الإستراتيجية الصينية الجديدة فيِ لبنان

الإستراتيجية الصينية الجديدة فيِ لبنان

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى*

يمكن النظر للتحركات الصينية فى بيروت فى إطار إستراتيجية بكين الدبلوماسية للحزام والطريق، بعد إنضمام لبنان لها حتى هذه اللحظة، كذلك يمكن تفسير التحركات الصينية تجاه لبنان، بإعتبارها ملعباً سياسياً لإيران حليفة الصين، ومكان لتنافس القوى الكبرى.

ويمكن الإستدلال على ذلك من خلال تأكيد حركة “حزب الله اللبنانى” بأن الصين باتت الأقرب لإنقاذ لبنان من أزمته الإقتصادية والسياسية الراهنة عبر آلية المساعدات التنموية الصينية للبنان، وبأن إستثماراتها قد تكون طوق نجاة للبنانيين، وهو ما يعنى قرب الإستغناء اللبنانى عن حزمة المساعدات التى يقدمها صندوق النقد الدولى.

– ويمكن فهم طبيعة التوجه الصينى نحو حل الأزمة اللبنانية إقتصادياً، وموقف واشنطن منها عبر المحاور والآليات الآتية:

– أولاً: المشاريع الصينية فى لبنان

إرتفعت وتيرة العلاقات الصينية اللبنانية بشكل أكثر إيجابية مع إنضمام لبنان إلى “مبادرة الحزام والطريق” الصينية عام ٢٠١٧، فقد وقع البلدان العديد من مذكرات التفاهم لتعزيز فرص التعاون الثنائى على كافة الصعد الإقتصادية، لتميل كفة الميزان التجاري اللبنانى لصالح الصين، وهى التى إعتادت أن تميل لصالح دوماً لصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وسجل العام ٢٠١٨ إرتفاعاً كبيراً فى تنامى العلاقات التجارية بين الصين ولبنان، حيث زاد إستيراد لبنان للعديد من الأجهزة الصينية، فيما لم تتجاوز قيمة التجارة مع الولايات المتحدة أو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا ١.٥ مليار دولار.

كما أنشأ المركز الصيني لتنمية التجارة الدولية (CCPIT) مكتب تمثيل له فى لبنان من أجل زيادة العلاقات التجارية والإستثمارية بين البلدين، وبات يزور الصين سنوياً الآلآف من التجار اللبنانيين، كما كثفت الصين وجودها فى مشاريع البنية التحتية اللبنانية، بما فى ذلك: توسعة ميناء طرابلس، تجديد مطار القليعات، بالإضافة إلى إنشاءات السكك الحديدية والطرق والجسور.

وفى الجوانب الثقافية، زادت القوة الناعمة الصينية فى التقارب مع العنصر الشبابى اللبنانى، من خلال:

– إستفادة الدارسين اللبنانيين خاصةً من فئة الشباب من الإمتيازات الثقافية لبكين كجزء من “القوة الناعمة الصينية فى الداخل اللبنانى”، فقد إستفاد الشباب اللبنانى من المؤسسات الأكاديمية الصينية لتعليم وتدريس اللغة الصينية فى معهد “كونفوشيوس” بجامعة “سانت جوزيف” فى بيروت، ومركز اللغات فى الجامعة اللبنانية، كما أنشأت الصين لفئة الشباب اللبنانى أكبر (مركز موسيقى فى لبنان)، والذى  أنشئ بأموال صينية تقدر بمبلغ ٦٦ مليون دولار.

– ثانياً: الموقف السياسى اللبنانى وموقف حزب الله من التواجد الصينى فى الداخل اللبنانىنجد أنه فى ١١ من نوفمبر عام ٢٠١٩، خرج زعيم حزب الله اللبنانى “حسن نصر الله” فى خطاب متلفز أمام الجمهور اللبنانى لإلقاء خطاب سياسى يوضح فيه كيفية إنقاذ بلاده من أزمتها الإقتصادية الكارثية الحالية، فقال فى الخطاب الموجه لأنصاره الذين حضروا مهرجان “يوم الشهيد”، بأن:

“المخرج اللبنانى من أزمته الإقتصادية الراهنة يكمن فى ضرورة التوجه نحو القوة الآسيوية، وبالتحديد نحو بكين”

وفى ذات الخطاب، جاءت دعوة الأمين العام لحزب الله “حسن نصر الله” للحكومة اللبنانية لـ

“فتح الباب أمام الشركات الصينية للإستثمار فى لبنان”.

ونجد أن السيد “نصر الله” قد أعاد تأكيد كلامه السابق بضرورة التقارب مع الصين، عبر (خطاب متلفز) آخر بث فى يونيو ٢٠٢٠، والذى أكد فيه، بأنه:

“ما يزال يرى فى التوجه نحو الصين بديلاً مناسباً عن دعم صندوق النقد الدولى الذى  تعثرت معه المحادثات الرسمية اللبنانية”

كما أكد السيد “حسن نصر الله”، زعيم حزب الله بوضوح:

“أن لبنان يتعين عليه أن يولى وجهه شرقاً، مع مباركة الخطوات الصينية للإستثمار فى مشاريع البنية التحتية اللبنانية، حيث يمكن لبكين بسهولة أن تقدم ثقل ميزان حيوياً فى الداخل اللبنانى”

ويمكن فهم التواجد الصينى فى لبنان عبر سياق آخر، يتمثل فى (قرب لبنان من مناطق النفوذ الصينى فى المنطقة، وبالأخص فى إيران، سوريا، العراق)، فمع تمكن إيران من تحقيق بعض النجاحات فى سوريا والعراق، لذا، فلابد من تواجد الصين لتأمين مصالحها ومصالح إيران.

وعلى الجانب الآخر، جاءت الإنتقادات من معارضى بكين الجيوسياسيين، والرافضين لتواجدها فى لبنان، وذلك عبر بوابة (مواجهة النفوذ والتواجد الصينى فى لبنان من أجل ضرب حزب الله)، وجعله يسقط على أرضه بدون مساعدة صينية أو إيرانية، وبالتالى إجبار حزب الله على الإنسحاب من سوريا، مما يحرم إيران من أقوى أداة لإنشاء الحزام الشيعى فى لبنان والشرق الأوسط.

وفى الوقت نفسه، حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين والأوروبيين القريبى الصلة من الدوائر السياسية اللبنانية الأخرى فرملة وتقييد النفوذ الصينى فى لبنان، وتقييد (مشروع الحزام والطريق الصينى فى لبنان)، والتى تعتبرها الصين بأن مشروعها للحزام والطريق فى لبنان، هو أبرز وأهم نقطة فى (نقاط النقل واللوجستيات فى مشروع طريق الحرير الصينى).

– ثالثاً: الموقف الأمريكى من التقارب اللبنانى مع الصين

هناك إتهامات أمريكية صارمة توجه لحزب الله فى لبنان بسيطرته على المشهد السياسى العام، وبالربط بين (الإتفاقية الإستراتيجية الصينية الإيرانية) لمدة ٢٥ عاماً بين الصين وإيران فى شهر مارس الماضى ٢٠٢١، وبين تقوية (النفوذ الإيرانى فى الداخل اللبنانى وإقليمياً).

فالولايات المتحدة الأمريكية ترى أن العاصمة طهران لا تزال تسيطر على القرار السياسى فى الداخل اللبنانى، كذلك الإتهامات الأمريكية الموجهة لبكين صراحةً بمحاولتها الدخول إلى العمق اللبنانى عبر (شبكات حزب الله وبمساعدة إيران لتأمين مصالح الصين إقتصادياً فى المقام الأول).

حيث تتمثل مجالات العمل الصينية فى الداخل اللبنانى عبر الإستثمارات فى مجال البنية التحتية مثل: الموانئ والمطارات، وكذلك تبنى الضين (نفوذ القوة الناعمة)، من خلال الجامعات اللبنانية.

ونجد أن أبرز حالة إعتراض أمريكية على النفوذ الصينى فى لبنان، جاءت عبر  نائبة الرئيس الأولى للسياسة الخارجية والدفاعية فى معهد “أمريكان إنتربرايز”، وهى الباحثة “دانييل بليتكا”، بقولها:

“يمكننا فى واشنطن تلخيص الموقف الأمريكى من تقارب لبنان مع الصين عبر بوابة إيران وحزب الله”.

لكن الحدث الأمريكى الأبرز تمثل فى تصريح مساعد وزير الخارجية الأمريكى السابق لشؤون الشرق الأدنى “ديفيد شينكر”، والذى إنتقد بشدة هذا التقارب الصينى – اللبنانى، ووصف “شينكر” الأمر، قائلاً:

“إن دعوة زعيم حركة حزب الله “حسن نصر الله” باللجوء إلى الشرق، كالصين وروسيا ما هى إلا خدعة”

فقد أحدث هذا تصريح “شينكر” أزمة بين واشنطن وبكين، وهو الأمر الذى دفع السفارة الصينية فى العاصمة “بيروت” للخروج ببيان شديد اللهجة يستنكر ما قاله “شينكر”، فكانت أبرز محاور الخطاب الأمريكى تجاه تقارب الصين مع لبنان، يدور حول:

١) نصحت بكين الإدارة الأمريكية الحالية بتركيز إهتمامها نحو الشأن الداخلى الأمريكى المتأزم.

٢) كما رفض البيان الصينى إتهامات الساسة الأمريكان للحزب الشيوعى الصينى بالتجسس على اللبنانيين

٣) وذكر البيان الصينى صراحةً، بأن:

“الجانب الأمريكى يستخدم سلطة الدولة لقمع الشركات الصينية من دون تقديم أى إثبات، هذا التصرف مشين وغير أخلاقى”

٤) وجه البيان الصينى إتهامات صريحة لواشنطن نفسها بالتجسس، بقوله:

“الجميع بات يعرف من قام بأكبر عملية تنصت ومراقبة وتجسس وتغلغل ضد الدول الأخرى، ومحاولات بسط وإبقاء النفوذ بأى وسيلة كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية تماماً وليس الصين كما يدعون فى واشنطن”

– رابعاً: التحليل النهائى والإستنتاجات النهائية للتواجد الصينى فى الأزمة الإقتصادية اللبنانية

خلاصة التحليل السابق للباحثة المصرية ينصب فى أن المشكلة أو الأزمة الإقتصادية فى لبنان بات لها أطراف عديدة ومتنوعة، لا علاقة لها بإبداء الصين رغبتها فى جهود إعادة إعمار لبنان ومرفأ بيروت، من خلال:

١) وجدت الباحثة المصرية أن جزء من تلك الأزمة الإقتصادية اللبنانية ترجع بالأساس فى جزء منها (لإرتباطات وأجندات وتفاهمات سياسية بين الفرقاء السياسيين اللبنانيين والقوى الغربية والأمريكية والخارجية المرتبطة بها)، وبالتالى، سعى كل طرف منها لتمرير مصالح الأطراف المنتمى إليها.

٢) ومن هنا، فإن تلك الرغبة الصينية فى محاولة إنقاذ لبنان إقتصادياً وخروجه من عثرته، وإعادة إعمار لبنان بعد إنفجار مرفأ بيروت لها (أبعاد ومحاذير داخلية لبنانية)، بسبب الرؤية المختلفة للأجندات السياسية المتصارعة على مستقبل مشروعات الصين فى لبنان، حتى وإن كان لأهداف أو لأسباب سياسية بالأساس كما سبق وأن أشرنا.

٣) وجدت الباحثة المصرية أن الرافضين لتواجد الصين ومشروعاتها فى لبنان، جاء بحجة (البعد المكانى والجغرافى الصينى عن لبنان)، وبالتالى إطالة أمد تلك المشروعات الإقتصادية الملحة بالنسبة للبنان.

٤) حللت الباحثة المصرية بأن المشكلة الحقيقية بالنسبة للفرقاء وأصحاب الأجندات المسيسة فى علاقتهم بالصين، ليست فى (البعد الجغرافى مع الصين)، بل بسبب وجود العديد من (المعوقات السياسية الداخلية) التى بات يضعها فريق لبنانى ينتمى بعضه إلى الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، ويؤتمر بتعليمات سفارتها فى “عوكر”، وفريق لبنانى آخر ينتمى سياسياً لبعض الدول الخليجية، والرافضة لتواجد “حزب الله” فى المشهد السياسى اللبنانى فى الداخل، وبالتالى محاولة تقييد التواجد الصينى كى لا يقوى نفوذ حزب الله، وبالتالى يسهل إسقاطه وتهميشه سياسياً فى الداخل اللبنانى بدون غطاء أو مساعدات صينية توجه له.

٥) فمن هنا، بات يفهم من تواجد الصين فى لبنان من أجل جهود “إعادة إعمار مرفأ بيروت والداخل اللبنانى” بأنه “تواجد سياسى تحت غطاء إقتصادى صينى”، بهدف تقوية نفوذ (حلفاء الصين فى لبنان) كحزب الله، وزيادة النفوذ الإيرانى فى سوريا ولبنان والعراق عبر غطاء أو مخططات إقتصادية للصين، وفق ما يروج له أنصار ضرورة “تقييد النفوذ الصينى فى لبنان”، بدافع من الدول الأخرى الداعمة لهم.

*باحثة مصرية فى الشؤون السياسية الصينية والآسيوية

مجموع القراءات 1 total views, قراءات اليوم 1 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية