات عن هذه الفترة ملحمتان تسميان: المهابهراتا أو قصة أسرة بهراتا، والرامايانا أو تاريخ راما. وظهرت في هذه الفترة عقيدة التقمص، بمعنى أن الروح تولد مرات متعاقبة. وأثناء الوقت الطويل الذي استغرقته الرواية الشفهية لهذه الملحمة (400 ق.ب و400 ب.م) وجدت سلسلة من النصوص الفلسفية لها مدخلاً إلى كتاب “مهابهراتا” الذي يضم اليوم نحو 100 ألف بيت شعري مثنوي(مزدوج). وإلى هذه الإضافات تنتمي مجموعة “بهاغافاد ـ جيتا” (الأنشودة الإلهية) والتي ما زالت تعاليمها حتى اليوم ذات دلالة كبيرة على الصعيدين الديني والفلسفي. إلا أن المصنف الأكبر الذي يحوي نصوصاً فلسفية فيوجد في “موكشادراما”(عقيدة المخلص).

تقول هذه الفلسفة إن الجوهر الذي هو أساس كل شيء هو النفس الفردية، أو الذات العليا. ومن النفس تنطلق المعرفة، ومن المعرفة ينطلق الفكر، ومن الفكر تنطلق أعضاء الحواس. يقود الفكر الأعمال الخيرة والشريرة معه وهي المسؤولة عن نوعية الوجود الجديد. الجديد في هذه النظرية هو موقع النفس التي تتواجد الآن خارج قانون الجزاء والثواب، ذلك أن حامل الثواب والعقاب هو الفكر الذي يصنّف هنا فوق مجموعة القوى الحاسة. وقد أدى الأخذ بالفكر الدوري إلى تجديد آخر يقود إلى فرضية نشوء العالم وانعدامه بشكل دوري حيث لا يزال هذا التصوّر إلى الآن جزءاً ثابتاً من النظرة الهندية للعالم.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية