رئيسي بين “الوسطية” و”الحزب اللهية”

رئيسي بين “الوسطية” و”الحزب اللهية”

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية _ بقلم: حسن صعب، كاتب لبناني

اختلفت التحليلات والآراء حول حقيقة التوجهات السياسية الجديدة التي سيلتزم بها الرئيس الإيراني العتيد ،الدكتور إبراهيم رئيسي، في المجالين الداخلي والخارجي على السواء.

والسبب الرئيس لهذا الاختلاف في قراءة توجهات رئيسي المستقبلية يكمن في شخصية الرجل “الغامضة” إلى حدٍ ما لجهة إشهار انتمائه الفكري أو السياسي ،كما هي حال من سبقه من مرشّحين للرئاسة، والذين كانوا ينتمون إلى أحد المعسكرين الرئيسين في البلاد،والمعروفين باصطلاحي المحافظين والإصلاحيين،وذلك طيلة الدورات الانتخابية السابقة.

هذا مع العلم بأن رئيسي صرّح أخيراً بأنه يسعى لإعادة إحياء خط حزب الله الثوري، أي خط الإمام الخميني الراحل، مع التزامه بالانفتاح على دول العالم كافة باستثناء الكيان الإسرائيلي.

فمن داخل القاعة التي اغتيل فيها رئيس السلطة‌ القضائية السيد محمد حسيني بهشتي عام 1981، اختار تلميذه، رئيس إيران الجديد، إبراهيم  رئيسي ،عقد أول مؤتمراته الصحفية، في دلالة على تكريس الانتماء الذي وضع نفسه فيه: «التيار الثوري»، بعيداً عن التصنيف السائد في إيران، والذي اختُصر في السنوات الماضية بين إصلاحي وأصولي.

وعلى حدّ تعبير حجّة الإسلام حاج صادقي، ممثّل المرشد الأعلى في الحرس الثوري الإيراني، فإن «الانتخابات الأخيرة لم تكن فوز مرشّح على مرشّحين آخرين ،أو جماعة سياسية على جماعة سياسية أخرى ، بل انتصار الجبهة الثورية وانتصار المحافظة على الطاغوت والجبهة المتغطرسة».

وعليه،يمكن تحديد معالم منهج الرئيس الجديد، على المستويين الفكري والسياسي بالخصوص ،في العناوين الآتية :

  • أولاً :إعادة إحياء الطروحات الثورية “النقيّة” للإمام الخميني الراحل والقائد الخامنئي حالياً، فيما يرتبط باستقلال البلاد الكامل عن الشرق والغرب،من دون القطيعة معهما، والتمسك بالإسلام بوصفه الدستور الإلهي الذي توافق حوله الإيرانيون منذ انتصار الثورة الإسلامية ،والذي يقدّم حلولاً لكافة المشاكل والأزمات ،مع لحظ التحوّلات والمتغيرات المحلية والعالمية وتأثيراتها المختلفة.
  • ثانياً :ضمن هذين الخطّين سيعمل رئيسي على تنفيذ مشاريع وبرامج كبرى، تسهم في تنمية البلاد وإنعاش الاقتصاد والحد من البطالة في صفوف الشباب الإيراني، ومكافحة الفساد والتضخم ،والكثير من القضايا ذات الصلة، حسبما وعد خلال حملته الانتخابية(مثل إنشاء ملايين الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود).
  • ثالثاً :سيسعى رئيسي لتحسين علاقات إيران مع السعودية ومصر، وغيرهما من دول المنطقة، على قاعدة حماية الأمن الإقليمي وتأمين المصالح المشتركة، بموازاة تطوير العلاقات القائمة مع تركيا وقطر والعراق وسوريا، وتفعيل الدعم الإيراني، “السخي” أصلاً، لقوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، في إطار تصعيد الضغوط على الإدارة الأميركية لاستكمال انسحابها العسكري (المفترض) من المنطقة، والذي سيستتبع بالضرورة انكفاءً لحليفتها “إسرائيل” ،في مواجهة إيران ومحور المقاومة.
  • رابعاً :في مواجهة التحديات الداخلية تحديدًا ،والعقبات السياسية والعملية الكبيرة التي قد يصطدم بها،من قبل جهات مختلفة في التيارات الإصلاحية والمحافظة، سيعمل رئيسي على تفادي الصدام مع معارضي سياساته الجديدة قدر الإمكان، مستفيداً من الدعم الكامل له من قبل الإمام الخامنئي وقيادة الحرس الثوري، كما من التفويض الشعبي الكبيرله (نسبياً)،الذي حصل عليه بنتيجة الانتخابات الأخيرة ،مقارنة بما حصل عليه منافسوه.
  • خامساً:بما يخص الاتفاق النووي مع الدول الغربية، يبدو أن رئيسي، وبموافقة من الخامنئي وقيادة الحرس الثوري ،سيسعى لإنجاز صفقة نووية ناجحة لا تمس بمكتسبات إيران النووية السلمية وقدراتها الصاروخية، ولا بتحالفاتها في المنطقة، في حال لم يتم توقيع اتفاق خلال الأسابيع الأخيرة من حكم روحاني؛ مع عدم الغرق في مستنقع التفاوض لوقت طويل، والتركيز على تنفيذ الخطط والبرامج المعلنة لإنعاش الاقتصاد الإيراني، في ظل فرضية فشل المفاوضات في فيينا واستمرار العقوبات الأميركية والغربية على إيران.
  • سادساً:إن وصول شخصية دينية وقضائية إلى سدّة الرئاسة في إيران، ومن خارج المنظومة السياسية والأمنية في البلاد ،يعدّ نقلة نوعية في مسار تقدّم إيران السياسي والفكري ،في سياق مواجهة التحديات المتنوعة، والتعامل الحكيم معها،كما أثبتت طيلة العقود الأربعة الماضية؛ لكن من المبكر الحكم على مدى نجاح رئيسي في تنفيذ أفكاره الطموحة، لاعتبارات داخلية وخارجية عديدة، ومن دون التهوين من صدقية التقارير التي تتحدث عن أن منصب الرئاسة الذي حاز عليه رئيسي أخيراً هو الخطوة الضرورية واللازمة له لتسنّم سدّة القيادة العليا في الوقت المناسب، وذلك تحت رعاية المرشد الأعلى الخامنئي والحرس الثوري،الذي يُظهر “انسجامه” منذ سنوات مع رئيسي، باعتباره شخصية مخلصة للثورة وقيادتها، وهي غير مستفزّة لأي تيار أو فئة في إيران،على الرغم من حملات التشويش والتشويه التي تعرّضت لها شخصية رئيسي قبل وخلال حملته الانتخابية الأخيرة،والتي ركّزت على تاريخه القضائي “الأسود” ،لجهة إقراره إعدام الآلاف من المعادين للثورة، والذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب الإيراني، وتحديداً في العامين 1988و2009.

يُذكر هنا أن رئيسي هو من أبرز الشخصيات التي فرضت عليها الإدارة الأميركية السابقة عقوبات بذريعة قمع الحريات وإعدام معارضين إيرانيين خلال تولّي رئيسي لمناصب قضائية رفيعة حينها.

في الخلاصة، لا تدلّ القراءة المتأنية لشخصية رئيسي وأفكاره السياسية بأنه سيؤسس لمدرسة أو نهج فكري وسياسي جديد في إيران، مقابل منهجي المحافظين والإصلاحيين؛ بل هو سيعتمد منهج الوسطية في كل سياساته الداخلية والخارجية،لكن بالاستناد إلى المضمون الثوري والجذري الذي أثبت جدارته في حماية الثورة الإسلامية ودولتها منذ العام 1979 وحتى تاريخه.

وأخيراً ،يمكن الاستنتاج بأن رئيسي سيحاول خلال سنوات حكمه الأربع، أو الثماني القادمة ربما، بلورة معالم “الخطوة الثانية” للثورة، والتي تحدث عنها المرشد الخامنئي مراراً، وبما ينقل إيران إلى مستوى الدولة الإقليمية الأقوى خلال سنوات،وربما إلى مصاف الدول العظمى عالمياً في مرحلة لاحقة.

 

 

 

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية