بايدن لايريد رفع جميع العقوبات وإيران لن ترضخ

بايدن لايريد رفع جميع العقوبات وإيران لن ترضخ

 

 

كتب الصحافي والمراسل الدولي إيليا ج. ماغنير مقالة في موقع الميادين باللغة الإنجليزية تناول فيه تعقيدات المحادثات النووية في فيينا بين المفاوضين الأميركيين والإيرانيين.

وقال الكاتب إنه ليس من الواضح ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هي التي دفعت إيران إلى التشبث بموقفها أو ما إذا كانت جميع الإدارات الأميركية صادقة في أهدافها لوضع الجمهورية الإسلامية تحت الهيمنة الأميركية بأي ثمن. بالتأكيد، لا يريد الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 الذي وقعه الرئيس باراك أوباما. لا يريد الرئيس بايدن رفع جميع العقوبات التي فرضها سلفه ترامب على إيران، وبالتالي يرفض الموافقة على الاتفاق النووي قبل مشورة الكونغرس وضمان موافقته، مما يعني ترك الصفقة تعتمد على مزاج أي رئيس أميركي مستقبلي. هل ترغب إيران في أن تشهد مرحلة قصيرة يتعافى فيها اقتصادها، وفي المقابل تقلل من مطالبها؟ هل تعتمد على حسن نية الرئيس الأميركي المقبل في عام 2024؟ أم هل ستبقى إيران صامدة بشكل صارم في موقفها الحالي وتتمسك بشروطها المعلنة؟

عندما وقعت الولايات المتحدة على الاتفاق النووي مع إيران في عام 2015، اعتبر الرئيس أوباما أنه نجح في تأخير حيازة إيران للأسلحة النووية. ومع ذلك، عندما توجد حالة من العداء الشديد بين بلدين، فإنها تؤدي بشكل لا يمكن تجنبه إلى حالة من عدم الثقة. لذلك، لا تعتقد الولايات المتحدة أن إيران غير مهتمة بامتلاك قنبلة نووية، هذا بسبب المزاعم عن برامجها السرية في السنوات الأولى، والتي زعم أنه تم الكشف عنها لاحقاً. كما أن العداء الكامن بين الدولتين والذي بدأ في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر وبعد احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين في طهران لمدة 444 يوماً، لم يتلاشَ بعد، بحسب الكاتب.

وقال الكاتب إن السياسات الأميركية، من الرئيس كارتر في عام 1979 إلى الرئيس بايدن، عدّت إيران عدواً ذا خطط توسعية وموقف عدواني ضد الدول المجاورة، وخاصة السعودية والبحرين. وأقنعت الولايات المتحدة الدول العربية الغنية بالنفط بأن إيران تهدف إلى احتلال دول عدة من التي حولها وبسط سيطرتها على الشرق الأوسط. هذه النظرية وعداء الأنظمة العربية ضد إيران ساعدا الولايات المتحدة على إنشاء قواعد عسكرية صلبة في الشرق الأوسط وبيع الأسلحة في مقابل النفط. بل، إن ميزانيات التسلح في الدول العربية هائلة نسبة إلى نصيب الفرد.

ما لا تقوله الولايات المتحدة ولا تستطيع أن تقوله هو أنه منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم يكن أولئك الذين حكموا إيران (أي أبو الحسن بني صدر، مير حسين موسوي، هاشمي رفسنجاني، محمد خاتمي، محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني) من المبدئيين (المحافظين). فقد اتبعوا جميعها خطاً براغماتياً تجاه التقارب مع الولايات المتحدة وتجاه الدول العربية المجاورة الأخرى، رغم وجود بعض التمايز المتقطع في المواقف.

لكن ماذا فعلت الولايات المتحدة لملاقاة براغماتية القادة الإيرانيين؟ فقد وصل عدد العقوبات إلى أكثر من 1600-1750 عقوبة ضد كيانات وشخصيات إيرانية، وقد تراكمت ضد “الجمهورية الإسلامية” منذ عام 1979. كانت هذه العقوبات لتدمر اقتصاد أي دولة في العالم. لكن إيران لا تزال تقف على قدميها بصورة إعجازية. وهكذا، رفضت الولايات المتحدة الفرص التي أتيحت خلال 40 عاماً مع وجود البراغماتيين الإيرانيين في السلطة إما لأنها لم تكن مهتمة بمن يحكم إيران، وكانت تهدف إلى دفع البلاد إلى الركود، أو تجاهلت عن قصد البراغماتية الإيرانية لأنها لا تتلاءم مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. في كلتا الحالتين، أخطأت الولايات المتحدة في تقدير ردود الفعل الإيرانية وأساءت فهم “صبر” طهران في التعامل مع العقوبات القاسية.

ومع ذلك، تُظهر الولايات المتحدة أن سياستها تساهم في تصعيد الصراعات في الشرق الأوسط. كانت أميركا تثير مشهد رغبة إيران في حرب وشيكة، رغم أن إيران منذ قيام “الجمهورية الإسلامية” عام 1979 لم تحتل أو تهاجم أي دولة.

لذلك، يبدو أن حكم البراغماتيين في إيران لا يتوافق مع الطريقة التي تسعى بها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها. وهذا ما أكده الرئيس دونالد ترامب عندما مزق الاتفاق النووي في عام 2018. أما الرئيس بايدن، الذي تولى منصبه قبل ستة أشهر، ولم يرفع أياً من العقوبات الشديدة التي فرضها ترامب وأسلافه على إيران، فقد اتبع المسار نفسه ولم يكن راغباً في احترام الاتفاق النووي الأصلي. بل إن إدارة بايدن تقول إنها تريد العودة إلى “الاتفاق النووي” وليس الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في عام 2015. وهي لا تريد رفع جميع العقوبات التي فرضها ترامب، بل تريد بدلاً من ذلك الاحتفاظ بأكثر من 500 إلى 600 عقوبة ولا تريد حالياً حتى تبادل السجناء المحتجزين من قبل الجانبين طوال فترة المفاوضات النووية.

هذا يعني انهيار الثقة بين إيران والولايات المتحدة. من يحكم إيران لا يمكنه تغيير طبيعة عداء أميركا كرد فعل، لأن إيران أصبحت قوة إقليمية قوية مع حلفاء مخلصين يحملون الأهداف نفسها. فإيران صمدت أمام الهيمنة الأميركية ورفضت الخضوع مهما كانت قساوة العقوبات المفروضة عليها.

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وافق على المفاوضات مع الولايات المتحدة خلال رئاسة أحمدي نجاد وحسن روحاني. وأعلن الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي أنه سيدعم المفاوضات النووية إذا لم يتم إدخال تعديلات عليها.

منع كل من الرئيسين ترامب وبايدن الرئيس حسن روحاني من تحقيق أي إنجاز محلي أمام شعبه. لقد أضرا بشدة بروحاني وشعبية حكومته من خلال فرض عقوبات قاسية لإظهار أن البراغماتيين فشلوا في تحقيق وعودهم. مارس ترامب ثم بايدن سياسات منعت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من الحصول على الدعم المحلي اللازم للوصول إلى الرئاسة منذ أن أفشلت الولايات المتحدة الاتفاق النووي.

أدى ذلك إلى الاعتقاد بأن “الجمهورية الإسلامية” البراغماتية ليست متوافقة مع أهداف الولايات المتحدة، لأن نزع فتيل التوتر في الشرق الأوسط يضر “بمصالح” الولايات المتحدة وهيمنتها على المنطقة وقد يقصر مدة الحرب المخطط لها.

مع ذلك، بدأت الولايات المتحدة تدرك أنها ليست اللاعب الوحيد في المنطقة. فقد أصبحت الصين وروسيا جزءاً متكاملاً من المعادلة الدولية. لقد أفلت شمس واشنطن في أفغانستان، وستختفي عاجلاً أم آجلاً في العراق ولن تدوم طويلاً في سوريا. كسبب ونتيجة في آن واحد، لم يعد الوجود والدور الأميركيان في الشرق الأوسط يلاقيان الحماس. إضافة إلى ذلك، فإن سياسة جعل الناس يتضورون جوعاً لم تولّد رد الفعل المأمول ضد أعداء الولايات المتحدة وحلفاء إيران، بل أبعدت هؤلاء الناس عن واشنطن.

وخلص الكاتب إلى القول إن إيران لم تعد مستعجلة لعقد اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، ولم تتزحزح شبراً واحداً عن موقفها. وهذا يعني أنه لن يكون هناك اتفاق نووي في الأشهر المقبلة، إلا عندما تقبل الولايات المتحدة أن الوضع الحالي هو أمر محسوم. ستفرض إيران شروطها على المفاوضات المقبلة (المعلقة حالياً) بمجرد تولي الرئيس الإيراني الجديد منصبه في الأسبوع الأول من آب / أغسطس المقبل، وإلا لن يتم التوصل إلى اتفاق هذا العام.

نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم

مركز الدراسات الآسيوية والصينية