الصراعات الدولية ومحورية الموارد

الصراعات الدولية ومحورية الموارد

 

بقلم: د. عبدالمجيد عبدالرحمن ابوماجدة، خبير استراتيجي

كان في السابق تتصف السياسة الدولية في منتصف القرن العشرين بسياسة الاحلاف و مرتبطة إلي حد ما بتوازن قوي القطبين الرئيسيين النظام الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها من الدول الغربية وبعض دول العالم الثاني والثالث في أسيا وإفريقيا وغيرها وكانت هذه السياسة مبنية علي الاحتواء وغيرها من الأساليب الرادعة في تلك الحقبة من تاريخ البشرية المعاصر والنظام الروسي بايدولوجيته (الماركسية) والتي تقوم فلسفته ونظرياته علي أساس أن الطبقة العاملة لابد لها أن تسود العالم وبمرور الوقت فشلت كلا النظريتين بما اصطلح لها في تلك الحقبة (بالحرب الباردة) وانتهت هذه الفترة من الصراع المتوازن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلي دويلات هذيلة في العام 1991م .

أصبحت دول الاتحاد السوفيتي المفكك مشغولة بصراعاتها الداخلية وكثير من دول الاتحاد السوفيتي سابقاً انضمت إلي دول أوربا الغربية واندمجت معها في منظوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية منها وتخلّقت بأخلاقها (الاتحاد الأوربي و حلف شمال الأطلسي) لذلك كان في السابق يوجد توازن للقوي العالمية ولكن اليوم ومن غير الواضح نجد منافساً قوياً لتوازن القوى في العالم بحيث أصبحت أمريكا هي الدولة الوحيدة العظمي وبلا منازع علي الرغم من ظهور بعض الدول من حيث القوة العسكرية والاقتصاد النامي والتطور التكنولوجي كالصين والهند واليابان إلاّ أنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي سطع نجمها في آفاق السياسة الدولية وعلى الرغم من هذا كله ومن غير الواضح يمكن التكهن بمعرفة القوى المحركة للأمن العالمي بدون الاعتراف بالأهمية المحورية للتنافس علي الموارد والمواد الحيوية بالنسبة لأي بلد في العالم فأصبح السعي المحموم وراء المواد الأساسية أو حمايتها سمة كبري في التخطيط الإستراتيجي وتخطيط الأمن القومي .

إذن لماذا أصبحت الموارد تكتسب هذه الأهمية ؟؟؟

فانّ إعتماد سياسات أمنية ترتكز علي الاقتصاد تؤدي بشكل دائم تشديد زائد علي الموارد علي الأقل بالنسبة للدول التي تعتمد علي واردات المواد الخام لأجل قوتها الصناعية .
إنّ الاختفاء شبه الكامل للصراعات الايدولوجية في القرن الحادي والعشرين إلاّ في بعض الجيوب من الدول في الشرق الأوسط وبعض الدول في أسيا وجزءاً من المغرب الإسلامي وبعض صراعات القارة الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى (أمريكا ومعها بعض الدول الغربية/ وتنظيم القاعدة) بما اصطلح له في هذا العصر بالحرب علي الإرهاب كل ذلك ساهم مساهمة فعالة في مركزية قضايا الموارد بحيث ينظر إلي السعي الجاد وراء الموارد الحيوية وحمايتها احدي الوظائف المركزية الأمنية الأولية للدولة ففي العام 1997م اظهر تقرير من وزارة الخارجية الأمريكية أن قيمة النفط غير المستخرج من حوض بحر قزوين تساوي حوالي (4) تريليون دولار وتنظر الإدارة الأمريكية إلي امتلاكه علي نطاق واسع وبأنه شيء يستحق الاقتتال”*”
عليه هذه العوامل بمفردها لا تفسر المركزية الراهنة لقضايا الموارد ثمة هناك بضع سمات للموارد نفسها تبدو إنها ذات أهمية قصوى في هذه المعادلة فتشمل هذه العوامل الطلب العالمي المتزايد علي السلع والبروز المحتمل والمتنامي لحالات الندرة في الموارد والمواد الحيوية الاخري والنزاعات المحتدمة علي ملكية المصادر الثمينة للمواد الحيوية”*”

إنّ الطلب العالمي المتنامي علي المواد الأساسية يزيد بمعدل لا يمكن تلبيته لما كان عدد البشرية يزداد كل عشر دقائق من الساعة عليه فانّ المجتمعات تريد المزيد من كل شيء (الغذاء الماء ؛ الطاقة ؛ الألياف ؛ الفلذات) وذلك من اجل تلبية المتطلبات المادية الأساسية لمواطنيها هناك مفارقات في استخدامات الطاقة من دولة إلي أخري فنجد بعض الأمم والشعوب قد تستهلك أكثر من الأمم والشعوب الاخري فمثلاً الولايات المتحدة وحدها تستهلك ما يقارب ب 35% من كل المواد الخام المستهلكة من قبل سكان العالم في أي عام مفترض لكنه تقريباً كل مجتمع يتزايد استهلاكه للمواد الأساسية في كل عام”*” .
إذن الطلب المتزايد علي الموارد تتحكم فيه إلي درجة كبيرة الزيادة المضطردة والمفاجئة في أعداد البشرية فأثناء الستين عام المنصرمة لوحدها ازداد عدد سكان المعمورة أكثر من (3) بليون نسمة ليقفز من(2.6) بليون نسمة في عام 1955م إلي أكثر من (6) بلايين في العام 1999م ومن الضروري بمكان إنّ الازدياد في عدد السكان يستتبع احتياجاً ملحاً للغذاء والكساء والمأوي والضروريات الأساسية الاخري للحياة ومتطلباتها”*” .
إنّ هذه العوامل لوحدها تفسر النمو في الطلب علي المواد والموارد الكثيرة أما ازدياد عدد سكان الدنيا لا يفسر سوي جزءاً من الانفجار في الطلب .

إنّ الطلب المرتفع للمواد الحيوية والبضائع الاستهلاكية أصبح واضحاً وبشكل كبير في أسيا وحافة المحيط الهادي بحيث أضحت وتيرة التصنيع والنمو الاقتصادي سريعة وبشكل خاص وبصورة واضحة نمو إيقاعات الاقتصاد في الصين بحيث بلغت نسبة استثنائية في العقد الأخير من القرن الماضي 93% كما إنّ معظم الخبراء يعتقدون بان الاقتصاد الصيني سوف يتابع توسعه السريع في العقود القادمة مؤدياً إلي تعزيز حاجته إلي الموارد”*”.
هناك جدل أشبه إلي الحقيقة بانّ الطلب المتصاعد علي الموارد في الدول النامية سوف يوازيه طلب متناقص في الدول الأقدم تصنيعاً وذلك نظراً لانّ أجهزة الحواسيب والأجهزة الاخري العالية التقنية والفائقة الدقة والتطور تقوم بالمهام التي كانت في الماضي تؤدي من قبل منظومات مستهلكة للموارد”” فمن المأمون أن نستنتج أنّ الطلب العالمي علي الموارد الأساسية سوف يستمر في النمو في العقود القادمة ويكون مدفوعاً دائماً بتضافر الازدياد السكاني والتوسع الاقتصادي ، لذلك يري خبراء علم السكان بأنّ المجتمع البشري يتوسع بحوالي (80) مليون نسمة كل عام ففي العام 2010م بلغ عدد سكان العالم حوالي (6.5) بليون نسمة وسيقارب (8.5) بليون في العام 2023م”” .

إنّ الطلب المتنامي علي الموارد الحيوية الأساسية سوف يصطدم بناحية رئيسية أخري من ناحية معادلة الموارد العالمية بحيث أوضحت أحدى الدراسات الإستراتيجية بأنّ العرض العالمي لبعض المواد الحيوية محدوداً جداً ففي حين أنّ الأرض تزخر وتنعم بكميات كثيرة من المواد الأكثر حيوية كالماء ، و الأراضي الصالحة للزراعة ، المعادن، والغابات ومن الواضح أنّ مخزون العالم من بعض المواد الأساسية يتناقص بإيقاع سريع جداً ومن أهم المواد المختلفة التي تقع في هذه القائمة الحساسة النفط والماء وكلاهما حيوي لأجل أداء وظائف المجتمع الصناعي الحديث وكلاهما يستخدم بكميات دائمة الازدياد والاهم من ذلك إنهما من المحتمل أن يكونا بمخزون غير كاف لتلبية المتطلبات العالمية في منتصف القرن الحادي والعشرين”*” .
إنّ إمكانية وصول الموارد الحيوية أو مواد بعينها إلي نقطة الاستنزاف الشديد أو متى ما تصل ليس من الأشياء التي يمكن التنبوء بها بأية درجة من اليقين ، إذ تنتشر معادن كثيرة علي نطاق واسع فوق سطح الكوكب لذا تكتشف كل مرة محزونات جديدة طوال الوقت في باطن كوكبنا الأرض”*”
إنّ التوفر المستقبلي لبعض السلع الرئيسية سوف يتأثر بالتغيرات في البيئة العالمية فمثلا التراكم المتزايد لثاني أكسيد الكربون وغازات التدفئة الاخري الحابسة للحرارة في البيئة وهو في حد ذاته نتاج للاستهلاك المتسارع للوقود (الاحفوري) وبدوره يساهم في الارتفاع التدريجي في متوسط درجات الحرارة السنوية محدثاً الجفاف في بعض المناطق ومهدداً بقاء الكثير من الأنواع النباتية والحيوانية ويساهم تغيير المناخ من هذا النوع في تقليل هطول الأمطار ويزيد من معدلات التبخر وخاصة في المناطق الجافة مقللاً تدفق الماء إلي منظومات الأنهار الحيوية مثل نهري النيل والهندوس ودجلة والفرات”*” .

عندما يزداد الطلب العالمي للمواد يرتفع معه الاستهلاك ومعه تتدهور الشروط البيئية ومعها ينقص الإمداد الإجمالي المتاح من المواد الرئيسية وترتفع الأسعار وبالتالي تصبح قوى السوق غير قادرة علي حل كل مشكلة من مشاكل الموارد ولا أنْ تتفادى كل الصراعات المستقبلية علي المواد النادرة وهناك بعض السلع كالماء مثلاً لايمكن استبداله بأي مواد أخري وكثير من المجتمعات الفقيرة لا يمكنها دفع أسعار اعلي لأجل البضائع الضرورية في هذه الظروف قد ينشا الصراع بين الدول للوصول إلي مصادر الإمداد الحيوية علاوة علي ذلك عندما ترتفع الأسعار فإنّ الجماعات والنخب المتنافسة في البلدان المنتجة للموارد سيكون لديها حافزاً اكبر للامساك والاحتفاظ بالسيطرة علي المناجم القيمة وحقول النفط وأماكن تواجد الأخشاب المدرة للأموال وستكون النتيجة بشكل حتمي صراعاً متزايداً علي الموارد والمواد الحيوية لان هذا القرن الحادي والعشرين قرن الصراع على الموارد والمواد الحيوية”*” .
الإحالات المرجعية :
1- الصراع من اجل الهيمنة ؛ صراع القوى العظمى للسيطرة على العالم ؛ د. محمد الهادي صالح 2003م .
2- التوازن الدولي من الحرب الباردة إلى الانفراج ؛ هشام القروي 1985م .
3- الإرهاب الدولي وانعكاساته على الشرق الأوسط ؛ د. حسين شريف 1997م .
4- الحروب على الموارد الجغرافيا الجديدة للنزاعات العالمية ؛ مايكل كلير 2002م .
5- عبد المجيد عبد الرحمن داود ؛ الصراع على الموارد واثره على الامن الوطني السوداني (دارفور نموذجاً) 2009م .
6- د. إبراهيم ميرغني تجربة الاتحاد الأوربي الأمنية والاقتصادية ؛ سمنار في الدراسات الإستراتيجية جامعة الزعيم الأزهري لطلاب الماجستير 2008م ؛ الخرطوم ؛ السودان .

مجموع القراءات 1 total views, قراءات اليوم 1 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية