كتب الباحث الكندي الإيراني شهير شهيدساليس مقالة في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تناول فيها الاتفاقية الصينية الإيرانية وقال إنه بعد شهور من المحادثات خلف الستارة، وقعت إيران والصين الشهر الماضي اتفاقية تعاون استراتيجي هدفت إلى ترسيخ تحالفهما الاقتصادي والسياسي.

وأضاف أنه بشكل غير معتاد، تولى المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي شخصياً هذا المسار، من خلال الطلب من إدارة الرئيس الإيراني حسن روحاني تعيين رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني كمسؤول الاتصال مع الصين. وقالت الصحيفة الإصلاحية “شرق” العام الماضي إن منصبن لاريجاني كمستشار للمرشد الأعلى قد يقنع الصينيين بأن إيران جادة بشأن الاتفاقية.

وطرح الكاتب الكندي-الإيراني سؤالاً إذا كان الموقف الصارم للسيد خامنئي بشأن إحياء اتفاق إيران النووي يستند إلى الدعم الصيني عموماً وإلى هذه الاتفاقية خصوصاً؟ وقال إن المرشد بدا غير مرن وأعاد تكرار “سياسة محددة” بأنخ ينبغي على واشنطن أن تقوم أولاً برفع جميع العقوبات المفروضة على إيران قبل أن تستأنف طهران التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

ورأى الكاتب أنه قد لا نكون قادرين على الإجابة عن السؤال أعلاه بيقين، لكن توقيع الاتفاقية بين إيران والصين يثير أسئلة مهمة أخرى. فهل اختارت الصين أن تتحدى صراحة الولايات المتحدة الأميركية على المستوى العالمي من خلال دعمها “الاستراتيجي” لأكثر حكومة معادية لأميركا؟ وهل ستنفذ هذه الاتفاقية فعلاً؟

وقال الكاتب إنه لا الجانب الإيراني ولا الجانب الصيني قد كشف علناً عن تفاصيل هذه الاتفاقية، لكن يُعتقد أنها لم تتغير كثيراً عن المسوّدة التي حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” ونشرتها العام الماضي. وقد تحدثت هذه المسوّدة عن استثمارات صينية بقيمة 400 مليار دولار في إيران، في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية، على مدى الـ25 عاماً المقبلة. في المقابل، ستتلقى الصين تزويداً بشكل منتظم وسعر مخفض من النفط الإيراني، بحسب مسؤول إيراني وتاجر نفط”، كما ذكرت “نيويورك تايمز”.

وأوضح الكاتب أنه للإجابة على هذه الأسئلة السابقة، نحتاج إلى فهم كيف تتناسب هذه الاتفاقية مع العلاقات الصينية-الأميركية على المستوى الكلي. فالصراع بين الولايات المتحدة والصين قد تصاعد خلال رئاسة دونالد ترامب الذي تبنى خطاباً معادياً للصين على المستوى العالمي، مصنفاً وباء فيروس كورونا بأنه “الفيروس الصيني”.

وفي حزيران / يونيو 2020، وفي خطوة غير معتادة، أرسلت البحرية الأميركية ثلاث حاملات طائرات نووية من أصل حاملاتها الـ11 إلى المحيط الهادئ، حيث تتحدى دول إقليمية عدة مزاعم الصين بالسيادة على 90 في المائة من بحر الصين الجنوبي. فهذه المياه تضم احتياطات هيدروكربونية، وفوق كل ذلك، فإن صيد الأسماك هو في قلب الصراع. فالمياه المتنازع عليها تضم 12 في المائة من صيد السمك العالمي في 2015، حيث يقدر أنه يعمل فيها أكثر من نصف سفن العالم لصيد الأسماك.

التنافس المتنامي

وإلى جانب حرب التجارة التي تصاعدت بعد بدء تفشي وباء “كوفيد-19″، كانت هونغ كونغ نقطة خلاف أخرى. فبعد الاحتجاجات التي خرجت إلى الشوارع في عامي 2019 و2020، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يلغي المعاملة التفضيلية لهونغ كونغ بحسب مجموعة من القوانين الأميركية. فقد خدمت هونغ كونغ كقناة توصيل للدولارات الأميركية التي تشتد الحاجة إليها في النظام الاقتصادي الصيني.

كما كان للخلاف بشأن مصير تايوان القدرة على إثارة النزاع بين الصين وأميركا لعقود.

ووصل التنافس الصيني الأميركي إلى نقطة جعلت مستشار الأمن القومي الأميركي السابق روبرت أوبراين يحذر العام الماضي من أن بكين سعت للاستفادة من أزمة فيروس كورونا كي “تحل محل الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة”.

وقال وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، مستخدماً خطاباً لم يسمع به أي سياسي أميركي منذ عقود: “إذا لم يغيّر العالم الحر الصين الشيوعية، فإن الصين الشيوعية ستغيّرنا”.

وقال الكاتب إن هذه الرؤية العالمية لم تتغير جوهرياً في ظل الرئيس جو بايدن. فهو أشار أخيراً إلى “تنافس متنامٍ مع الصين” كتحدٍ جوهري يواجه الولايات المتحدة – وهي وجهة نظر عُكست في وثيقة من 24 صفحة حددت سياسات الأمن القومي لبايدن. تؤكد الوثيقة أن “الصين، بشكل خاص، قد أضحت بشكل سريع أكثر حزماً. إنها المنافس الوحيد القادر على الجمع بين قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتشكيل تحدٍ مستدام لنظام دولي مستقر ومنفتح”.

تحدٍ جوهري

وأوضح الكاتب أنه بناء على هذه الخلفية انبثقت الاتفاقية الإيرانية الصينية التي ستستمر لـ25 عاماً. وتساءل قائلاً: بالنظر إلى الوضع الحالي للعلاقات الأميركية الصينية، ماذا يعني أن تصبح الاتفاقية سارية المفعول؟

وأجاب بالقول إنه أولاً: إنها تعني أن الصينيين قد قرروا تجاهل العقوبات الأميركية على إيران، إذا استمرت هذه العقوبات. وهذه قد تكون مقاربة جديدة. ففي أعقبات إعادة ترامب فرض العقوبات، انسحبت شركات صناعة السيارات الصينية من إيران، على غرار الشركات الصناعية الغربية، وشركة البترول الوطنية الصينية انسحبت من المرحلة 11 من حقل غاز جنوب بارس العملاق.

ثانياً، والأكثر أهمية، إن اتفاقية لمدة 25 سنة مع إيران تعني أن الصين قد قررت بدعم صريح واستراتيجي لحكومة هي الأكثر عداء للولايات المتحدة في العالم. وهذا قد يكون التحدي الأكثر جوهرية من قبل الصينيين لأميركا منذ نهاية حرب فيتنام والزيارة التاريخية لزعيم الدولة الصيني دنغ شياو بينغ إلى الولايات المتحدة في عام 1979. لكن هل تحضّر الصين للدخول في صراع طويل، وعلى الأرجح الأكثر تصعيداً، مع أميركا؟

أجاب الكاتب أن ذلك لا يجتاز اختبار المنطق. فالصين هي الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة. فمن أصل سبعة تريليونات دولار من المديونية الأميركية للحكومات الأجنبية، تملك الصين أكثر من تريليون دولار، تليها اليابان.

فعلى الرغم من أن “المنافسة الحادة” ستكون مكوّناً أساسياً في مسار العلاقات الصينية-الأميركية، لكن هذا الاعتماد المتبادل الهائل بين البلدين لن يسمح بأن تكون إيران نقطة اشتعال تقود إلى مواجهة بين القوتين العظميين.

هل ستصبح الاتفاقية حقيقة؟

يجيب الكاتب بالقول إن “السياسة الدفاعية للصين في حقبة جديدة” هي رد مفصل على التحوّل في السياسة الأميركية من التركيز على الإرهاب والتطرف إلى التنافس مع الصين. تسلّط الوثيقة، التي صدرت في تموز / يوليو 2019، الضوء على تركيز بكين على التنمية وتقول: “على الرغم من أن الدولة قد تصبح قوية، إلا أن العداء سيؤدي إلى تدميرها … لقد تعلم [الشعب الصيني] قيمة السلام والحاجة الملحة للتنمية”.

وقال الكاتب إنه على الأرجح لن تتحايل الصين على العقوبات الأميركية أو تتجاهلها على حساب فتح جبهة خلافية جديدة مع الولايات المتحدة. إذن ما هو هدفها من توقيع الاتفاقية مع إيران؟

وأجاب أن الصين تهدف إلى طمأنة الحكومة الإيرانية بأنها تحظى بدعم بكين كحليف استراتيجي – وهو تطمين حيوي في ظل طلبات الصين المتزايدة على النفط. فقد لا يكون توقيت الاتفاقية، التي وقعت قبل بدء المحادثات النووية في فيينا الأسبوع الماضي، من قبيل الصدفة. فالتوقيت يمكن أن يعزز ثقة المرشد خامنئي في تعامله مع الأميركيين.

كما أن الصين قد تلعب ورقة إيران للرد على الولايات المتحدة على جبهات تايوان وبحر الصين الجنوبي وهونغ كونغ.

وختم الكاتب بالقول إن تطبيق الاتفاقية التي تبلغ مدتها 25 سنة على أرض الواقع، على الأقل في الوقت الذي تظل فيه العقوبات الأميركية سارية، يبدو غير مرجح.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم عن الميادين نت