لماذا تجمع الصين البيانات الجينية لشعبها؟

لماذا تجمع الصين البيانات الجينية لشعبها؟

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا للأكاديميين أميل ديركس، طالب الدكتوراه في قسم العلوم السياسية في جامعة تورونتو، وجيمس ليبولد، الزميل في معهد السياسات الاستراتيجية في أستراليا، قالا فيه إنه على مدى عدة سنوات قامت الشرطة والسلطات الصينية بجمع عينات الحمض النووي للرجال والأولاد الذين لا يشتبه بأنهم ارتكبوا جرائم.


وفي تقرير نشره معهد السياسات الاستراتيجية الشهر الماضي، كشفت الصحيفة حجم برنامج الحكومة الصينية للمراقبة الجينية، الذي لم يعد محدودا في مقاطعة سنجان والتبت وغيرها من المناطق التي تقطنها الأقليات العرقية التي تقمعها الحكومة. ولكن جمع عينات الحمض النووي -الذي لا يخدم حاجة واضحة مباشرة- ينتشر في أنحاء البلد. ويقدر معدا التقرير الذي ترجمته “عربي21” بأن السلطات الصينية تهدف لجمع عينات من 35 إلى 70 مليون ذكر صيني.


وبمقارنتها مع سجلات العائلات الرسمية وفيديوهات المراقبة وإفادات الشهود في تقارير الشرطة، يمكن لهذه العينات أن تكون أداة قوية بيد السلطات الصينية لتتبع أي رجل أو صبي -أو أحد الأقارب- لأي سبب يرونه مناسبا.


وتنكر الحكومة الصينية وجود مثل هذا البرنامج، ولكن منذ نشر دراستنا، بقينا نكتشف أدلة مبعثرة على الإنترنت تكشف عن ضخامة حجم البرنامج، بما في ذلك تقارير حكومية وأوامر شراء رسمية لمعدات فحص الحمض النووي ولخدمات الفحص.


ويتم جمع عينات الحمض النووي من أنحاء الصين المختلفة: في مقاطعتي يونان وقويتشو في الجنوب الغربي، وفي هونان في جنوب الوسط، وفي شاندونغوجيانغسو في الشرق، وفي الشمال في منطقة الحكم الذاتي في منغوليا.


ويقول الكاتبان إنهما بقيا يجدان أدلة مصورة تظهر الشرطة يجمعون عينات الدم من الأطفال بوخز أصابعهم في المدارس لأخذ العينات، وهو انتهاك واضح لمسؤوليات الصين بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. 


ووجد الكاتبان أدلة جديدة، بما فيها وثائق رسمية، تظهر أن عينات الحمض النووي تجمع أيضا في المدن الرئيسية. وكان التركيز لفترة منصبا على المجتمعات الريفية.


وأظهر تقرير رسمي بتاريخ 16 حزيران/ يونيو على موقع حكومة مقاطعة شيتشوان تفاصيل إنشاء قاعدة بيانات لمكتب الأمن العام في مدينة تشينغدو، عاصمة المقاطعة، ويطلب رأي الخبراء في إنشاء “نظام بحث في أسلاف الذكور”.


كما يوثق التقرير كيف قام 17 مكتبا أمنيا بجمع عينات الحمض النووي من حوالي 600 ألف ذكر في المدينة، ويشكل ذلك حوالي 7% من ذكور سكان تشينغدو (إذا ما افترضنا أن الذكور يشكلون نصف عدد سكان المدينة تقريبا، الذي يبلغ 16.6 مليون).


ويقول تقرير المشتريات إن بناء قاعدة بيانات ضخمة للمعلومات الجينية للسكان المحليين سوف يساعد الشرطة في “الحفاظ على النظام العام، والاستقرار، وتحقيق الحاجة للعمل اليومي في القضايا المختلفة”. 


وفي الصين، يعني تأمين النظام العام الحفاظ على حكم الحزب الشيوعي دون منافس. فالمعارضة جريمة، وعمليات الشرطة جزء أساسي من جهاز قمع الدولة.


ولا تقوم الشرطة الصينية بهذا وحدها، فهناك أدلة تتزايد بأن شركات خاصة، صينية وأجنبية، تشارك في هذا الاعتداء الضخم بشكل غير عادي والكارثي لخصوصية المواطنين الصينيين.


ففي مقاطعة هونان، باعت شركة هوانغروي للأجهزة العلمية -وهي شركة تعمل في عاصمة المقاطعة تنتج عددا من المنتجات الطبية والكيماوية العلمية- لمكتب الأمن العام في مدينة ليويانغ 140 ألف فحص للحمض النووي من إنتاج شركة ثيرمو فيشر، شركة أمريكية تابعة لشركة فورتشيون 500، وهذا ما يكفي من الفحوص للقيام بفحص واحد من كل خمسة رجال في المدينة.

وفي مقاطعة فوجيان، فازت شركة فيرونسيكجينوميكس إنترناشيونال، وهي شركة منبثقة عن بي جي آي غروب – شركة التسلسل الجيني والطب الحيوي، التي تصف نفسها على أنها “إحدى الشركات الرائدة في العالم في علوم الحياة والجينات”- بعقد لتحليل 16000 عينة تم جمعها في إحدى المناطق في عاصمة المقاطعة، كجزء من جهود السلطات لإنشاء “نظام بحث في أسلاف الذكور”. ويقدر عدد الذكو في المنطقة بـ43500.


واتصل معهد السياسات الاستراتيجية الأسترالي بشركتي ثيرمو فيشر وفيرونزيكجينوميكس إنترناشيونال للتعليق على التقرير، ولم تجب أي من الشركتين.


وفي بيان لصحيفة “نيويورك تايمز” ردا على تقرير إخباري الشهر الماضي حول موضوع مرتبط، قال ممثل عن شركة ثيرمو فيشر إن شركته “فخورة بأن تكون جزءا من التطبيقات العديدة الإيجابية التي يستخدم فيها التعرف عن طريق الحمض النووي، من تعقب للمجرمين، إلى منع الاتجار بالبشر، إلى تحرير الذين يتهمون بشكل غير عادل”.

والبيان الذي حمل عنوان “بيان حول سنجان” لم يجب عن المخاوف التي أبديناها حول احتمال إساءة الاستخدام على نطاق واسع للبيانات الجينية من الشرطة الصينية في كل أنحاء البلد.

وكانت شركة ثيرمو فيشر قد انتقدت في الماضي –من منظمات حقوق الإنسان والعلماء- لتوفيرها أجهزة جمع وتحليل للحمض النووي للسلطات الصينية؛ دعما لحملة القمع ضد الأقليات الإثنية في سنجان. وكانت الشركة قد وعدت في شباط/ فبراير 2019 بأن توقف أي بيوع مشابهة في المنطقة.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أضافت وزارة التجارة الأمريكية إلى قائمة الشركات الخاضعة للعقوبات شركتين فرعيتين أخريين لمجموعة بي جي آي -الشركة الصينية الأم لشركة فيرونسيكجينوميكس إنترناشيونال- لقيامها “بتحليلات جينية استخدمت للإمعان في قمع الأيغور والأقليات المسلمة الأخرى” في سنجان.


ورفضت مجموعة بي جي التهم. ولكن هناك تقارير بأن الشركة وافقت على بناء “بنك جيني” في المنطقة.


كما أن مجموعة بي جي آي تنتج ملايين فحوص كوفيد-19 لتوزيعها على أكثر من 80 دولة، ما يثير المخاوف في مناطق مثل أستراليا وكاليفورنيا بأن أي معلومات حول الحمض النووي يتم جمعها في العملية قد يساء استخدامها.

وتبدو الصين أنها الوحيدة في العالم التي تقوم بها الشرطة بجمع عينات الحمض النووي بالجملة خارج مجال التحقيقات الجنائية. والسؤال هو: كم من الوقت قبل أن يتبع الآخرون؟

وفي بلدان أخرى، بما فيها أمريكا، تحاول وكالات تنفيذ القانون توسيع الحدود الأخلاقية لجمع البيانات الجينية. 

وتقوم الشرطة في نيويورك بجمع عينات الحمض النووي من الأشخاص الذين يتم اعتقالهم أو التحقيق معهم، وأحيانا دون أن يقولوا ذلك. وفي أنحاء أمريكا يقوم رجال الشركة ببحث مواقع السلالات الخاصة مثل “GEDmatch” للبحث عن طرف في القضايا العالقة، وأيضا دون إذن أو علم الأشخاص الذين نشروا معلوماتهم الشخصية.

وفي وقت سابق من هذا العام، قامت إدارة ترامب بوضع برنامج يفرض على وكلاء الهجرة والجمارك جمع عينات الحمض النووي باستخدام مسحات الفم من الأشخاص المحتجزين لديهم، وأن يضيفوا تلك المعطيات لقاعدة بيانات الحمض النووي التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي.

وفي غياب اتفاق عالمي حول كيفية التعامل مع البيانات الجينية وعلى هذه الخلفية المتغيرة، فإن أفعال القوى العظمى مثل الصين وأمريكا قد تشكل سابقة خطيرة تحدو حدوها الدول الأخرى.

وحكمت المحاكم العليا في بلدان مثل الكويت وكينيا بمنع أو تقييد جمع الحمض النووي على نطاق واسع من سلطات الدولة.

بينما تحاول بلدان أخرى المضي قدما.

وقدمت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي في الهند مشروع قانون يهدف إلى “توسيع استخدام تكنولوجيا الطب الشرعي القائمة على الحمض النووي؛ لدعم وتقوية نظام تطبيق العدالة في البلد”، ولكن المجموعات الحقوقية اعتبرت أن هناك خطرا بإساءة الاستخدام المحتمل.

وكان قاض كبير قد حذر سابقا من أن القانون الذي يغطي نظام الهند الضخم للتعرف البيومتري قد يتم تفسيره لتبرير جمع، ليس فقط بصمات الأصابع وبصمات قزحية العين، ولكن أيضا عينات الحمض النووي.

وأثارت مجموعات حقوقية في تايلندا، الشهر الماضي، مخاوف من أن سلطات الحدود التايلندية، بما في ذلك الجنود، قاموا ومن دون إيضاح بأخذ عينات حمض نووي قسرا من المواطنين التايلنديين من الأقلية المسلمة لدى عودتهم من ماليزيا.

وماليزيا، من جهتها، تفكر في إنشاء نظام تسجيل وطني يربط البيانات البيومترية مع بيانات الحمض النووي للوثائق الشخصية، وذلك بحجة منع التزوير في إضافة أجانب إلى قوائم الجنسية الماليزية.

والمعركة حول الخصوصية البيومترية ستكون إحدى قضايا الحرية المدنية المهمة للقرن الحادي والعشرين. وللأسف فإن الصين تقود على ما يبدو في هذا المجال أيضا.

مجموع القراءات 160 total views, قراءات اليوم 3 views today

cacsr