“فورين أفيرز”: هل يفقد الجيش الباكستاني قبضته على السلطة؟

“فورين أفيرز”: هل يفقد الجيش الباكستاني قبضته على السلطة؟

كتب عقيل شاه، الأستاذ في جامعة أوكلاهوما الأميركية والمختص بالشؤون الباكستانية، مقالة في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية تناول فيها دور الجيش في باكستان وسيطرته على السياسة والاقتصاد والأمن في البلاد.  

وقال الكاتب إن الجيش الباكستاني استخدم دوماً تنافسه مع الهند لإضفاء الشرعية على قوته السياسية والاقتصادية ووضع نفسه فوق الشبهات. وعلى الرغم من أنه لم ينتصر أبداً في أي صراع عسكري، فقد شن الجيش حرباً ناجحة ضد الديمقراطية، وحكم باكستان بشكل مباشر لما يقرب من نصف تاريخ البلاد بعد الاستقلال ومارس نفوذاً سياسياً على الحكومات المدنية المنتخبة في معظم النصف الآخر من تاريخها. 

وأضاف شاه أن جنرالات الجيش ساعدوا رئيس الوزراء الحالي عمران خان في الوصول إلى السلطة من خلال انتخابات برلمانية تم التلاعب بها بشكل صارخ في عام 2018، والآن يديرون البلاد من وراء واجهة حكم مدني الأكثر هشاشة، شهدتها باكستان على الإطلاق.

لكن في الأشهر الأخيرة، واجه الجيش تحدياً سياسياً متزايداً، إذ نظمت الحركة الديموقراطية الباكستانية (PDM) – وهي تحالف غير مسبوق من أحزاب معارضة كانت منقسمة سابقاً – مسيرات كبيرة ضد حكومة عمران خان، للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء. وبدعم من الجنرالات، يبدو من غير المرجح أن يخضع خان وحزبه “حركة الإنصاف الباكستانية”، لكن الاحتجاجات لها هدف آخر أكبر هو الجيش نفسه. 

ويرى العديد من الباكستانيين أن الجيش هو القوة الحقيقية وراء خان وسبب المشاكل السياسية والاقتصادية للبلاد. فقد تسبب غضبهم في تحول ملحوظ حيث تحدثت شخصيات سياسية بارزة لأول مرة ضد هيمنة الجيش على باكستان، وهو تحول قد يهدد في النهاية قبضة الجيش على السلطة السياسية.

وليس من الصعب أن نرى أين تكمن القوة الحقيقية في باكستان. فعمران خان يعمل كرئيس للوزراء، لكن الجنرال قمر جاويد باجوا، رئيس أركان الجيش، هو الذي يتخذ معظم القرارات. فالأخير يدير العلاقات الخارجية للبلاد بشكل مستقل مع الحلفاء المهمين مثل الصين والمملكة العربية السعودية، ويتحكم في صنع القرار بشأن التعامل مع أفغانستان والهند المجاورتين، ويعقد إحاطات لقادة الأعمال، بل ويتخذ قرارات سياسية محلية مهمة، مثل قرار فرض إغلاق على الصعيد الوطني لاحتواء جائحة كورونا. كما أن قدامى المحاربين المتقاعدين أو المدنيين الذين تربطهم علاقات وثيقة بالجيش يشغلون مناصب رئيسية في حكومة خان، بما في ذلك وزارات الداخلية، والمالية، والتجارة، والأمن القومي، ومكافحة المخدرات. حتى أن الضباط العسكريين في الخدمة الفعلية يرأسون منظمات القطاع العام المهمة التي تدير الإسكان العام وإدارة الكوارث.

وطرح الكاتب سؤالاً: كيف وصل الأمر إلى هذا؟ وأجاب مستعرضاً الصراع السياسي – العسكري خلال عقدين من الزمن. إذ أن نهاية الجولة الأخيرة من الحكم العسكري المباشر في عام 2007 تسببت في انتقال ذي مغزى إلى حكومة ديمقراطية. فقد أدت التعبئة الشعبية إلى إبعاد الجنرال الدكتاتوري برويز مشرف عن السلطة. وللمرة الأولى في تاريخ باكستان، أكمل الحزبان الرئيسيان المنتخبان في البلاد – حزب الشعب الباكستاني من يسار الوسط، بقيادة آصف علي زرداري(الذي أسسه الرئيس الراحل ذو الفقار علي بوتو)، والرابطة الإسلامية الباكستانية من يمين الوسط برئاسة نواز شريف – ولاياتهما اللاحقة في المنصب. سلم حزب الشعب الباكستاني السلطة سلمياً إلى منافسه اللدود حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية – فرع نواز شريف في عام 2013، وقاوم كلا الحزبين ممارساتهما السابقة المتمثلة في تحكيم الجيش لتحقيق مكاسب سياسية. 

ولا يقل أهمية عن ذلك، عمل الحزبان معاً لتمرير التعديل الثامن عشر التاريخي للدستور في عام 2010، والذي أعاد الهيكل البرلماني الفيدرالي للبلاد من خلال تطبيق اللامركزية على السلطات الإدارية والمالية في المقاطعات، والحد من الصلاحيات الموسعة للرئيس (التي كانت قد مكنت رئيس الدولة الباكستاني بإقالة الحكومات المنتخبة بشكل تعسفي)، واستعادة سلطة رئيس الوزراء في تعيين قادة الجيش وحكام الأقاليم. كما أن التعديل عدل المادة 6 من الدستور، التي تحظر الانقلابات العسكرية على أنها “خيانة عظمى” يعاقب عليها بالإعدام، لمنع القضاء من إضفاء الشرعية على الانقلابات كما فعل في الماضي. وقد منحت هذه التغييرات المحافظات مزيداً من الحكم الذاتي الذي حرمته تقليدياً من قبل الحكومة المركزية المسيطرة، وحرمت الجيش من استغلال السلطات التنفيذية الرئاسية ضد رؤساء الوزراء، وعززت الحواجز الدستورية ضد الانقلابات العسكرية.

كما حاول القادة المدنيون المنتخبون دحر سيطرة الجيش على الأمن القومي والسياسة الخارجية ومخصصات الموازنة في العقد الذي أعقب الإطاحة بمشرف. استجاب الجنرالات لهذه التحديات بالسعي إلى تشويه الديمقراطية بدلاً من هدمها. على الرغم من أنهم تظاهروا بدعم الحكم المدني، فقد عمل الجنرالات باستمرار على تقويض حكومات كل من حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية – نواز بطرق مختلفة، بما في ذلك عن طريق تحديهم علناً والتهديد بإسقاط حكوماتهم بسبب الخلافات السياسية.

وقال الباحث إن القادة العسكريين كانوا مستائين بشكل خاص من شريف لرغبته في الحد من استخدام المتشددين الإسلاميين ضد الهند وللتحدي المباشر لحصانة الجيش المفترض من خلال اتهام مشرف بالخيانة في عام 2014.

ولاستبدال شريف غير الودود، وجد الجنرالات شريكاً مثالياً في عمران خان، وهو كان لاعب كريكيت له شعبية كبيرة غير ملوث بمزاعم الفساد الشخصي ومدعوماً من قبل قطاعات من الطبقات الوسطى الحضرية المتعلمة لحملته الشعبوية ضد فساد السياسيين التقليديين. وكان خان على استعداد للعب دور العازف الثاني للجنرالات، وبحسب ما ورد، فقد تواطأ مع جهاز الاستخبارات الداخلية (ISI)، أقوى وكالة استخبارات باكستانية، لتنظيم احتجاجات استمرت لشهور في عام 2014 تدعو إلى الإطاحة بشريف بسبب التزوير المزعوم في انتخابات عام 2013 التي أوصلته إلى السلطة. وقيل إن الجيش ضغط على شريف للاستقالة لكنه تراجع بعد أن تعهدت أحزاب المعارضة، بما في ذلك حزب الشعب الباكستاني، بالإجماع في البرلمان بمعارضة أي تدخل عسكري.

ولتمهيد الطريق لصعود خان إلى السلطة، قام الجنرالات باستبعاد شريف من تولي مناصب عامة في عام 2017 من خلال تحقيق قضائي مثير للجدل مرتبط بأوراق بنما، وهو تحقيق عالمي في الاستخدام السري للحسابات المصرفية في الملاذات الضريبية. كما أثارت وكالة الاستخبارات الباكستانية الانشقاقات في حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية – فرع نواز شريف، وزعم بعض المراقبين أن القوات المنتشرة في مراكز الاقتراع تلاعبت في فرز الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2018، وهي الإجراءات التي ساعدت حزب خان على الانتصار.

ومنذ ذلك الحين، حاول الجيش الحفاظ على هذا المركز الذي تم تنسيقه بعناية بين الديمقراطية والديكتاتورية من خلال كبح المعارضة. لقد مارس الجيش ضغوطاً متزايدة على جماعات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وأحزاب المعارضة وحتى القضاء. التكتيك الأكثر إثارة للقلق في مجموعة أدواته الاستبدادية هو الإخفاء القسري. في تموز / يوليو الماضي، اختطف أفراد من الاستخبارات يرتدون زي ضباط الشرطة مطيع الله جان، الصحافي البارز المعروف بانتقاده الصريح للجيش، من شارع مزدحم في وسط العاصمة إسلام أباد. اضطر خاطفوه إلى إطلاق سراحه في غضون ساعات حيث تم التقاط عملية الاختطاف بكاميرا قناة CCTV الصينية وأثارت الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي. 

وكان آخرون أقل حظاً منه. ففي السنوات الأخيرة، أخفت وكالات الاستخبارات العسكرية قسراً القوميين البلوش والباشتون والسند والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحافيين وأساتذة الجامعات. ومن الصعب الحصول على معلومات موثوقة، لكن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أنه منذ عام 2009، استردت السلطات 4557 جثة لضحايا مشتبه بأنهم ضحايا القتل خارج نطاق القضاء. ويقول نشطاء حقوقيون إن ما بين 5000 و6000 شخص اختفوا قسراً منذ عام 2014، بمن فيهم إدريس خطاك، وهو ناشط حقوقي يبلغ من العمر 56 عاماً، والذي فُقد في تشرين الثاني / نوفمبر 2019 بالقرب من مدينة بيشاور الشمالية الغربية. وفي أعقاب الجهود الحثيثة التي بذلتها ابنته ونشطاء حقوقيون لتأمين عودته، اعترف مسؤولو الاستخبارات العسكرية في حزيران / يونيو الماضي بأن خطاك محتجز لديهم. ومثل عدد لا يحصى من الآخرين، لا يزال محتجزاً لديهم.

لقد سعى الجنرالات إلى تبرير الانقلابات السابقة والحكم العسكري من خلال تصوير الغدر المفترض وفساد الحكومات المدنية على أنه تهديد للأمن القومي. لكن فضيحة فساد حديثة كشفت النفاق المؤسسي للجيش وأثارت أسئلة مقلقة حول مدى التعفن داخل الرتب العليا في القوات المسلحة. إذ كشف تحقيق أجراه الصحافي أحمد نوراني أن أفراد عائلة الفريق السابق المؤثر عاصم باجوا – الذي يشغل حالياً منصب رئيس هيئة المجلس الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، والذي يشرف على 70 مليار دولار من مشاريع البنية التحتية الممولة من بكين في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الصينية – تمتلك إمبراطورية تجارية بملايين الدولارات تضم مراكز تسوق وممتلكات سكنية ومطاعم وشركات إنشاءات واتصالات في كندا وباكستان والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. ونفى باجوا هذه المزاعم، بينما ورد أن عملاء الاستخبارات العسكرية اختطفوا مسؤولاً مدنياً يشتبه في أنه كان يساعد في تحقيق نوراني.

لقد قام الجيش بخنق وسائل الإعلام في إثر الفضيحة. يقرر الضباط من وكالات الاستخبارات العسكرية والذراع الإعلامية للجيش بشكل روتيني القصص الإخبارية التي تحصل على أعلى التغطية، وأي مقالات افتتاحية يمكن نشرها، ومن يمكن إجراء مقابلات معهم في البرامج الحوارية، وما يمكن مناقشته في تلك البرامج، وحتى من يستضيفونهم. 

حوّل الجيش وكالة مكافحة الفساد الرئيسية في البلاد، مكتب المحاسبة الوطني، إلى أداة للثأر السياسي، مستخدماً إياها لاستهداف قادة حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية وحزب الشعب الباكستاني. كما يتلاعب الجنرالات بالقضاء لإدانة المعارضين السياسيين، مثل نواز شريف. وتحت الإكراه، امتثل أحد القضاة لإملاءات الجيش بإصدار حكم خاطئ على رئيس الوزراء السابق بالسجن سبع سنوات في قضية فساد. أما أولئك الذين يرفضون قرارات الجيش أو يتحدونه  فيمكن أن يدفعوا ثمناً باهظاً.

فقد واجه قاضٍ في المحكمة العليا الباكستانية تحقيقاً للمساءلة بتهمة “سوء السلوك الجسيم” بعد أن انتقد الجيش لانخراطه في “أنشطة غير قانونية”، بما في ذلك الرقابة على وسائل الإعلام وتوزيع الأموال لاسترضاء أعضاء جماعة إسلامية متطرفة شاركت في مواجهة عنيفة مع حكومة حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية آنذاك في عام 2017.

ومع ذلك، فقد شهدت الأشهر الأخيرة تحدياً متزايداً للجيش ولعمران خان. إذ شكلت أحزاب المعارضة الباكستانية المنقسمة على كل شيء، باستثناء معارضة الجيش وخان، جبهة موحدة غير مسبوقة في أيلول / سبتمبر الماضي تحت مظلة “الحركة الديمقراطية الشعبية”. تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين المعارضين في مدينة لاهور يوم الأحد الماضي. ووجّه شريف في العديد من الخطب النارية من لندن (حيث تم الإفراج عنه بكفالة طبية، بعد أن أعلنت المحكمة العليا في إسلام أباد أنه “هارب” من التهم الموجهة إليه في باكستان)، بنادقه إلى داعمي خان، رئيس الأركان قمر جاويد باجوا ورئيس الاستخبارات الباكستانية فايز حميد، وفضحهما لدورهما في عزله من السلطة، وتزوير انتخابات 2018، وتنصيب خان كدمية لهما. 

منحت “الحركة الديمقراطية الشعبية” خان مهلة حتى نهاية كانون الثاني / يناير 2021 للاستقالة وتمهيد الطريق لانتخابات برلمانية جديدة، وفشلت في ذلك. وهي تخطط للتقدم في مسيرة إلى إسلام أباد في شباط / فبراير لإجبار الحكومة على ذلك. ومن المرجح أن تشتد حملة المعارضة في الأشهر المقبلة، وكذلك محاولات الحكومة لرد الاحتجاجات وقمعها. ومن غير الواضح ما إذا كانت “الحركة الديمقراطية الشعبية” ستنجح. ولكن ليس هناك شك في أن استمرار سيطرة الجيش على الحياة السياسية الباكستانية يشكل تهديداً واضحاً للحريات الديمقراطية وسيادة القانون. ولأول مرة في تاريخ باكستان، هناك اتفاق واسع عبر الطيف الأيديولوجي لأحزاب المعارضة على الحاجة إلى التفوق المدني على الجيش. ويواصل الأكاديميون والنشطاء الحقوقيون والصحافيون قول الحقيقة للسلطة في ظل مخاطر شخصية كبيرة حتى مع قيام الجيش بقمع المجتمع المدني وفرض قيود صارمة على حرية التعبير.

وختم الكاتب مقالته بالقول إن المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، كان غير مكترث إلى حد كبير بحالة الديمقراطية المحفوفة بالمخاطر في باكستان وفشل في الضغط على الجيش. وقال إن التزام الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن المعلن بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان يوفر على الأقل الأمل في أن إدارته ستكون أقل تسامحاً مع التجاوزات الاستبدادية في باكستان. كخطوة أولى، يجب على إدارة بايدن وغيرها من المانحين الخارجيين المهمين التحدث بصوت عالٍ ضد هجوم الجنرالات على الديمقراطية والديمقراطيين. لكن الأفعال أبلغ من الكلمات. وأضاف: يجب على المسؤولين الأميركيين ألا يترددوا في التهديد باستخدام أدوات سياسية محددة، مثل حظر السفر الفردي والعقوبات المالية ضد الأثرياء في باكستان. إن إبراز دعم الولايات المتحدة للديمقراطية وحقوق الإنسان ليس فقط الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. كما أنه يخدم المصالح الأميركية طويلة الأجل في السلام والاستقرار في المنطقة. ففي باكستان الديمقراطية فعلاً، سيكون للجيش والاستخبارات الباكستانية مساحة أقل لتسهيل وتصدير التطرف الإسلامي العنيف إلى البلدان المجاورة، حتى لو كان مثل هذا التحول في السياسة تدريجياً. إن استمرار الصمت الدولي لن يؤدي إلا إلى تشجيع الجنرالات غير الخاضعين للمساءلة في البلاد على فعل ما يحلو لهم.

*عقيل شاه هو أستاذ مشارك في قسم الدراسات الدولية والإقليمية في جامعة أوكلاهوما، وهو مؤلف كتاب يصدر قريباً بعنوان “الجيش والديمقراطية: السياسة العسكرية في باكستان”.

ترجمة بتصرف: هيثم مزاحم – عن الميادين نت

مركز الدراسات الآسيوية والصينية