فيتكونغ جديدة في غرب أسيا.. مَنْ يختبىء وراء مَنْ؟

فيتكونغ جديدة في غرب أسيا.. مَنْ يختبىء وراء مَنْ؟

 

بقلم: العميد إلياس فرحات

إثر اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وبرفقته ابو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق في غارة نفذتها قوة جوية اميركية بناء لاوامر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مطلع العام 2020، تعرضت قاعدة عين الاسد الجوية الأميركية في العراق إلى رشقات صاروخية بالستية انطلقت من ايران واصابت اهدافها داخل القاعدة التي تتمركز فيها قوات اميركية وعراقية. وقتذاك، تحدثت الولايات المتحدة عن اصابة القاعدة باضرار مادية وبثت شبكة “سي ان ان” صوراً حية للأضرار، وتحدثت عن اصابة عشرات الجنود الاميركيين بجراح وانهيارات نفسية. توقفت المنازلة عند هذا الحد ورافقها إطلاق خطابات سياسية من طهران وبيروت وبغداد تدعو الى انسحاب القوات الاميركية من “غرب أسيا”، وهو تعبير استحضر للمرة الأولى بدلاً من مصطلح الشرق الاوسط الشائع أميركياً وإسرائيلياً وأوروبياً. في العراق، تبنى مجلس النواب توصية يطلب فيها انسحاب القوات الاميركية من البلاد وسط التباس في قرار السلطة التنفيذية ممثلة بحكومة عادل عبد المهدي في التأكيد على هذا القرار. لم تحدد ايران خارطة طريق او خطتها لدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من المنطقة، ولو ان الخطة المنطقية هي شن مقاومة مسلحة ضد الوجود العسكري الاميركي. أدى غياب وفاق سياسي عراقي جامع على شن مقاومة شعبية مسلحة ضد القوات الاميركية إلى إبقاء شعار الانسحاب في إطاره السياسي والنظري، ونشأت جدلية من يتولى مقاومة الاميركيين، وتحديداً هل يتولى ذلك الحشد الشعبي وماذا يمكن أن يرتب ذلك من اشكالية لجهة قيام قوة رسمية تخضع لسلطة الحكومة بأعمال عسكرية ضد القوات الاميركية التي تتعاون مع الحكومة ايضاً؟ لكن العمليات العسكرية انطلقت ضد القوات الاميركية واتخذت شكل صواريخ لقيطة تطلق، بين حين وآخر، على المنطقة الخضراء في بغداد وقواعد بلد وعين الاسد واربيل ومطارها إلخ.. في ١٦ شباط/فبراير ٢٠٢١، تعرضت القوات الاميركية في مطار اربيل لقصف بالصواريخ ادى الى مقتل متعاقد مدني واصابة عددٍ من المتعاقدين وجندي اميركي بحراح. ردّت الولايات المتحدة، على مسافة أقل من شهر من تسلم جو بايدن سدة الرئاسة الأميركية، بقصف ثلاثة مواقع للحشد الشعبي في منطقة الحدود السورية العراقية، ما ادى الى مقتل وجرح العديد من افراد هذه القوة. وأفاد مسؤولون أمريكيون  في حينه أن الضربات تهدف إلى إرسال إشارة مفادها أن واشنطن تريد معاقبة الجماعات المتشددة لكنها لا تريد أن ينزلق الوضع إلى صراع أكبر. ومع ذلك راح الوضع ينزلق تدريجاً وتوسع نطاق الهجمات في الايام الاخيرة ليطال اهدافاً اميركية في سوريا لا سيما حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز في شرق سوريا حيث تنتشر فيهما قوة اميركية كما شمل المنطقة الخضراء ومحيط السفارة الاميركية في بغداد. وفي ٢ آذار/مارس ٢٠٢١ وقبيل زيارة البابا فرنسيس الى العراق، تعرضت قاعدة عين الاسد للقصف، وفي ١٤ نيسان/ابريل ٢٠٢١ تعرض مطار اربيل والقنصلية الاميركية في اربيل الى هجوم بالصواريخ واقتصرت الاضرار على الماديات.

من خلال رصد هذه العمليات وغيرها، نلاحظ الآتي: أولاً؛ إستُخدم في معظم الهجمات في العراق وسوريا إما مسيرات من دون طيار أو صواريخ كاتيوشا محدودة الفاعلية، ما يشير إلى ان هدفها اثارة الانتباه وبث الذعر اكثر من اصابة جنود اميركيين ويبدو ان الجهة التي تنفذ القصف تدرك العواقب الكبيرة لمقتل اميركيين حيث تتحد عندها وجهات النظر داخل الولايات المتحدة وتدعم خيار شن عمليات عسكرية ضد القوات الموالية لايران في سوريا والعراق، وهذا الأمر قد يستدرج ردود أفعال متدحرجة، وهذا ما لا تريده حالياً القوى المخططة والمنفذة.. وحتى المُستهدفة! ثانياً؛ مع كل قصف يطال أهدافاً أميركية في العراق، يوجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإجراء تحقيق ويستنكر القصف. لماذا؟ لأن الحكومة العراقية تعتبر أن القوات الأميركية المنتشرة في انحاء البلاد قوة حليفة تنفذ برامج دعم وتدريب للقوات المسلحة العراقية وتساعدها في محاربة داعش. ثالثاً؛ في سوريا يحصل العكس، إذ تعتبر الحكومة السورية أن القوات الاميركية المنتشرة في شمال شرق البلاد وفي التنف جنوباً هي قوات احتلال. رابعاً؛ تشي وتيرة الهجمات وتنوع الاهداف بان هناك قيادة واحدة للعمليات برغم اختلاف ظروف الوجود الاميركي في كل من سوريا والعراق، وهذه القيادة ترتبط بايران برغم نفي السلطات الايرانية المتكرر لاي مسؤولية عن هذه الهجمات. خامساً؛ تجري هذه الهجمات في وقت تخوض ايران مفاوضات صعبة في فيينا من اجل التوصل الى صيغة تضمن عودة الولايات المتحدة الى الاتفاق النووي، بعدما كان ترامب قد انسحب منه عام ٢٠١٨، وفي الوقت نفسه عودة إيران إلى كامل إلتزاماتها النووية التي تحررت منها بعد إلغاء الإتفاق النووي. وهذه الملاحظة تعكس وجود ترابط ما بين مسار التفاوض في فيينا وبين العمليات العسكرية ضد القوات الاميركية في سوريا والعراق.

سادساً؛ كان لافتاً للإنتباه أنه بالتزامن مع ما يجري على أرض سوريا والعراق، بدأ تنفيذ قرار تخفيف الوجود العسكري الاميركي في الخليج وتحديدا في السعودية وقاعدة العديد العسكرية الأميركية في قطر.
اذا كان ثمة من يراهن على نجاح مفاوضات فيينا ويعول عليها وعلى المفاوضات السعودية الايرانية في تنفيس الاحتقان في المنطقة وارساء حال من الاستقرار، فان آخرين ينظرون الى الهجمات على القوات الأميركية في سوريا والعراق انها نذير مرحلة تصعيد جديدة لان ادارة بايدن لا يمكنها ان تتفرج على القوات الاميركية وهي تتلقى ضربات وربما تلحق بها خسائر في الارواح، من دون الانزلاق الى رد فعل عسكري عنيف يؤدي الى انزلاقها الى حرب استنزاف جديدة قد يستخف بها البعض اليوم لكنها قد تتعاظم في المستقبل القريب وتتحول الى تورط عسكري في زمن تسحب فيه الولايات المتحدة قواتها المسلحة في أنحاء عديدة في العالم لا سيما افغانستان. ومن المهم ان نتذكر ان الرئيس السابق ترامب اصدر قرارا بالانسحاب من سوريا في اواخر ٢٠١٨ لم ينفذ، كما ان الادارة الجديدة لم تعلن التخلي عنه حتى الآن. في جميع الاحوال، نجحت ايران في الاختباء خلف التنظيمات التي تقاوم عسكريا القوات الاميركية في سوريا والعراق وخلقت قواعد اشتباك لا تشملها وتعفيها من المسؤولية عن الهجمات التي جعلت الولايات المتحدة تحمّل مسؤوليتها إلى الحشد الشعبي العراقي. ومع إحتمال ازدياد وتيرة هذه العمليات مستقبلاً سنجد منطقة سوريا والعراق تواجه وضعاً شبيهاً بما جرى عام 2014 حيث اعلنت دولة الخلافة في العراق والشام (داعش) فهل نشهد اعلاناً عن ولادة مقاومة الاميركيين في العراق والشام (ماعش) وتنتقل المنطقة من داعش إلى ماعش، ويتغير المصطلح بالانكليزية من  Islamic State In Iraq and Sham ISIS الى Inter resistance In Iraq and Sham IRIS، وهل تصبح مقاومة الاميركيين فيتكونغ من دون ان تكون ايران فيتنام الشمالية؟

مركز الدراسات الآسيوية والصينية