داخل أسوار المدينة المحرمة

داخل أسوار المدينة المحرمة

 

بقلم: الكاتب حسين اسماعيل

تُعَرِّفُ معاجمُ اللغة العربية المدينة بأنها المِصْرُ الجامِعُ، أي البلد الذي عظُمَت فيه العمارة، وفيه سلطة قضائية وتنفيذية وأسواق للمعاملة، أو أنها تَجمُّع سكّانيّ يزيد علىَ تجمُّع القرية. وفي معاجم اللغة الإنجليزية، تُعَرَّفُ المدينة بأنها مكان مأهول بعدد من السكان وذو أهمية أكبر من البلدة أو القرية.

المدينة المحرمة، التي تسمى باللغة الصينية “تسيجين تشنغ”، يتكون اسمها من ثلاثة مقاطع “تسي/ البنفسجية” و”جين/ المحرمة أو المحظورة” و”تشنغ/ المدينة”؛ فاسمها يعني حرفيا “المدينة البنفسجية المحرمة”. وعلى هذا، قد لا ينطبق وصف “المدينة” بالمعنى الإداري تماما على “تسيجين تشنغ”، فهي قصر إمبراطوري ضخم مكون من بنايات عديدة، شأن القصور الملكية والإمبراطورية في بلدان عديدة. في سنة ألف وتسعمائة وخمس وعشرين، أقيم متحف القصر “قوقونغ بوويوان” داخل المدينة المحرمة، عقب طرد آخر إمبراطور للصين من “تسيجين تشنغ”، فصارت تحمل أيضا اسم “قوقونغ”. والمدينة البنفسجية المحرمة من أهم معالم مدينة بكين التاريخية، ويحرص على زيارتها تقريبا كل من يزور العاصمة الصينية. في سنة 2018، زار المدينة المحرمة أكثر من سبعة عشر مليونا وخمسمائة ألف فرد/ مرة.

رأيت بوابات المدينة المحرمة المرصعة بما يشبه رؤوس مسامير صفراء كبيرة الحجم، لأول مرة، في الثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1992، عندما مرقت بي السيارة في شارع تشانغآن مرورا بساحة تيانآنمن (السلام السماوي)، ومن منصة تيانآنمن أمامها شاهدت العرض المهيب الذي أقيم احتفالا بالذكرى السنوية الخمسين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

لسنوات طويلة، كانت “تسيجين تشنغ” مركز السياسة والحكم في الصين الإقطاعية. وشهدت قاعاتها وأفنيتها حكايات مثيرة للأباطرة والأمراء والأميرات وزوجات الأباطرة ومحظياتهم وخصيان البلاط، الذين تمتعوا بمكانة خاصة فيها، فقد كان خصيان البلاط هم فقط المسموح لهم من الرجال بدخول المساكن الخصوصية داخل “تسيجين تشنغ”.

تعد المدينة المحرمة تجسيدا حيا لمبادئ الفكر الكونفوشي، المتمثلة في التقسيم الصارم للمكانة وموقع الفرد داخل منظومة التسلسل الاجتماعي الهرمي التي سيطرت على العلاقات البينية في المجتمع الصيني الإقطاعي، وكان هدفها الأساسي هو المحافظة على النظام الاجتماعي الهرمي في الصين الإقطاعية.

وفقا للسجلات الصينية، صمم المدينة المحرمة المهندس كواي شيانغ (1398-1481)، وهو من أبناء بلدة شوكو في محافظة ووشيان بمدينة سوتشو في مقاطعة جيانغسو. وفي عام ألف وأربعمائة وسبعة الميلادي، قرر الإمبراطور يونغ له (على العرش 1402- 1424) لأسرة مينغ نقل عاصمة الصين من مدينة نانجينغ، التي يعني اسمها “العاصمة الجنوبية” وتقع في شرقي الصين، إلى مدينة بيجينغ (بكين)، أي “العاصمة الشمالية”. كانت بيجينغ قبل ذلك تحمل اسم “دادو” أي العاصمة الكبيرة، و”بيبينغ” أي السلام الشمالي. كواي شيانغ، الذي كان شابا في بداية الثلاثينات من عمره، اتخذ القصر الإمبراطوري في نانجينغ كنموذج لتصميم مجمع القصور الجديد للإمبراطور في بكين، واستفاد من عناصر القصور التي بنيت في فترة أسرتي تانغ وسونغ، كما دمج في تصميمه المبادئ الكونفوشية والطاوية. استغرقت هذه العملية ما يقرب من أربع عشرة سنة كاملة حتى تم بناء أول قصر وجدران للمدينة المحرمة، وذلك في شهر ديسمبر سنة 1420. وفي الثاني من فبراير في العام التالي، تم افتتاح قاعة المراسم لممارسة الشؤون الإمبراطورية، ولكن النار اشتعلت فيها والتهمتها مع قاعتين ملحقتين بها بعد ثلاثة شهور فقط من افتتاحها. لم يتم إعادة بناء تلك القاعات إلا بعد مرور نحو عشرين سنة.

كانت المدينة المحرمة مقر الإقامة الإمبراطوري ومقر الحكم لأربعة وعشرين إمبراطورا في فترة أسرة مينغ (1368- 1644) وفترة أسرة تشينغ (1644- 1911). يشتمل هذا التجمع المعماري الهائل، على قاعات مراسم ومكاتب حكومية ومساكن للخدم والعاملين، وكذلك قصور وأفنية للمعيشة والعبادة والدراسة والتسلية لأفراد الأسرة الإمبراطورية. تغطي المدينة المحرمة مساحة 720 ألف متر مربع، أي نحو مائة وثمانين فدانا. و”تسيجين تشنغ” هي أكبر مجمع بنايات خشبية في العالم. ولأن الخشب هو العنصر الرئيسي في بنائها، تعرضت للحريق غير مرة وأعيد ترميمها من دون الإخلال بهيكلها الأساسي. كانت المدينة المحرمة تشتمل على 5ر9999 غرفة، وهذا الرقم له مغزى، حيث ساد الاعتقاد قديما في الصين بأن قصر إمبراطور السماء مكون من عشرة آلاف غرفة تمثل الكمال تماما، ولما كان إمبراطور الصين يعتبر نفسه ابن السماء، فمن الضروري أن يكون قصره أقل من قصر إمبراطور السماء، فهو يكاد يقترب من الكمال ولكنه لا يبلغه. وتتباين الروايات بشأن عدد من عملوا في بناء المدينة المحرمة، فأقل التقديرات تذهب إلى أن عددهم بلغ ثلاثمائة ألف فرد، في حين تذكر بعض السجلات أن عددهم وصل إلى مليون فرد. ويقال أيضا إن عدد الحرفيين الذين أنجزوا هذا المجمع الضخم بلغ مائة ألف، في حين جمع مواد البناء من أنحاء البلاد مليون فلاح.

وتجسد المدينة المحرمة الفرق بين الحاكم والمسؤول الكبير والمسؤول الصغير، وبين الزوج والزوجة، وبين الزوجة الأساسية والمحظية. كانت المنطقة التي كان يعالج فيها الإمبراطور الشؤون الرسمية تقع في صدارة مجمع بنايات المدينة المحرمة. وكانت المناسبات الاحتفالية ومقابلة المسؤولين المدنيين والعسكريين تقام في القاعات الكبيرة الثلاث؛ تايخه وتشونغخه وباوخه. كانت هذه القاعات مشيدة على منصة مرتفعة تمتد من الجنوب إلى الشمال، على طول المحور المركزي للمدينة المحرمة. خلف القاعات الرئيسية الثلاث، كانت مساكن الإمبراطور والإمبراطورة، وعدد كبير من الأفنية الإضافية. هذا التصميم تعبير عن المفهوم الكونفوشي القائل: “العام في الأمام، والخاص في الخلف”. وقد سميت العديد من قصور وقاعات المدينة المحرمة وفقا للمبادئ الأخلاقية الكونفوشية، مثل حب الخير والانسجام والوسط والسلام.

كان للإمبراطور زوجة أساسية وكثير من المحظيات، فكان مقر إقامة الزوجة الأساسية للإمبراطور يقع على المحور المركزي للمدينة المحرمة، بينما كانت مساكن المحظيات الإمبراطوريات تقع في اثني عشر فناء شرق وغرب الخط المركزي. كان هذا الترتيب تمثيلا حيا للمكانة العليا للزوجة الأساسية في علاقتها مع المحظيات.

بعد وفاة الإمبراطور يونغ له في سنة 1424، عاش وعمل في المدينة المحرمة ثلاثة وعشرون إمبراطورا، آخرهم الإمبراطور بو يي الذي تنازل عن العرش في الثاني عشر من فبراير سنة 1912 بعد نجاح ثورة 1911 الديمقراطية بقيادة الزعيم الصيني صون يات صن. هذه الثورة أنهت حكم أسرة تشينغ الإمبراطورية وأسست جمهورية الصين عام 1912، ووقع الاختيار على يوان شي كاي رئيسا لها، ولكن الرئيس يوان شي كاي أراد أن يعيد الحكم الإمبراطوري فأعلن نفسه إمبراطورا للصين في سنة 1915، لتدخل الصين ومعها المدينة المحرمة في مرحلة تاريخية أخرى. وفي الأول من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين، أعلن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ من منصة تيانآنمن أمام المدينة المحرمة تأسيس جمهورية الصين الشعبية.

أشهر إمبراطورين ارتباط اسمهما بالمدينة المحرمة هما يونغ له مؤسسها، وبو يي آخر إمبراطور أقام فيها. يونغ له (1360- 1424)، وهو الاسم الذي اتخذه هذا الإمبراطور بعد اعتلائه العرش، اسمه الأصلي تشو دي، وبعد وفاته أطلق عليه ما يسمى بالاسم المعبدي (مينغ) تشنغ تسو. يونغ له، الابن الرابع للإمبراطور هونغ وو مؤسس أسرة مينغ، هو ثالث إمبراطور لأسرة مينغ. في سنة 1370، عينه والده أميرا لمنطقة يان، حيث اتخذ بيبينغ (بكين الحالية) مقرا لإمارته. يعد بناء المدينة المحرمة من أهم أعمال يونغ له، بالإضافة إلى تكليفه للخصي تشنغ خه (1371- 1435) بالقيام بالرحلات الاستكشافية البحرية في “البحار الغربية”. أما بو يي (1906- 1967)، فهو الإمبراطور الثاني عشر والأخير لأسرة تشينغ. قصة توليه العرش لا تخلو من إثارة. في مساء الثالث عشر من نوفمبر سنة 1908، اتجه موكب من الخصيان والحراس بقيادة حاجب القصر من المدينة المحرمة إلى القصر الشمالي، حيث مقر إقامة عائلة بو يي، وتم إبلاغ الأمير تشون والد الطفل بو يي بأخذ ابنه البالغ من العمر سنتين ليكون الإمبراطور الجديد. كان ذلك بترتيب من الإمبراطورة تسي شي (1835- 1908) التي دخلت القصر كمحظية للإمبراطور شيان فنغ (1831- 1861) ولعبت أدوارا سياسية عديدة في بلاط أسرة تشينغ. بعد اعتلاء العرش، تم منح بو يي اسم الإمبراطور شيوان تونغ.

كان اختيار محظيات الأباطرة يخضع لقواعد صارمة، فالمحظية المثالية ينبغي أن تكون فاضلة وسهلة الانقياد وتستمع إلى إمبراطورها. كانت الفتاة التي يقع عليها الاختيار تدخل المدينة المحرمة وهي ما بين سن الثالثة عشرة والسادسة عشرة، لتبدأ حياة جديدة داخل جدران “تسيجين تشنغ”، ونادرا ما كانت ترى عائلتها مرة أخرى. لم تكن تسي شي المحظية الإمبراطورية الوحيدة التي حظيت بمكانة كبيرة في المدينة المحرمة، فهناك المحظية تشن “كه شون” (1867- 1900) محظية الإمبراطور قوانغ شو “تساي تيان” (1871- 1908) وأختها الأكبر منها المحظية جين “ون جينغ” (1873- 1924) محظية الإمبراطور قوانغ شو أيضا.

كان للخصيان في المدينة المحرمة حياتهم الخاصة ونفوذهم السري وعلاقاتهم المتشعبة. وبرغم مكانتهم الرسمية الوضيعة داخل أسوار”تسيجين تشنغ”، كان لهم نفوذ كبير خارجها. ويقال إن سون ياو تينغ (1902- 1996)، المعروف بأنه الخصي الأخير في الصين، اختارت عائلته الفقيرة له هذا الطريق المؤلم المحفوف بالمخاطر على أمل أن يتمكن يوما من الانتقام لأهله من أحد ملاك الأرض في قريتهم الذي سرق حقولهم وأحرق دارهم. وهناك أيضا البحار المعروف تشنغ خه (1371- 1435)، الذي ولد باسم ما مينغ خه، وهو من قومية هوي. عندما أُلحق ما مينغ خه بالقصر الإمبراطوري في بكين تم توزيعه إلى قصر الأمير تشو دي، الذي صار لاحقا الإمبراطور يونغ له. وبتكليف من تشو دي، قام تشنغ خه بأول رحلة بحرية له إلى البحار الغربية في سنة عام 1405، وكانت آخر رحلة له في سنة 1431.

أحيطت المدينة المحرمة (مركز السلطة) بدوائر كان يقيم فيها أصحاب المكانة الاجتماعية العالية، كل حسب ترتيبه في الهرم الاجتماعي، فكان أفراد الطبقة الأرستقراطية يقيمون في أزقة تقع شرقي وغربي القصر الإمبراطوري، ومع الابتعاد عن القصر باتجاه الجنوب والشمال تقع أزقة العامة من الناس، حيث يقيم التجار والحرفيون والعمال.

المدينة المحرمة جزء هام من الذاكرة التاريخية للصين، ليس فقط بطرازها المعماري الفريد وإنما أيضا بالأحداث التي شهدتها وأسرارها المثيرة التي ستظل دائما مجالا ثريا للبحث.

المصدر: الصين اليوم

مركز الدراسات الآسيوية والصينية