مضاوي الرشيد: الوحدة في القمة الخليجية لا تخفي ضعف دولها

مضاوي الرشيد: الوحدة في القمة الخليجية لا تخفي ضعف دولها

تناولت الباحثة السعودية مضاوي الرشيد في مقالة لها في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني قمة دول مجلس التعاون الخليجي السنوية التي عقدت في مدينة العلا السعودية، وقالت إن القمة ستحاول حل النزاعات الداخلية الخليجية، وخاصة مع قطر. وقد وافقت السعودية الإثنين على رفع حصارها البري والجوي على قطر في خطوة كبيرة نحو إنهاء الخلاف الخليجي الذي بدأ في حزيران / يونيو 2017.

ويقول دبلوماسيون ومحللون إن السعودية كانت تضغط من أجل التوصل إلى اتفاق على أمل أن يُظهر الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، الذي سيتولى منصبه في وقت لاحق من هذا الشهر، أن الرياض منفتحة على الحوار.

وأضافت الرشيد: لكن الفخامة والرفاهية التي سادت الاجتماع لن تعيد إحياء الأهمية الاستراتيجية المتضائلة للدول الخليجية، خاصة في أعين حلفائها وشركائها الغربيين. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، تمكنت دول مجلس التعاون الخليجي من لعب دور محوري في حماية المصالح الغربية في شبه الجزيرة العربية من خلال نشر العديد من الأصول. كان موقعها الاستراتيجي، الإسلام والنفط، ثلاث ركائز أساسية، مما سمح لها بإبراز قوتها بما يتجاوز قدراتها الحقيقية، ليس فقط في المنطقة العربية ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

كان موقعها الاستراتيجي وثيق الصلة بشكل خاص بالولايات المتحدة، القوة العظمى بعد الحرب الباردة التي احتاجت إلى قواعد خليجية استراتيجية للسيطرة على المناطق البعيدة في الشرق والوصول إليها.

لقد تحولت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى إلى منصات انطلاق لتنفيذ عمليات تخدم المصالح الأميركية. حتى تقاليدها الدينية، وخاصة الوهابية في السعودية، تحولت إلى رصيد إستراتيجي يتم نشره في خدمة المصالح الغربية على مستوى العالم. قامت المملكة العربية السعودية بتسليح الإسلام أثناء الحرب الباردة وأطلقت مشاريع عقيمة عجلت بأزمات إرهابية خطيرة في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من النتائج الخطيرة لهذه السياسة، فقد استفاد الغرب من تسليح العقيدة الإسلامية للتعامل مع التحديات المتزايدة مثل الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، والحركات المناهضة للإمبريالية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وسيطرت المشاعر المعادية للغرب على العلاقات بين العالم الإسلامي والمستعمرين السابقين له.

ولعبت دول مجلس التعاون الخليجي دوراً مهماً مالياً ولوجستياً وأيديولوجياً في تلك الملحمة التي سممت العلاقات بين الغرب والشرق. ومع ذلك، لا يحتاج الغرب اليوم إلى دين دول مجلس التعاون الخليجي لخوض معاركه، وبالتالي، سيفقد هذا المجلس أيضاً هذه القيمة الاستراتيجية المثيرة للجدل.

ونظراً لأن الولايات المتحدة – في ظل إدارة بايدن الجديدة – ملزمة بتقليص مشاركتها في الشرق الأوسط وخارجه، فإن أصول دول مجلس التعاون الخليجي تبدو أقل فائدة أو ضرورية.

وهذا ينطبق أيضاً على النفط، وهو الأصل الاقتصادي الوحيد الذي تمكنت دول الخليج من نشره كسلاح. فقد تم القيام بذلك مرة واحدة في عام 1973 ولكنه أصبح استراتيجية أقل فعالية لتحقيق المصالح والأهداف الوطنية مع مرور الوقت.

ومع وصول دولتين من دول مجلس التعاون الخليجي على الأقل، البحرين وسلطنة عمان، إلى قاع احتياطياتها النفطية، فيما تكافح دول أخرى لمواجهة عجز الميزانية مع انخفاض عائدات النفط وزيادة الاستهلاك المحلي، سيكون هناك بالتأكيد نفط أقل للتصدير في سوق الطاقة المتغير الذي يتحرك تدريجياً ولكن بثبات بعيداً عن الذهب الأسود الخليجي.

إن العالم الصناعي مصمم على الابتعاد عن الطاقة القائمة على النفط، وبالتالي ستفقد دول مجلس التعاون الخليجي هذه الميزة الحاسمة التي جعلتها مهمة جداً للعالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد سمح لها النفط بإطلاق برامج تطوير وتحديث استفادت منها دول غربية عديدة كمستشارين ومقاولين وبناة للمدن. كما أطلقت أيضاً سباق تسلح، حيث قامت بشراء كميات هائلة من المعدات العسكرية والمقاتلات النفاثة والتكنولوجيا، مدعومة ببرامج تدريبية، وكلها مقدمة من مصنعي الأسلحة الغربيين والمستشارين العسكريين.

ومع ذلك، تعني قلة عائدات النفط اليوم قدرة أقل للشراء عندما يتعلق الأمر ببناء الترسانات التي تفشل دائماً في توفير الأمن اللازم لكل دول الخليج.

احتواء إيران

وعندما تبنت إيران بعد عام 1979 موقفاً مناهضاً للغرب وهددت المصالح الغربية الاستراتيجية في المنطقة، نصبت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها كشركاء استراتيجيين لاحتواء إيران والحد من توسعها في العالم العربي. لكن دول الخليج نفسها كانت بحاجة إلى الحماية ولا يمكنها فعلاً لعب دور مركزي في أي مواجهة مع إيران. لقد حاولت فعل ذلك عندما دعمت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في حرب استمرت ثماني سنوات ضد إيران، لكنها فشلت تماماً في هزيمتها.

والواقع أن التوسع الإيراني في العالم العربي تسارع بعد تدخل الولايات المتحدة في العراق عام 2003. وقد راقب مجلس التعاون الخليجي التمدد الإيراني من دون أن يتمكن من إيقافه أو احتوائه.

ورأت الكاتبة السعودية المعارضة أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جو بايدن لن تعتمد على أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي لإعادة إطلاق حوارها مع إيران، فالأخيرة تضعف الآن بسبب الهجمات الأميركية والإسرائيلية المتتالية على كوادرها العسكرية والعلمية، بدءاً من اغتيال (الفريق) قاسم سليماني العام الماضي. ويمكن لدول الخليج فقط أن تراقب وتصفق كما لو كانت الضربات العسكرية نتيجة قوتها العسكرية أو تفكيرها الاستراتيجي.

وزعمت الكاتبة قائلة: “لا شك أن إيران عام 2021 دولة ضعيفة، مما يجعلها أقل عدوانية عندما دعتها إدارة بايدن إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي. لكن دول مجلس التعاون الخليجي لن تكون شركاء كاملين ولن تكون مسهلة للمحادثات في مثل هذه المفاوضات”.

هناك أصول أخرى في دول مجلس التعاون الخليجي تتآكل.

وحتى الآن، يبدو أن العديد من دول الخليج – وخاصة الإمارات والبحرين وسلطنة عمان – اختارت إقناع الغرب بتسرعها في تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، من دون أي آفاق سلام حقيقية في المنطقة، وخاصةً عندما تظل حقوق الفلسطينيين في خطر.

أما قطر وعمان فمترددتان والكويت تعلن رفضها لأي تطبيع لا يراعي الحقوق الفلسطينية الكاملة. وتنتظر السعودية مزيداً من التنبيهات لكنها تواصل الحفاظ على علاقات سرية مع “إسرائيل”.

ويبدو أنه إذا أرادت دول الخليج الاستمرار في أن تكون ذات صلة بالغرب، فعليها أن تُظهر أنها ضرورية لأمن “إسرائيل”. ومثل هذا الموقف يثير إعجاب الجماهير الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة.

لذلك سيلتقي قادة الخليج في السعودية وسيحاولون التصالح مع جارتهم المزعجة، قطر، وهم يسعون إلى لفت انتباه إدارة بايدن الجديدة إلى وحدتهم التي أعيد اكتشافها.

ختمت الرشيد بالقول: “لكن تظل الحقيقة أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تشهد استنزافاً للأصول المالية والاستراتيجية، في صراعاتها لجعل أنفسهم حكماً للشؤون العربية والمحاورين الذين يمكن للغرب الاعتماد عليهم لتحقيق مصالحه الإستراتيجية”.

*مضاوي الرشيد أستاذة زائرة في معهد الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد. 

ترجمة بتصرف: الميادين نت

مركز الدراسات الآسيوية والصينية