“ناشونال إنترست”: كيف أدت العقوبات الأميركية القاسية إلى تعزيز النفوذ الصيني والروسي

“ناشونال إنترست”: كيف أدت العقوبات الأميركية القاسية إلى تعزيز النفوذ الصيني والروسي

ترجمة بتصرف: د. هيثم مزاحم |
كتب الباحثان في مركز الأمن الأميركي الجديد، جايسون بارتليت وإميلي جين، مقالة في موقع “ذا ناشونال إنترست” الأميركي، قالا فيها إن حملة “الضغط الأقصى” الأميركية المستمرة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الحوافز لكل من طهران وكراكاس لتقوية العلاقات مع بكين وموسكو من أجل صمودهما. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، دفعت العقوبات الأميركية القاسية فنزويلا وإيران إلى أحضان خصمي الولايات المتحدة التقليديين، الصين وروسيا.

وأضاف الكاتبان أن الصين وروسيا تسعيان إلى استغلال هذا العداء تجاه الولايات المتحدة من خلال تقديم شرايين الحياة الاقتصادية والتكنولوجيا المتقدمة وبرامج التدريب العسكري لكراكاس وطهران في تحدٍ للعقوبات الأميركية. وقد منحت جائحة فيروس كورونا المستمرة بكين وموسكو نفوذاً أكبر في الشؤون الفنزويلية والإيرانية المحلية مع تزايد اعتماد الدولتين بشكل كبير على المساعدات الصينية والروسية. وفي حين أن التشابك الاقتصادي المتزايد مع فنزويلا وإيران يمكن أن يثقل كاهل الصين وروسيا بأعباء مالية، فإنه يوفر نفوذاً جيوسياسياً مرغوباً لمزيد من التحوط ضد الولايات المتحدة وأنظمة العقوبات الخاصة بها.

وبحسب برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، يعاني نحو ثلث إجمالي سكان فنزويلا من انعدام الأمن الغذائي. وعلى الرغم من أن التضخم المفرط والإدارة السيئة للأموال الوطنية هما المسؤولان في الغالب عن التدهور الاقتصادي في البلاد، إلا أن العقوبات الأميركية الأحادية قد أدت إلى تفاقم الوضع.. وقد انتهزت الصين بالفعل هذه الفرصة لتوسيع نفوذها الأجنبي، وبين نيسان / أبريل وكانون الأول / ديسمبر 2019، قدمت الصين ما لا يقل عن 40 في المئة من جميع واردات الغذاء إلى فنزويلا وعدداً كبيراً من الإمدادات الطبية لمواجهة الوباء المستمر. ومع ذلك، فإن التحالف بين الصين وفنزويلا يتجاوز المساعدات الإنسانية والتجارة.

وفي عام 2017، تحت رعاية جهود حكومية بقيمة 70 مليون دولار لتعزيز الأمن القومي، استعانت كاراكاس بعملاق التكنولوجيا الصيني “زد تي إي” ZTE لإنشاء بطاقة تعريف ذكية جديدة لمراقبة سلوك المواطنين، بحسب زعم الكاتبين. كما أرسلت “زد تي إي” وحدة عمالية خاصة للانضمام إلى “CANTV”، شركة الاتصالات التي تديرها الدولة في فنزويلا، من أجل توفير الإشراف الإداري والخبرة لموظفيها. وفي الآونة الأخيرة، صنفت وزارة الخزانة الأميركية الشركة الوطنية الصينية للاستيراد والتصدير للإلكترونيات (CEIEC) متهمة إياها بأنها دعمت جهود شركة CANTV لتقييد خدمة الإنترنت وإجراء عمليات المراقبة الرقمية والعمليات الإلكترونية ضد المعارضين السياسيين. وعلى الرغم من أن بكين قد خفضت دعمها المالي لفنزويلا في السنوات الأخيرة، إلا أنها تواصل انتهاك العقوبات الأميركية لصالح حكومة الرئيس مادورو.

وقال الكاتبان إنه بالإضافة إلى شرايين الحياة الاقتصادية والعقود العسكرية، سعت روسيا بدورها إلى مشاركة أكبر في الشؤون الداخلية لفنزويلا. ففي عام 2019، أدان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدي الولايات المتحدة لشرعية رئاسة مادورو واتصل بكراكاس للتعبير عن دعمه. وخلال العام نفسه، صنفت وزارة الخزانة الأميركية مصرف “إيفروفايناس موسناربنك” Evrofinance Mosnarbank ومقره موسكو لمساعدة فنزويلا في التهرب من العقوبات الأميركية من خلال تمويل العملة المشفرة في البلاد، “بترو” Petro.

وأشار الباحثان إلى أنه برغم العقوبات الأميركية على الشركتين الصينية والروسية، أظهرت موسكو وكراكاس أخيراً تحالفهما القوي في أعقاب سيطرة مادورو على الجمعية الوطنية الفنزويلية في 7 كانون الأول / ديسمبر 2020. فبعد يوم واحد فقط من الانتخابات، شكر مادورو الرئيس بوتين على “اهتمامه ودعمه للديمقراطية في فنزويلا”، وقال إن “روسيا هي مثال للاحترام والتعاون”. ويشير مديح مادورو السريع لبوتين بعد تعزيز سلطته السياسية والقانونية، إلى تحوط موحد في المستقبل ضد الولايات المتحدة وأنظمة العقوبات الخاصة بها.

وأضاف الكاتبان أن إيران قد سعت، على غرار فنزويلا، إلى تعاون أكبر مع الصين وروسيا في ظل العقوبات الأميركية الشديدة. فعلى سبيل المثال، ورد أن بكين وقعت خطة مدتها 25 عاماً مع طهران تتضمن استثماراً بقيمة 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، و120 مليار دولار لتحديث البنية التحتية للنقل والتصنيع في إيران. بالإضافة إلى ذلك، لدى طهران الآن اتفاقية عسكرية مشتركة مزعومة مع موسكو. وعلى الرغم من التنازع على أرقام الاستثمار الدقيقة، يُزعم أن إيران وافقت كذلك على منح القاذفات الصينية والروسية والمقاتلات وطائرات النقل وصولاً غير مقيّد إلى القواعد الجوية الإيرانية. ويبدو أن طهران ستجري تدريبات عسكرية سنوية مشتركة مع القوات المسلحة الصينية والروسية. وبغض النظر عما إذا كان الجانب العسكري لهذه الصفقة صحيحاً، فإن أي صفقة مدتها 25 عاماً بين إيران والدول التي تخرق العقوبات مثل الصين وروسيا لها آثار وخيمة على قدرات إنفاذ العقوبات الأميركية والأمن القومي الأميركي بشكل عام.

وعلى الرغم من أن الصين كانت أول دولة تقدم المساعدات والإمدادات الطبية لإيران لمواجهة الوباء، سرعان ما حذت روسيا حذوها مع 50000 اختبار كورونا وإرادة قوية لتحدي العقوبات الأميركية. في تشرين الثاني / نوفمبر 2020، أعرب نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بشكل صارخ عن نية موسكو المستمرة في انتهاك العقوبات الأميركية على إيران، قائلاً: “إنها [العقوبات] لن تؤثر على سياستنا بأي شكل من الأشكال”.

كما ساعدت روسيا في مرافقة ناقلات النفط الإيرانية إلى سوريا وضغطت على الموقعين الآخرين على الاتفاق النووي مع إيران لاستئناف العلاقات الاقتصادية مع إيران. وفي السنوات الأخيرة، سعت الصين وروسيا إلى تعزيز الجهود الأمنية التعاونية مع إيران، بما في ذلك التدريبات البحرية المشتركة في المحيط الهندي وخليج عمان في كانون الأول / ديسمبر 2019. ومع استمرار العقوبات الأميركية القاسية في تجريد إيران من القدرة على تنشيط اقتصادها من خلال وسائلها الخاصة، فإن حملة “الضغط الأقصى” المستمرة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الحوافز لطهران لتعزيز العلاقات مع بكين وموسكو من أجل البقاء.

ورأى الكاتبان أنه نظراً لفشل حملة الضغط الأقصى خلال أربع سنوات في إحداث تغيير سلوكي كبير، يجب على صانعي السياسة الأميركيين الآن التفكير في طرق بديلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الفورية مع طهران وكراكاس. ويقترحان على إدارة الرئيس جو بايدن المقبلة، أن يشمل ذلك دعم برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، واليونيسف، ومنظمة إنقاذ الطفولة، والجهود الإنسانية الدولية الأخرى في إيران وفنزويلا لضمان وصول المساعدات المتعلقة بفيروس كورونا إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفاً. وقالا إنه في حين أن تقديم المساعدة ليس سوى نهج ملطف للتخفيف من مخاطر فنزويلا وإيران، إلا أنه يمكن أن يقلل اعتمادهما النهائي على الصين وروسيا لأن الاكتفاء الذاتي الاقتصادي يظل أولوية وطنية.

وأضاف الباحثان أنه للمضي قدماً في هذه السياسة، يجب على الحكومة الأميركية تجنب ربط المساعدة الإنسانية بالحوافز السياسية وجهود تغيير النظام لأن هذا لن يؤدي إلا إلى زيادة التدخلين الصيني والروسي.

المصدر: الميادين نت

مركز الدراسات الآسيوية والصينية