رهانات التعاون الدولي في ظل أزمة كورونا

رهانات التعاون الدولي في ظل أزمة كورونا

د. سمر الخمليشيجامعة عبد المالك السعدي |

مقدمة

منذ انشاء منظمة الامم المتحدة سنة 1945 بأهدافها السامية التي كانت ترمي الى تحقيق السلم والأمن الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية التي انهكت العالم بخسائر مادية وإنسانية كبيره وتلبية لمبادئ المدرسة المثالية التي تنبني على اسس تعزيز التعاون بين الدول بكافة أشكاله العلمية, الدبلوماسية, الاقتصادية , الثقافية والأمنية والعسكرية, قلت نسب الحروب بين الدول بتبني معاهدات دولية تشكل اسس القانون الدولي المنظم للعلاقات الحديثة بين كافة الدول المنتمية لمنظمة الامم المتحدة.

فأصبح التعاون الدولي هو الاساس المنظم للعلاقات الدولية متمثلا في شكلين. علاقات تعاون بين بلدين صديقين وهو ما يسمى بالتعاون الثنائي القطبية, ثم التعاون المتعدد القطبية المتمثل في الاتفاقيات المبرمة في اطار المنظمات الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة. وقد تكرس مبدأ التعاون الدولي اقتصاديا من خلال ظهور وتبني العولمة التي أصبحت من خلالها العلاقات بين الدول مترابطة وتجاوزت الحدود المادية والجغرافية فيما بينها من اجل خلق سوق مشتركة بين الدول عبر انشاء منظمات سياسية اقتصادية لتشريع هذا الشكل من التعاون كالاتحاد الاوروبي مثلا. وعلى المستوى الأمني تم توقيع معاهدات ترجمت بإنشاء منظمات سياسية عسكرية بين دول مختلفة هدفها مواجهة التهديدات الامنية والدفاع المشترك كمنظمة حلف الناتو. ظهر التعاون الدولي اذن ليغير مفهوم الدولة المنطوية على ذاتها والتي تعتبر القوة العسكرية اساسا وحيدا لقوة الدولة (المدرسة الواقعية) ليصبح العالم متفقا على ان المصالح المشتركة بين الدول هي التي تحدد مجرى العلاقات السياسية والاقتصادية فيما بينها.

غير ان التعاون الدولي اصبح موضوع تساؤل حول تداعياته الحالية وكذا مستقبل العلاقات الدولية المبنية على اساسه في ظل ظهور ازمة تفشي جائحة فيروس كورونا الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر 2019  لينتشر بسرعة مذهلة بكافة ارجاء العالم مخلفا الالاف من الضحايا.

فهل كشفت ازمة كورونا عن قوة مفهوم التعاون والتضامن ما بين الدول وقت الازمات ,ام اصبح هذا المفهوم على العكس هشا وضعيفا, وما اثار هذه الحيثيات على العلاقات الدبلوماسية بين الدول؟

  1. التعاون الثنائي القطبية: بين توطيد العلاقات الدبلوماسية وإعادة ترتيبها

منذ انتشار وباء فيروس كورونا بمدينة ووهان,  قامت السلطات الصينية بعزل تام للمدينة لكن الفيروس كان قد انتشر بالصين ليفتك باقاليم هوباي, جوانجدونغ و هنان. انتقل بعد ذلك الفيروس لباقي بلدان العالم بشكل تدريجي بفعل تنقل السكان المسافرين والبضائع ليتم عزل الصين كليا على المستوى الدولي بوقف الرحلات الجوية اليها من طرف العديد من الدول. ومع انتشار الجائحة بمختلف البلدان والقارات فقد لاحظنا التفاعلات التالية.

 1   مساهمة تقديم المساعدات في توطيد العلاقات الدبلوماسية

مع انتشار فيروس كورونا بالصين, اعربت هذه الاخيرة بداية فبراير 2020 عن قلقها ازاء ندرة الاقنعة الواقية فبالرغم من انها تعد من اهم الدول المصنعة في العالم وبالرغم من انها تنتج نحو 20 مليون قناع واقي يوميا , إلا انها اصبحت بحاجة للمساعدات الخارجية لتجاوز الأزمة مع تزايد عدد المصابين من اصل مليار نسمة من السكان. سارعت حينها دول بإرسال المستلزمات الطبية منها بريطانيا, اليابان كوريا الجنوبية وفرنسا . فهذه الاخيرة قامت بشحن تضامني يبلغ وزنه 17 طنًا من المستلزمات الطبية كالأقنعة والقفازات والمنتجات المطهرة. وقد تم تنسيق هذه العملية من قبل مركز الأزمات والدعم التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية ، بالتعاون الوثيق مع السفارة الفرنسية في بكين والقنصلية العامة الفرنسية في ووهان. تجمع هذه العملية بين مساهمات القطاع العام التي تمت تعبئتها من قبل وزارة أوروبا ووزارة الخارجية ووزارة التضامن والصحة، والدعم المالي لمجموعة رائدة عالمياً في منتجات عالية الجودة والتي وافقت على الاشتراك بهذه العملية ، وكذا مساهمات من المجتمع المدني، ولا سيما رابطة خريجي جامعة ووهان. هذا النوع  من التضامن يشكل تكريسا لعلاقات الصداقة بين الصين ودول اوروبا بشكل عام خصوصا بعد انتشار الوباء في العالم لتساهم الصين بدورها في ارسال المساعدات الطبية وكذلك الاطباء والخبراء الصينيين لدول اوروبا وبشكل خاص لايطاليا التي اصبحت ثاني بؤرة للوباء عالميا بعد الصين. اما فيما يخص تبادل الخبرات في العلاقات الثنائية بين الدول الصديقة, نأخذ مثال العلاقات مابين الصين والمغرب فمع انتشار الوباء بالمغرب قامت الصين بوضع تجاربها في خدمة الخبراء المغاربة من اجل إدارة الأزمة والممارسات التي يتوجب اتباعها. لذا فقد تم بنجاح عقد مؤتمرين عن بعد بالفيديو بين الخبراء الصينيين ونظرائهم المغاربة يومي 26 و 27 مارس 2020. وفيما يتعلق بالمساعدات المالية فقد قامت الولايات المتحدة الامريكية بإرسال مساعدات مالية للدول الصديقة المتضررة من الفيروس منها المغرب.  فمن اجل التخفيف من حدة انتشار الوباء قدمت حكومة الولايات المتحدة 6.6 مليون درهم (670.000 دولار أمريكي) للمغرب, من صندوق احتياطي الطوارئ للأمراض المعدية ومن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إطار خطة التأهب والاستجابة الاستراتيجية لمنظمة الصحة العالمية. وحسب السفارة الأمريكية, سيساعد  دعم الولايات المتحدة للمغرب والدول الشريكة الأخرى في إعداد مختبراتها للاختبار على نطاق واسع وتنفيذ خطة طوارئ فعالة للصحة العامة , وتفعيل اكتشاف الحالات والمراقبة القائمة على الاحداث لأمراض الانفلوانزا, وتدريب وتجهيز فرق الاستجابة السريعة, والتحقيق في الحالات وتتبع اتصالات الاشخاص المصابين وكذا تكييف مواد التدريب للعاملين في مجال الصحة لمواجهة فيروس كورونا.

من هنا نلاحظ ان العلاقات الثنائية القطبية بين الدول قد توطدت خلال ازمة انتشار فيروس كورونا لكن فقط بين الدول التي فيما بينها علاقات اقتصادية وإستراتيجية جيدة مسبقا.

2       ظاهرة القرصنة الحديثة ومساهمتها في اعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية

غير انه وعلى نحو اخر نلاحظ ظاهرة لم يسبق لها الحدوث في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة وهي ظاهرة قرصنة المواد الطبية بين الدول الحليفة فيما بينها. فقد أغضبت الولايات المتحدة ألمانيا وفرنسا بعد مصادرة ملايين الأقنعة كانت موجهة لشحنها إلى دول أوروبية في خضم أزمة فيروس كورونا. وقد هاجم مسؤولون ألمان أمريكا لاعتراض  طلبية بنحو 200 ألف قناع بمعمل شركة امريكية بالصين, وقد اعتبر وزير الداخلية الالماني أندرياس جيزل هذا الحدث كعمل قرصنة حديثة وبان هذا الامر مخالف للأعراف الدولية خاصة بين الشركاء بينما اتهم رئيس بلدية برلين الرئيس ترامب بـ “عدم التضامن” بعد الاستيلاء على الشحنة. عملية قرصنة اخرى  تعرضت لها تونس عندما تمت سرقة شحنة من المواد الطبية و التعقيمية بالبحر من طرف ايطاليا حسب تصريح وزير التجارة التونسي في نفس اليوم الذي اقترح فيه الرئيس التونسي تقديم مساعدات طبية لايطاليا خلال مكالمة هاتفية. وفي نفس السياق, اشترت الولايات المتحدة نقدًا ، ثلاثة أضعاف السعر، مخزونًا من الأقنعة المخصصة لفرنسا مباشرة على مدرج المطار الصيني. طارت الطائرة في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة بدلاً من فرنسا حسب تصاريح رئيسي جهتين فرنسيتين.

من خلال هذه المعطيات يتبين لنا ان ظاهرة قرصنة المواد الطبية خلال ازمة كورونا هي عبارة عن حرب خفية بين الدول من اجل البقاء في تجاهل تام للأعراف الدولية. هذه الممارسات تعرقل التعاون الدولي وتخالف مبدأ التضامن حتى بين الدول الشريكة اقتصاديا, وعليه فمن المتوقع ان تحدث هذه الظاهرة اعادة ترتيب  العلاقات الدبلوماسية بين الدول المتصارعة بما فيها الصديقة.

  1. هشاشة مبدأ التضامن لدى التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى

بعيدا عن دور منظمة الصحة العالمية التابعة لمنظمة الامم المتحدة في التصدي للوباء وكذا دور المنظمات الغير حكومية بمواردها المحدودة كأطباء بلا حدود وغيرها من منظمات المجتمع المدني ,  فقد شكلت ازمة انتشار فيروس كورونا فرصة لاختبار التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى.

1   ضعف مبدأ التضامن لدى البنك الدولي,وانقسامات وتأخر في ادارة ازمة كورونا داخل الاتحاد الاوروبي

مباشرة بعد تنامي الازمة بالصين, تم عزل هذه الاخيرة بوقف الرحلات الجوية وقد واكب هذا العزل ضعف التضامن الدولي من التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى لمساعدة الصين على مواجهة هذه الأزمة. فقد كان التضامن ضعيفا وشبه غائب,نأخذ مثال البنك الدولي الذي عرض فقط المساعدة التقنية بتقديم وصايا حول كيفية التصدي للازمات الصحية والأوبئة بدلا من تقديم المساعدات او القروض المالية للصين. وفي مثال اخر يخص التكتلات الاقتصادية فقد ابان الاتحاد الاوروبي عن هشاشة مبدأ التضامن لدى الدول الاعضاء وكذا انقسامات بين الدول الاعضاء.

فقد ابانت ازمة كورونا عن هشاشة مبدأ التضامن بين دول الاتحاد الاوروبي وكذا التأخير في ادارة الازمة ومرافقة الدول المتضررة منها.  هذا راجع بالأساس الى تنامي الانانية الوطنية بين الدول الاعضاء مما سيكون له انعكاسات على روابط وتماسك الاتحاد.  من جهة أخرى هناك انقسامات بين دول الشمال ودول الجنوب فقد رفضت دول الشمال كألمانيا وهولندا طلب الاستعانة الجماعية كانت قد تقدمت به كل من ايطاليا واسبانيا بدعم من فرنسا, بلجيكا وغيرها من دول الجنوب. هذه التفاعلات جعلت الخبراء والباحثين يرجحون فرضية تفكك الاتحاد مستقبلا, خصوصا بعد الازمة الاقتصادية المتوقعة بعد هذا الوباء العالمي.

محدودية التعاون لدى التكتلات الاقتصادية الصاعدة 2

مع انتشار وباء كورونا بالصين,  سارع بنك التنمية الجديد التابع للتكتل الاقتصادي المعروف باسم البريكس والذي يضم كلا من البرازيل, روسيا, الهند, الصين وجنوب افريقيا الى منح قرض للصين بقيمة 7 مليار يوان في اطار برنامج بنك التنمية الجديد للمساعدة الطارئة في مكافحة  كوفيد 19.

فوسط تفشي المرض، ازدادت النفقات الحكومية العاجلة الغير المتوقعة والمتعلقة بالحد الفوري من تفشي المرض ، بشكل كبير ، مما تسبب في ضغوط على الميزانيات المالية للحكومات على جميع المستويات في الصين ، وخاصة في هوبي وقوانغدونغ وهنان.

وفي هذا السياق ، لن يكون التزام بنك التنمية الوطني فقط بمساعدة الصين من خلال برنامج المساعدة لتعزيز التنمية المستدامة للبلدان الأعضاء فيه، ولكن الأهم  توفر الدعم الطارئ الذي يحتاجه البلد العضو  الذي يواجه تحديات اقتصادية خطيرة ومعاناة إنسانية.

بعيدا عن نموذج التعاون المالي الخاص بمجموعة البريكس, تم تطوير التعاون فيما يخص تبادل المعلومات داخل التكتل الاقتصادي الاسيان او المنظمة الحكومية الدولية الإقليمية التي تضم عشرة بلدان في جنوب شرق آسيا.

فمنذ أن تبادل مسؤولو الصحة من الصين المعلومات الأولى عن المرض ، كانت شبكة مركز عمليات الطوارئ التابعة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا لحالات الطوارئ الصحية العامة بقيادة ماليزيا ، وبدعم من أمانة رابطة أمم جنوب شرق آسيا ، تتبادل تحديثات الحالة اليومية. كما أنها توفر معلومات حول تدابير الوقاية والكشف والاستجابة لكبار المسؤولين في الآسيان من أجل التنمية الصحية في الآسيان والصين واليابان و كوريا (بالإضافة إلى ثلاثة بلدان)

يضاف الى ذلك تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي للتدريب على الوبائيات من خلال تبادل الرسائل الفورية عبر الهاتف المحمول داخل الشبكة التي تتكون من مسؤولي الوقاية من المراض ومكافحتها في الدول الاعضاء.

كما تبادلت الدول الأعضاء في رابطة أمم جنوب شرق آسيا إجراءات الاستعداد والاستجابة للمختبرات من خلال الشبكة الإقليمية لمختبرات الصحة العامة بقيادة تايلاند. كما استفادت إجراءات الاتصال الوطنية الحالية بشأن المخاطر لنشر التدابير الوقائية والسيطرة، بما في ذلك مكافحة الأخبار والمعلومات الكاذبة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي، من برامج التأهب وبناء القدرات لمركز تقييم المخاطر واتصالات المخاطر في الآسيان.

من خلال نموذجي البريكس و الاسيان, يتبين لنا ان الارادة السياسية للتضامن موجودة بين الدول الاعضاء في محاولة ايجاد حلول لازمة انتشار فيروس كورونا بهذه الدول. غير ان الجانب الاقتصادي لا يزال مسيطرا على الجانب الانساني حيث ان الدعم بخصوص دول البريكس كان عبارة عن قرض , في غياب للمساعدات الطبية , نفس الامر بالنسبة للاسيان التي ركز قادتها في بيان رسمي على تكثيف الجهود من اجل انقاذ الاقتصاد حيث لم يتم اغلاق شامل للحدود بين الدول الأعضاء. وقد حال ذلك دون اعطاء الاولوية للجانب الإنساني حيث قد ثبت بان التنقل بين الدول من اهم اسباب تفشي الوباء بالعالم, وقد اكتفى التعاون اذن بين دول الاسيان بتبادل المعلومات  بل وقد قدمت حكومة الولايات المتحدة حوالي 18.3 مليون دولار في حالات الطوارئ الصحية والمساعدات الإنسانية للدول الأعضاء في الآسيان. مما يدل على ان دور المنظمة لا زال محدودا  في كيفية ادارة الازمات ماديا واقتصاديا.

خاتمة

يبدو ان ازمة كوفيد 19 كانت اختبارا للتفاعلات السياسية للدول في علاقتها ببعضها البعض. من جهة, ساهمت الازمة في انعزال الدول مع تنامي الأنانية الوطنية مترجمة في حالات قرصنة المواد الطبية, ومن جهة اخرى ,توطدت العلاقات الدبلوماسية من خلال تبادل المساعدات. اما على مستوى العلاقات المتعددة القطبية فقد بينت الازمة هشاشة التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى فيما يخص مبدا التضامن والتعاون الدولي في فترة الازمات, كما ان التكتلات الاقتصادية الصاعدة اظهرت ان الدول الاعضاء قد اعطت الاسبقية للاقتصاد بدلا من الخسائر البشرية, من خلال عدم تبني حظر شامل و عدم اقفال الحدود بين الدول الاعضاء بشكل شامل, كما بينت على محدودية الامكانات المادية لديها. وعليه, فتقلبات التعاون الدولي خلال ازمة كوفيد 19 ستترك اثارا على مستقبل العلاقات الدبلوماسية بين مختلف دول العالم.

مراجع

*نشرت المقالة أولاً في مركز الدراسات المصري.

مجموع القراءات 49 total views, قراءات اليوم 1 views today

cacsr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *