ما هو دافع عمليات المصالحة والانتخابات الفلسطينية؟

ما هو دافع عمليات المصالحة والانتخابات الفلسطينية؟

بقلم: يوسي كوفرفاسر – محلل سياسي إسرائيلي * |

  • الأوامر التي أصدرها أبو مازن بشأن المواعيد المرتقبة للانتخابات البرلمانية (22 أيار/مايو) والرئاسية (31 تموز/يوليو) “للدولة” الفلسطينية تكشف فهماً متجذراً في وسط قيادة “فتح” وعلى رأسها أبو مازن شخصياً، وكذلك وسط قيادة “حماس”، بأن فوائد إجراء هذه العملية التي أُجِّلت مرات ومرات يمكن أن تفوق هذه المرة بصورة كبيرة المخاطر التي تنطوي عليها. ذلك على خلفية التغييرات التي طرأت على السياق الفلسطيني، وفي مقدمها “اتفاقات أبراهام” وفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

ما هو دافع أبو مازن و”فتح”؟

  • أبو مازن و”فتح” يعتقدان قبل كل شيء أن الانتخابات والمصالحة مع “حماس” ستعززان قدرتهما على الدفع قدماً بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، أو على الأقل ستحول دون تآكل كبير إضافي لهذه القدرة، بالإضافة إلى التآكل الخطر الذي سببته اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
  • هذه الاتفاقات أضرت بشدة بوقوف العرب إلى جانب الفلسطينيين، ودفعت بصورة واضحة الموضوع الفلسطيني إلى مكان هامشي في جدول الأعمال الشرق الأوسطي، وجعلت فرص تقديم إسرائيل تنازلات في مناطق تعرّض أمنها للخطر ضئيلة أكثر مما في أي وقت مضى.
  • في نظر السلطة الفلسطينية، دخول إدارة بايدن يفتح باباً لاستئناف العملية السياسية بقيادة دولية وبمشاركة الولايات المتحدة، على أساس قرار مجلس الأمن 2334، الذي مررته إدارة أوباما في أيامها الأخيرة، والذي يدعم المواقف الفلسطينية من النزاع، وأن يشكل ذلك بديلاً من خطة السلام للرئيس ترامب. علاوة على ذلك، عملية المصالحة والانتخابات تبرر – هكذا يتوقعون – نيات الإدارة الجديدة استئناف المساعدة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية والعلاقات المباشرة معها، بما فيها إعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الأميركية المخصصة للعلاقة مع الفلسطينيين في القدس.
  • سلسلة تعيينات أميركيين من أصل فلسطيني وعربي في مناصب في البيت الأبيض (مع أنه لا علاقة مباشرة لهم بقيادة الموضوع الفلسطيني في الإدارة)، وفي وزارة الخارجية (حيث عُيِّن هادي عمرو، المعروف بعلاقاته مع قطر، مسؤولاً عن الموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني)، استُقبلت بترحاب في رام الله، وتزيد من الأمل بأن سياسة الإدارة الأميركية الجديدة ستقوّي المواقف الفلسطينية في الموضوع الفلسطيني.
  • في نظر أبو مازن، التغيير في الإدارة الأميركية و”اتفاقات أبراهام” زادا من الحاجة إلى القيام بخطوات تمنع استخدام ضعف السلطة للمسّ بفرصها في الدفع قدماً بأهدافها، مع أنه لا ينوي القيام بتغييرات حقيقية في بنية المنظومة الخاضعة لسيطرته الكاملة له ولأنصار “فتح” في مناطق السلطة.
  • تهدف عملية الانتخابات، بالنسبة إلى أبو مازن، إلى إرضاء الجمهور الفلسطيني والمجتمع الدولي من خلال خلق وهم كاذب بأنه تحققت الوحدة الفلسطينية واتخذت خطوة تدفع قدماً بالفلسطينيين نحو حكم ديمقراطي. لكن عملياً باستثناء إيجاد مظهر تغيير، ليس من المتوقع حدوث تغيير جوهري للوضع.
  • الحماسة التي تظهرها حركة “حماس” لإجراء الانتخابات بأي ثمن، لأسباب خاصة بها، تقوي كثيراً قدرة أبو مازن على تحقيق هدفه. بغض النظر عن “حماس”، سيكون عليه التأكد من أن الانتخابات ستجري بصورة تمنع خصومه في “فتح”، وعلى رأسهم محمد دحلان ومروان البرغوثي، من تحدي سيطرته وسيطرة المقربين منه في الحركة وفي السلطة من خلال نظرة بعيدة الأجل والاستعداد “لليوم التالي” بعد أبو مازن.
  • أبو مازن مُصر على منع دحلان من الترشح على الرئاسة بحجة أنه متهم بالفساد، وليس من الواضح كيف سيواجه التحدي الذي يمثله البرغوثي مع احتمال عدم خوض “فتح” الانتخابات في قائمة واحدة، لكن لا شك في أنه ينوي التعامل مع هذا الموضوع بشدة، وإذا لم ينجح في معالجته بهذه التهديدات من المحتمل أن يتخلى عن إجراء الانتخابات.
  • على أي حال يبدو أن أبو مازن مقتنع بأن الولايات المتحدة وأوروبا وحتى “حماس” سيوافقون على دعم المخطط الذي يحول الانتخابات إلى رافعة لتعزيز مكانته وتحسين نقطة الانطلاق الفلسطينية إزاء سنوات رئاسة بايدن. علامات الاستفهام بشأن الموقف المتوقع لإسرائيل لا تقلقه كثيراً، ومن المعقول أنه يفترض أنه سيكون قادراً، مع دعم أميركي، على أن يفرض على إسرائيل قبول أي خطة يقدمها الفلسطينيون بشأن تصويت السكان العرب في القدس الشرقية، وخصوصاً إذا جرى التعهد بأن الانتخابات لن تؤدي إلى زعزعة مكانة السلطة في الضفة الغربية، وإلى سيطرة “حماس” على الحكم في السلطة أو أطراف متطرفة أُخرى.
  • تبدي “حماس” توجهاً مرناً ومتصالحاً في كل ما يتعلق بأوصاف الانتخابات ما دامت متأكدة من أنها لا تتحدى استمرار سيطرتها في غزة (من المعقول أن أبو مازن مستعد لقبول هذا الشرط لأنه يعلم بأن الإصرار على توجّه آخر يمكن أن يمنع إجراء انتخابات)، وهي ترى في إجراء الانتخابات أرباحاً وإنجازات في الأساس.

التداعيات على إسرائيل

  • حتى الآن امتنعت إسرائيل من التطرق رسمياً إلى الانتخابات الفلسطينية. يبدو أنها هي أيضاً لم تبلور موقفاً ولم تحدد أهدافها في هذا السياق. من جهة هي مهتمة بالاستقرار على قاعدة الوضع القائم (الستاتيكو) في الضفة الغربية وغزة، وتحقيق هدفها بأن يعبر الموضوع الفلسطيني بسلام في عهد بايدن. من جهة أُخرى يمكن أن يؤدي تعزيز الدعم الدولي للمواقف الفلسطينية على أساس مظهر كاذب للوحدة، والتسامح إزاء “حماس”، في المدى المتوسط والبعيد، إلى تعزيز قوة الحركة داخل المنظومة الفلسطينية، وهما مصدر للقلق.
  • ثمة اعتبار إسرائيلي آخر هو تداعيات إجراء الانتخابات على وضع القدس. بعد الاعتراف الأميركي بالمدينة عاصمةً لإسرائيل، إسرائيل معنية بتجسيد سيادتها على المدينة. في الوقت عينه هي لا ترفض حق السكان العرب في المشاركة في الاقتراع في الانتخابات في السلطة الفلسطينية، وهي ليست معنية طبعاً بالدخول في مواجهة مع الإدارة الأميركية الجديدة في هذا الشأن. بناء على ذلك من المعقول أن تسمح بصيغة تصويت مبتكر لا تشكك في سيادة إسرائيل على المدينة.
  • عندما تتجه إسرائيل لبلورة سياستها حيال الانتخابات يتعين عليها أن تدرس مسألة العودة إلى الخطوة التي قامت بها في 2006. في التحضير للانتخابات أقنع الأميركيون حينها إسرائيل بقبول مشاركة “حماس” في الانتخابات، على الرغم من كونها لا تلتزم بالشروط التي حددتها الاتفاقات الموقتة العائدة إلى سنة 1995 (الملحق 2 البند 2) للمشاركة في الانتخابات، والتي تفرض رفض ترشّح مرشحين من أحزاب أو ائتلافات يشجعون على العنصرية، أو يسعون لتحقيق أهدافهم بوسائل غير قانونية أو غير ديمقراطية.
  • يومها تعهدت إدارة بوش لرئيس الحكومة آنذاك أريئيل شارون أنه إذا حقق ممثلو “حماس” إنجازاً كبيراً في الانتخابات فإن الأميركيين سيمنعون تعيين وزراء من طرفها في الحكومة، ولن يقيموا علاقات عمل مع مندوبيها. خضع شارون للضغط على الرغم من المعارضة الشديدة لذلك من جانب جهات استخباراتية كبيرة. عملياً بعد فوز “حماس” عُيّن زعيمها إسماعيل هنية رئيساً للحكومة، وأصبح عزيز دويك عضو المجلس التشريعي الفلسطيني من طرف “حماس” رئيساً للمجلس التشريعي، ولا يزال يتولى هذا المنصب حتى اليوم.
  • الأميركيون امتنعوا فعلاً من إجراء اتصالات بعناصر “حماس”، لكن الحركة قويت كثيراً في المنظومة الفلسطينية، وفي نهاية الأمر سيطرت بالقوة على قطاع غزة. في أعقاب هذا التنازل (وفي ضوء القبول الإسرائيلي لسيطرة “حماس” على غزة) سيكون من الصعب على إسرائيل استخدام هذا البند لمنع مشاركة “حماس” (وربما أيضاً الجهاد الإسلامي) في الانتخابات، لكنها تقدر على مطالبة الولايات المتحدة لقاء ذلك بالتعهد بالامتناع من التعاون مع حكومة فلسطينية تتمثل فيها “حماس”، ولو بصورة غير مباشرة.
  • المصدر: “معهد القدس للشؤون العامة والسياسة” الإسرائيلي – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية