بكين تطرق أبواب دمشق: هل حان وقت الدعم الاقتصادي؟

بكين تطرق أبواب دمشق: هل حان وقت الدعم الاقتصادي؟

 

بقلم : الكاتب زياد غصن

بدت لافتة، في زيارة وزير خارجية الصين قبل يومين إلى دمشق، والتي غلب عليها الطابع الاقتصادي، الدعوة الصريحة لسوريا للدخول في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»، والتي يرى اقتصاديون أنها قد تكون مدخلاً إلى علاقات اقتصادية ترقى إلى مستوى الدعم السياسي الذي قدّمته بكين لدمشق خلال سنوات الحرب

دمشق | فيما كان أكثر من 850 شخصاً يغادرون قصر الشعب بعد تلبيتهم دعوة خاصة من رئاسة الجمهورية لحضور مراسم أداء الرئيس بشار الأسد القسم الدستوري أوّل من أمس، كان موكب وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، يصل إلى المكان نفسه للقاء الأسد. تزامنٌ ليس مجرّد مصادفة عادية أو ترتيب لمواعيد اتفقت عليه سفارتا البلدين، فالزيارة التي هي الأولى لمسؤول صيني بهذا المستوى منذ سنوات، أرادت بكين من خلال اختيار توقيتها التأكيد مجدداً على دعمها لنتائج الانتخابات الرئاسية السورية الأخيرة، في مواجهة حملة المقاطعة الغربية لدمشق، من جهة، والتحضير لمرحلة جديدة في علاقات البلدين، لا سيما مع تصدّر الملف الاقتصادي لمباحثات الوزير وانغ مع المسؤولين السوريين، من جهة ثانية.

«الحزام والطريق»

ومع أن تفاصيل الاجتماع الموسّع الذي جرى في الخارجية السورية لا تزال غير معلنة، إلا أن تصريحات الوزير الصيني، والتي أكّد فيها «أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيزاً للتعاون بين سوريا والصين بما يعمّق قدرة البلدين على مواجهة التحديات القائمة»، يمكن اعتبارها مؤشراً إلى تحوّل صريح في موقف الحكومة الصينية من التعاون الاقتصادي مع سوريا، والذي بقي طيلة سنوات الحرب محصوراً بالتبادل التجاري وبعض المِنح الإنسانية والعلمية فقط، بخاصة أن الوزير الصيني أبدى، خلال لقائه الأسد، «اهتمام بلاده بمشاركة سوريا في مبادرة الحزام والطريق، نظراً لموقعها ودورها الإقليمي المهمّ»، وهي المبادرة التي يأمل مسؤول اقتصادي سوري، في حديثه إلى «الأخبار»، أن تكون «البوّابة أو المدخل لنقل العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة جديدة من التعاون والاستثمار المشترك في مختلف القطاعات الاقتصادية». وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار»، فقد جرى خلال الاجتماع الذي عقد في وزارة الخارجية السورية مع الوفد الصيني، «اقتراح مجموعة من المشاريع التي يمكن تنفيذها في إطار المبادرة، منها ما هو في مجال النقل كالربط السككي بين مرفأ طرطوس والحدود العراقية، وإنشاء طريق برّي سريع يربط جنوب البلاد بشمالها، ومنها ما هو في مجال توليد الكهرباء، وكذلك في مجال استكشاف النفط والغاز، إضافة إلى إنشاء مناطق حرة صينية في سوريا (حسياء، توسع اللاذقية). مع التركيز على البعد الإقليمي لهذه المشاريع، بما يتوافق مع روح مبادرة الحزام والطريق».

الفتور الاقتصادي

الدعم السياسي الصيني غير المحدود لدمشق منذ بداية الأزمة، والذي تجلى في جانب منه باستخدام بكين لحق النقض «الفيتو» أكثر من 16 مرة ضد مشروعات غربية كانت تستهدف الحكومة السورية، قابله فتور اقتصادي أثار علامات استفهام كثيرة لدى السوريين وقطاع الأعمال حول الأسباب التي تجعل بكين مترددة في دعم دمشق اقتصادياً كما تفعل سياسياً، إذ باستثناء برنامج المساعدات والمنح الإنسانية السنوية المقدمة لعدة دول من بينها سوريا، وبعض المنح البحثية والتدريبية والتي استفاد منها عشرات الطلاب والعمال السوريين، لم يكن هناك أي حضور اقتصادي فاعل للصين كحكومة أو قطاع الخاص. فمثلاً تشير بيانات هيئة الاستثمار السورية إلى أن عدد المشروعات الاستثمارية الصينية المشتركة مع سوريين والمشمولة بأحكام قوانين تشجيع الاستثمار لم تتجاوز مشروعين اثنين فقط خلال الفترة الممتدة من عام 2009 ولغاية عام 2019، الأول مشروع لنقل الركاب والمجموعات السياحية في عام 2011 والثاني لإنتاج خلاطات المياه بأنواعها في عام 2019، واللافت أن المشروعين لم يرد ذكرهما في قائمة المشروعات المنفذة أو قيد التنفيذ، حيث ورد في قائمة المشروعات المنفذة مشروع مشمل في عام 2006 لإنتاج وتجميع السيارات السياحية والبيك أب. وبحسب ما تذكر مصادر في هيئة الاستثمار السورية لـ»الأخبار» فليست هناك أي طلبات جديدة لتشميل مشروعات عائدة لمستثمرين صينيين أو مشتركة.

أمّا على صعيد التبادل التجاري، فعلى رغم تصدّر الصين قائمة الدول المورّدة للسلع والبضائع إلى سوريا، حيث بلغت قيمة صادراتها خلال عام 2019 حوالي 718 مليون يورو، بزيادة قدرها 119 مليون يورو عن عام 2018، تبعاً لبيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية، إلا أن ذلك مؤشّر لا يمكن الركون إليه في ضوء الحصار الاقتصادي الغربي الذي تتعرّض له دمشق، فضلاً عمّا يعانيه العديد من المستوردين السوريين جرّاء مخاوف الشركات الصينية من تبعات تعاونها التجاري مع شركات وجِهات سورية، وإمكانية فرض واشنطن عقوبات مباشرة عليها، وهذا ما يجعل شركات صينية تشترط ـــ بحسب ما يقول رجال أعمال سوريون ــــ «تنفيذ إجراءات خاصّة، كشحن البضائع إلى موانئ عبر سورية، على رغم أن السلع قد تكون غير مشمولة بالعقوبات الأميركية، أو تسجيل إجازات الاستيراد بأسماء شركات تجارية غير سورية، وجميعها إجراءات تسهم في زيادة تكاليف الاستيراد والتأخر في إيصال البضائع والسلع إلى الأسواق السورية وغير ذلك». والمخاوف المشار إليها آنفاً، هي نفسها التي تمنع شركات صينية أخرى من دخول السوق السورية، والاستثمار في قطاعات هامّة كالطاقة والبناء وإعادة الإعمار وغيرها.

تفاؤل

يأمل السوريون في أن يشكّل الاجتماع المقبل للجنة السورية ـــ الصينية المشتركة، والمتوقّع عقده في دمشق، بدايةً جديدة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، علماً أن آخر اجتماع عُقد للجنة المشكّلة في عام 2001، كان في بكين عام 2010. ويعزّز ذلك الأمل أن مباحثات وزير الخارجية الصيني الأخيرة، والتي غلب عليها الطابع الاقتصادي، شهدت توقيع اتفاقية مساعدات ومِنح مجانية بقيمة 100 مليون يوان صيني، لتكون بهذا خامس اتفاقية تبرمها بكين مع دمشق في إطار مساعداتها الإنسانية للأخيرة، والتي استُخدمت لاستقدام معدّات تصبّ في صالح تخفيف المعاناة (كهرباء، نقل داخلي/باصات، …). ويعمل الجانب السوري حالياً على وضع قائمة من الاحتياجات، ليصار إلى تمويلها من المبالغ المتبقيّة من المِنح السابقة والمِنحة المقدّمة حديثاً، كمعالجة النفايات الصلبة، والحصول على تجهيزات صحية ودوائية، وتأمين علاجات للمكفوفين، وتجهيزات اتصالات، وغيرها. لكن تركيز الحكومة السورية يبقى على بندين أساسيّين: الأول الاستفادة من إمكانية التمويل الصيني في تنفيذ مشاريع في سوريا، والثاني دعوة الشركات الصينية إلى الاستثمار في البلاد. إلا أن دمشق تدرك أن كلا البندين بحاجة إلى قرار سياسي صينيّ، قبل القرار الاقتصادي، فهل تَحقّقت الإرادة السياسية الصينية، التي بموجبها سيُعاد ترتيب علاقات بكين الاقتصادية مع دمشق؟

 

مجموع القراءات 12 total views, قراءات اليوم 4 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية