المشهد السياسي الباكستاني: الأحزاب السياسية والدولة العميقة

المشهد السياسي الباكستاني: الأحزاب السياسية والدولة العميقة

مركز الدراسات الآسيوية والصينية – بقلم: أحمد موفق زيدان* |

ملخص
لم تترسخ في باكستان الدولة الوطنية؛ بسبب وفاة المؤسسين الأوائل لها قبل أن يستكملوا بناء أسس الدولة التي حلموا بها، ولسيطرة القوى العسكرية والأمنية عليها، والمقصود تحديدًا الجيش والأجهزة الملحقة به. وهذه الأخيرة هي الجزء الأهم في طبقة الدولة العميقة التي من عناصرها أيضًا “الإقطاع السياسي” الذي يهيمن على الأصوات زمن الانتخابات معتمدًا على قوته الاجتماعية، إضافة إلى “المدارس الدينية” التي تصنع المقاتلين العقائديين زمن الأزمات، فضلًا عن “البيروقراطية” التي عُمرها من عمر الاستعمار البريطاني، وتمتلك خبرة بالبلاد تفتقر لها الأحزاب السياسية عمومًا. أما الطبقة الأخرى في المشهد السياسي الباكستاني فهي “الدولة السطحية الظاهرة” المتمثلة في الأحزاب السياسية التي لا تخرج كثيرًا عن سيطرة “الدولة العميقة”، ومن يشذّ عن هذا فلا يحصل إلّا على هامش ضئيل من أسباب السلطة والقوة، أو يكون من الفاعلين غير الرسميين المصنفين كمتمردين على الدولة.
المقدمة

لا تظهر حقيقة القوى الفاعلة المستترة والبارزة ووزنها في أي دولة إلا مع الهزّات السياسية التي تتعرض لها الدول، تمامًا كما تُظهِر الزلازل قوة البنى التحتية وضعفها للدول. ومع ما جرى ويجري في باكستان يتأكد ذلك، فثمّة طبقة صُلبة عسكرية أمنية إقطاعية بيروقراطية تُغلّفها طبقة رخوة بقشرة حداثية سياسية. ومن الظلم تحميل المشهد الظاهري مسؤولية إخفاقات الدول، ما دام القرار في نهايته بأيدي قوى الدولة العميقة، وهي المتحكمة بأذرع سياسية ومالية وخارجية ودستورية وإعلامية واجتماعية واقتصادية… إلخ.

يبرز دور الدولة العميقة التي يقود الأوركسترا فيها العسكر، وثبت ذلك على مدى التاريخ الباكستاني إن كان بحسم الخيار بالانضمام للأميركيين بعد الانفصال وتشكيل التحالفات الدولية ضد الشيوعية، أو بدعم المجاهدين الأفغان والانضمام للتحالف الغربي في الحرب على القاعدة وطالبان، أو ربما بحسم الحيادية في الصراع باليمن.

ولفهم كُنْه المشهد الباكستاني لابد من البحث في الطبقتين: الطبقة العميقة ممثلة في الجيش والاستخبارات والإقطاعية والبيروقراطية والمدارس الدينية، والطبقة السطحية ممثلة في الأحزاب السياسية التي هي -في الغالب- أداة من أدوات الطبقة العميقة، وحين تشذّ عنها تدفع الثمن بالانقلابات عليها، كما حصل مرتين متساويتين على كل من حزب الشعب وحزب الرابطة الإسلامية بين 1991- 1999.

طبقة الدولة العميقة

1- الجيش الباكستاني
أتت وفاة مؤسِّس باكستان المبكرة محمد علي جناح 1948 بعد حوالي سنة من الانفصال ليحرم البلاد من تنفيذه لحلم دولته، أعقبه اغتيال لياقت علي خان “والد الأمة” كما يُطلق عليه؛ ليعمِّق من مأزق الدولة، وهو ما أوقعها في شباك العسكر، الذين حصلوا على مأسسة دورهم بتعيين أول قائد لجيشهم أيوب خان لمنصب وزير الدفاع، وهو ما سهَّل عليه القيام بانقلابه 1958.

كان الجيش منذ ذلك التاريخ اللاعب الأساسي في السياسة، وتحكم على مدى تاريخ البلد بقضايا الأمن القومي والعلاقات الخارجية، وتحديدًا فيما يتعلق بالعلاقة مع أميركا والهند وأفغانستان، وظهر ذلك بالانقلابات التي قادها؛ حفاظًا على مصالحه العليا -وفقًا لتبريراته، وكانت فترة حكمه المباشر قُرابة نصف عمر البلاد، بينما لجأ في نصفها الآخر للتحكم بها عن بُعد.

استأثر الجيش بالعلاقة الحصرية مع البنتاغون وجهاز السي آي إيه، ووفقًا لبرقية أميركية فإنّ أيوب خان أبلغ القنصل العام الأميركي في كراتشي بأن الجيش لن يسمح للساسة أن يخرجوا عن السيطرة، فوظيفة الجيش حماية البلد، والجيش صديق للولايات المتحدة(1). لكن هذه الصداقة كانت محل شك أميركي انعكس آخرها بشنّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون هجومًا عليه، متهمة إياه بإيواء القاعدة: “كيف لي أن أقتنع أنه منذ 2002 وحتى الآن لا أحد يعلم عن وجودهم بباكستان، لابد أن يكون أحد يعلم عن وجودهم”(2).

وفي كتابها بعنوان “داخل الاقتصاد العسكري الباكستاني” والذي حُظر مباشرة بعد نزوله للأسواق، تقول الأكاديمية الباكستانية عائشة صديقة: “رؤوساء وزراء شعبويون من أمثال ذو الفقار علي بوتو ونواز شريف وبي نظير بوتو وقامات تكنوقراطية ذات خبرة دولية كرئيسي الوزراء السابقين معين قريشي وشوكت عزيز نأَوْا عن التدخل في مسألة قوة العسكر بالتحكم بالثروات، فمثل هذه القيادات لم تتحدَّ أبدًا دور المؤسسة العسكرية بالحكم”(3).

يعدُّ الجيش الباكستاني الفريد من نوعه في المنطقة وريث جيش بريطانيا لقرنين، بخلاف دول العالم الثالث التي تأسس معظم جيوشها عشية الاستقلال باستثناء ربما الجيش المصري؛ ولذا فإن الجيش الباكستاني يملك خبرة وتجربة عريقتين من خلال مشاركته بالحربين العالميتين الأولى والثانية، وورَّث تلك التجربة لأجياله اللاحقة، وهو ما يفسّر تمرسه بالسياسة أكثر من السياسيين، بل يرى نفسه المالك الشرعي لباكستان يعكسه ألّا تجد جنرالًا أو ضابطًا يقيم في منفى الخارج بعد التقاعد، بخلاف السياسيين الذين يفضّلون العيش بالخارج مع نهاية خدمتهم.

يتبع جهاز الاستخبارات الباكستاني آي إس آي للجيش، وهو الخلفية العميقة للتأثير على المشهد، وهو من أقوى أجهزة المخابرات العسكرية العالمية، صقل تجربته بالتعاطي مع كل أجهزة المخابرات العالمية عبر قضيتين مهمتين هما: حرب أفغانستان، والحرب على طالبان والقاعدة. ومن أبرز نجاحاته المشروع النووي الباكستاني وحمايته، وتجنيب كل خبرائه أية محاولة اغتيال، بخلاف ما حصل مع دول أخرى، حين سلّم بعضها مشروعها النووي مثل “ليبيا، وإيران”، أو تعرَّض مفاعلها للقصف وخبراؤها للاغتيال كما وقع في “العراق ومصر”، ومثل هذه النجاحات عزَّزت ثقة الشعب به وعمَّقت دوره بالدولة العميقة.

هنا لابد من التذكير بأن الجيش استمد -ولا يزال- قوته من قضايا ارتبطت بالوجود الباكستاني ككشمير، فنزيف الموازنة يتواصل خدمةً للمجهود الحربي لمواجهة سباق التسلح الهندي، وهو ما يُضعف الواجهة السياسية، فقد وقّع نواز شريف أواخر مارس/آذار الماضي اتفاقًا مع الصين يقضي بشراء ثماني غواصات قادرة على حمل رؤوس نووية بقيمة خمسة مليارات دولار، كما اختبرت باكستان في الشهر ذاته صاروخًا بالستيًّا قادرًا -على ما يبدو- على حمل رؤوس نووية، وكشف المستشار الأول خالد أحمد كيدواي عن عزم الجيش إنتاج صواريخ تكتيكية لحمل رؤوس نووية للاستخدام في أرض المعركة ضد الهند(4).

2- الإقطاع الباكستاني
يشكِّل الإقطاع الباكستاني أحد نماذج الدولة العميقة في باكستان، فمعظم الساسة من ذوي خلفيات إقطاعية، بعد أن أغدق عليهم المحتل البريطاني قبل انسحابه أراضي شاسعة، وقد تم توظيف هذه الأراضي في تشغيل قوى عاملة فقيرة مقابل التصويت لإقطاعييهم السياسيين الجدد، كما هي الحال مع حزب الشعب الباكستاني بزعامة آصف علي زرداري حيث قادته المؤسسون من آل بوتو، وهو ما دفع الروائية الباكستانية بينة شاه في روايتها “فصل الشهداء” إلى القول: “إن أراضي آل بوتو يستطيع الخيَّال أن يسير فيها لثلاثة أيام دون أن تنتهي”(5). اللافت أن بوتو أمّم أملاك بورجوازيين، والتي كان من بينها أملاك والد نواز شريف، لكنه لم يؤمِّم أراضيه الخاصة، “فكانت سياسة التأميم في الحقيقة محاولة لأخذ الإدارة وليس للتوزيع العادل الحقيقي”(6).

يختزل ذلك الخبير الدكتور رسول بخش ريس بالقول: “الإقطاع هو من يقدِّم القيادات الحزبية السياسية، فلوردات الإقطاع لديهم دوائر قوية للحصول على الأصوات، وهم يحصلون عليها ليس نظير خدمات يقدمونها للمقترعين، وإنما لقبضتهم الاجتماعية”(7).

ولا يزال المؤرِّخون يذكرون إنقاذ إقطاعيي البنجاب للمستعمر البريطاني من انتفاضة 1857 -والتي كانت في جوهرها ثورة من ضباط وجنود بنغال ضد الفرقة البريطانية للهند الشرقية- حين أرسلوا الكثير من المال وقوة بشرية كبيرة؛ لإخماد التمرد وإنقاذ بريطانيا من إذلال محتم يتهددها.

3- المدارس الدينية
أبرزها المدرسة الحنفيّة التي تمثل روح باكستان، فهي امتداد للمدارس الحنفية في الهند، التي مثَّلت روح باكستان بالتنسيق مع الجيش، ولعل أكثر مَن يمثلها الجامعة “الحقَّانية” قرب بيشاور التي كانت تاريخيًّا معملًا لتصنيع مقاتلين ضد القوات البريطانية أولًا، ثم السوفييت لاحقًا، والأميركيين أخيرًا. يبلغ عدد هذه المدارس الدينية أكثر من 14 ألف مدرسة، ويصل عدد طلبتها إلى خمسة ملايين طالب، واقعٌ دفع أحد خصوم التيار الإسلامي -الرئيس السابق برفيز مشرف- إلى وصفها بأنها أكبر مؤسسة إغاثية في العالم(8).

4- البيروقراطية
هي إحدى المؤسسات المهمة التي ورثت بيروقراطية بريطانية عريقة وذات خبرة ضخمة، بخلاف الأحزاب السياسية التي تأسس معظمها بعد الانفصال، ناهيك عن ميزة التواصل بالحكم لدى البيروقراطية والجيش، وهو ما تفتقره الأحزاب، يُضاف إليه أن التركيبة الإدارية والتنظيمية واحدة في هذه المؤسسة بخلاف المؤسسة الحزبية، إذ لكل حزب أخلاقه وقواعد لعبته المصطدمة أو المتنافسة في أحسن الأحوال مع الآخرين، وتعد من هذه البيروقراطية، ومن الدولة العميقة، المحكمة الباكستانية التي بلغ من قوتها أنها وفَّرت الشرعية لانقلابات عسكرية غير مرة، وسعت في السنوات الماضية إلى رسم هوية خاصة بها.

طبقة الدولة السطحية

يتمظهر المشهد السياسي بالقوى الظاهرة المتفاعلة مع الحدث، وتجسده الأحزاب التي عادة ما تواجه الجمهور وتدفع ثمن أخطائها وربما أخطاء غيرها. وحين الحديث عن المشهد الحزبي فمن الممكن وضع الأحزاب ضمن قوالب ذات خلفية إقطاعية وبورجوازية، وأحزاب دينية، وأخرى عرقية، وربما التصنيف ليس حديًّا بالتمام، لكنه أقرب للواقع:

1- أحزاب إقطاعية بورجوازية
يأتي على رأس هؤلاء حزب الرابطة الإسلامية الذي تأسس قبل تقسيم شبه القارة الهندية، وحمل همّ مسلمي شبه القارة مستندًا لنظرية الدولتين: الهندوسية والمسلمة، وقاد زعيمه محمد علي جناح البلاد إلى الاستقلال وتحكم لاحقًا بالمشهد السياسي مشاطرة مع العسكر؛ حيث كان يُوصف بابن السلطة، ربما حتى انقلاب برفيز مشرف على نواز شريف وريث الحزب في أكتوبر/تشرين الأول 1999. وينحدر قادة الحزب من خلفيات إقطاعية وبورجوازية، فنواز من عائلة بورجوازية معروفة بالبنجاب، اختاره الرئيس الراحل ضياء الحق ودعمه طوال فترته، وواصل من بعده العسكر دعمه حتى انقلب عليه أيام حكم مشرف. تبع هذا انقسام حاد في الحزب قاده تشودري شجاعت حسين، وشكَّل فصيلًا باسم “حزب الرابطة جناح قائدي أعظم”، حيث كان -ولا يزال- مقربًا من العسكر، لكن ظل جناح نواز شريف الأقوى، ترجمه بفوزه بالانتخابات الأخيرة، وانتُخب رئيسًا للوزراء للمرة الثالثة في حياته(9).

الحزب الثاني هو حزب الشعب بزعامة ذي الفقار علي بوتو، وبرز مع حرب عام 1965 حيث كان يترأَّس الدبلوماسية الباكستانية، وقدّم نفسه في البداية كحزب يساري، ولكن معظم قادته من الطبقة الإقطاعية والبورجوازية بمن فيهم بوتو، ومرَّ الحزب بأزمات كثيرة أوُّلها هزيمته الانتخابية أمام حزب عوامي قومي بزعامة مجيب الرحمن في انتخابات عام 1970، لكنه رفض النتيجة فقاد ذلك إلى انفصال بنغلاديش، ثم تعرض لانتكاسة أخرى عام 1977 بعد خلافه مع المعارضة، فانحاز قائد الجيش (ضياء الحق) المعيَّن من قبله لصالح المعارضة، فأطاح به وأعدمه لاحقًا، وليتعرض الحزب من بعده شأنه شأن بقية الأحزاب للملاحقة؛ بسبب فرض حكم عسكري وقوانين طوارئ امتدت من 1977 إلى 1988، فهرب أبناء بوتو للخارج؛ ليعودوا بعد أقل من عشر سنوات، وتفوز بي نظير بالانتخابات، لكنها أقيلت مرتين من قِبل الجيش بتهم الفساد، حتى عادت العودة الأخيرة في أغسطس/آب 2008 من المنفى الاختياري، لتُقتل في تفجير براولبندي، ويخلفها زوجها آصف زرداري الذي فاز بالانتخابات مستغلًّا حالة التعاطف غير المسبوقة.

وهنا يأتي الحديث عن الحزب الثالث الصاعد المهم، وهو حزب الإنصاف بزعامة لاعب الكريكيت الباكستاني عمران خان، حيث سعى أن يكون حزبًا حداثيًّا، لكن انتقل إلى صفّه كثير من الشخصيات السياسية الكبيرة من حزبي الشعب والرابطة الإسلامية، ما قد يُفسد عليه حداثته ليصح فيه قول: “خمر قديم في زجاجات جديدة”.

مما لا شك فيه أن الحزب حصد المرتبة الثانية في البرلمان، حيث اعتمد سياسة المواجهة والإثارة ضد الحكومة، لكن هذا لا يمنع من أن أداءه السياسي ضعيف، لاسيما وأنه تقلب في مواقفه من البرلمان ما أضرّ بمصداقيته، فقد اتهم هذا الأخير بأنه مزور وانسحب منه، ثم ما لبث أن عاد إليه بينما لا تزال المحكمة تنظر في اتهاماته.

2- الأحزاب الدينية
تنقسم الأحزاب الدينية بحسب مرجعياتها الفكرية، وقد تصاعد دورها مع فترة الجهاد الأفغاني، لكن ثمّة لاعبون غير حكوميين على رأسهم مسلَّحو طالبان باكستان والبلوش.

‌أ. حزب الجماعة الإسلامية: أسسه بالهند أبو الأعلى المودودي قبل الاستقلال 1947، وقد عارض المودودي التقسيم؛ بحجة أن المسلمين أغلبية بشبه القارة، وهو ما تستغله المعارضة العلمانية حتى اليوم، وكان لإسهامات المودودي الفكرية، والمنشورة باللغة العربية، النافذة الأهم في شهرة الجماعة عربيًّا، وأتى الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ليعزز حضورها؛ بسبب علاقتها مع الجماعات الجهادية الأفغانية أولًا، ولتقاطع مصلحتها مع مصلحة الجنرال ضياء الحق في دعم الأفغان ثانيًا. لكن الجماعة تعتبر نخبوية، لم تستطع أن تكون قوة شعبية قوية مترجمة في البرلمان الباكستاني، فحضورها البرلماني لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

سعى الأمير السابق للجماعة القاضي حسين أحمد لتأسيس مجلس العمل الموحد عام 2000 والذي ضمَّ الأحزاب الإسلامية بما فيها الأحزاب الشيعية، لكن لم يصمد المجلس أمام خلافات سياسية وفكرية، وبرز العام الماضي 2014 سراج الحق كزعيم شبابي جديد للجماعة من الممكن أن يضخ فيها دماءً جديدة.

‌ب. جماعات إسلامية تقليدية: مرجعيتها مدارس دينية حنفية، وتجسدها جمعية علماء الإسلام بزعامة فضل الرحمن نجل مؤسسها مفتي محمود، وتنتشر بكثافة في مناطق بختون خواه وعاصمتها بيشاور وكذلك ببلوشستان، وعادة ما يتحالف مع الحزب الحاكم مهما كانت هويته، وحضوره بالبرلمان أقوى من الجماعة الإسلامية. وهناك جمعية علماء الإسلام بزعامة سميع الحق؛ حيث كان حضوره ضعيفًا بالبرلمان، ولكن يعوّضه بحضور معنوي وسط الجامعة الحقانية، ويحظى بدعم طالبان أفغانستان وزعيمها الملا محمد عمر.

‌ج. جمعية علماء باكستان البريلوية: جماعة صوفية أسسها شاه أحمد نوراني ويقودها نجله أنس ثم أويس، وتملك سلسلة مدارس دينية (المدرسة البريلوية)، تراجعت قوتها بعد وفاة أويس ولم يعد لها حضور سياسي، ولكن برز منها مؤخرًا طاهر القادري على حساب القيادة التقليدية التاريخية، فأسس منهاج القرآن، وهو أقرب ما يكون إلى فتح الله غولن التركي(10).

‌د. الأحزاب السلفية: من أبرزها أهل الحديث بزعامة ساجد مير، تراجع دورها في السياسة والبرلمان، لكن لا يزال مير نفسه عضوًا في البرلمان، وجاء تراجع القوى السلفية في الشارع لصالح قوى سلفية مسلحة تتمثل في جماعة عسكر طيبة، والتي غيّرت اسمها لاحقًا إلى جماعة الدعوة بزعامة حافظ سعيد المتهمة بتنفيذ هجمات مومباي 2008. وللجماعة قرية نموذجية بـ “مريدكي” قرب لاهور تشهد نشاطات تعليمية وصحية ورياضية وحرفية مميزة، ولها واجهة إغاثية باسم “فلاح الإنسانية”، وتحظى الجماعة على ما يبدو بعلاقة ما مع العسكر(11).

‌ه. أحزاب شيعية صغيرة: تنضوي تحت عنوان “مجلس وحدة المسلمين” الذي تشكَّل من عدة أحزاب شيعية صغيرة بقيادة راجا ناصر عباس في أغسطس/آب من عام 2009، وعادة ما يتبعون في مواقفهم المذهبية والسياسية إيران، ويحظى بتمثيل ضئيل في البرلمان.

‌و. فاعلون غير رسميين: وهما نوعان: مسلحو طالبان ومسلحو البلوش المتمردون. ينتشر مسلحو طالبان في مناطق القبائل، برز دورهم مع هجوم التحالف الغربي على أفغانستان، حيث اندفع آلاف منهم للقتال مع طالبان أفغانستان، ومع سقوط الأخيرة انسحبوا وأقاموا قواعد لهم في مناطق القبائل، لتتطور لاحقًا نحو تأسيس “حركة طالبان باكستان” التي لم تنل شرعية من طالبان أفغانستان، لاسيما وأن الأخيرة ظلت تلوذ بالصمت إزاءها. تعرضت طالبان باكستان لحملات من الهجمات الأميركية بطائرات بلا طيار، إلى أن انهارت العام الماضي 2014 أمام عملية الجيش الباكستاني “ضربة الغضب”. والجدير بالذكر أن بعض قادتها الهاربين بايع تنظيم الدولة في العراق، بينما اختفت الغالبية عن الأنظار.

وثمة فاعلون غير رسميين أيضًا في بلوشستان، ويطالبون بحقوق سياسية واقتصادية قد يصل بعض المتشددين منهم بمطالبه إلى حد الانفصال، وتتهمهم الحكومة بالعلاقة مع أفغانستان والهند، ولكن بالتأكيد ثمة ظلم وحيف اجتماعي واقتصادي على الإقليم الذي فشلت الحكومة في معالجته(12).

3- أحزاب عرقية
درجت الأحزاب العرقية الباكستانية في كل الأقاليم إلى التحالف مع الحزب الحاكم مهما كانت هويته، ولكل إقليم أحزابه العرقية الخاصة به باستثناء ربما إقليم البنجاب؛ نظرًا لنفوذه الواسع، ولكونه يشكل 60% من السكان. فمن ذلك هناك “حزب العوام القومي” في إقليم بختون خواه الذي يقوده أصفنديار ولي خان، ويعكس هذا الحزب الهوية البشتونية، ويركز عليها في أدبياته. وتنتشر بإقليم السند “حركة المهاجرين القومية” بزعامة ألطاف حسين، التي تعرضت لاحقًا لانشقاقات غير مؤثرة، وتمثل عرقية المهاجرين من الهند، ويقيم زعيمها حاليًا في لندن بتهم قضايا موجّهة له في المحكمة، وقد ساعد ضياء الحق في تأسيس الحركة بشق ألطاف عن “الجماعة الإسلامية”؛ لإضعاف قبضتها في إقليم السند. أما في بلوشستان فثمة أحزاب عرقية تدعو بطريقة أو بأخرى لخدمة البلوش ومعالجة تهميشهم.

الخاتمة

صناعة القرار الباكستاني معقّدة وتتطلب فهم أدوات الدولة العميقة والسطحية؛ ليسهل فهم القرارات التي اتخذتها باكستان تاريخيًّا وراهنًا وما قد تتخذه في المستقبل. وبإمعان النظر في أدوات الدولة العميقة الباكستانية يمكن الجزم أنها كلها في جذورها وسيرورتها التاريخية لها أهداف أبعد وأعمق من مصالح وأمن العالم العربي، وتتصل بالأمن الإقليمي وعلاقاتها مع جيرانها، فضلًا عن أمنها الداخلي. ومن الأمثلة على ذلك قرار البرلمان الباكستاني الأخير الذي آثر “الحياد” إزاء الصراع في اليمن بعد أن أعلنت السعودية “عاصفة الحزم”، مع التزامها بأمن الحدود السعودية كخط أحمر. وبالعودة إلى التاريخ البعيد والقريب في هذا السياق، يلاحظ أن المغول الذين حكموا المنطقة (باكستان والهند) ظلوا على الحياد لقرنين ونصف، وربما كانوا أقرب إلى إيران منهم إلى الخليفة العباسي والعثماني.
___________________________________
*أحمد موفق زيدان – مدير مكتب الجزيرة في إسلام آباد وباحث وإعلامي سوري.

المصادر
1- نواز، شاه: “السيوف المتقاطعة”، ص142، مطابع أكسفورد، كراتشي، 2008.
2- كلينتون، هيلاري: “الخيارات الصعبة”، ص186، 187، طبعة سيمون وشيستر، 2014.
3- صديقة، عائشة: “داخل الاقتصاد العسكري الباكستاني”، ص22، مطابع جامعة أكسفورد، 2007، كراتشي-باكستان
4- مخاوف النووي في شبه القارة الهندية، افتتاحية نيويورك تايمز الأميركية الصادرة في 7 إبريل/نيسان 2015

5- شاه، بينة: “فصل الشهداء”، طبعة ديلفينيوم- أميركا، 2014، ص197.
6- جلال عائشة: “الصراع من أجل باكستان”، مطابع كامبريدج- لندن، 2014، ص182.
7- مقابلة مع الخبير الباكستاني رسول بخش ريس نشرتها صحيفة ذي نيوز الباكستانية الصادرة في إسلام آباد بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2008، ولم تكن الجريدة قد دخلت عالم النت؛ ولذا تعذر وجود الرابط، لكنه موجود بأرشيف الكاتب.
8- خضر، مهيوب: “المدارس الباكستانية: ماض زاهر ومستقبل مجهول”، الجزيرة نت، 11 يوليو/تموز 2007
http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2007/7/10/%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D8%B6-%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%85%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%84
تاريخ الدخول 11 إبريل/نيسان 2015.
9- المؤسسات الباكستانية والمجتمع المدني، تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، 25 أغسطس/آب 2008
http://www.cfr.org/pakistan/pakistans-institutions-civil-society/p14731
تاريخ الدخول 11 إبريل/نيسان 2015.
10- انظر: زيدان، أحمد: “طاهر القادري: غولن باكستان والصراع على الهوية”، مركز الجزيرة للدراسات، 25 سبتمبر/أيلول 2014
http://studies.aljazeera.net/reports/2014/09/201492585432491569.htm
تاريخ الدخول 11 إبريل/نيسان 2015.
11- زارها الكاتب بنفسه، واطَّلع عليها وعلى النشاطات فيها.
12- زيدان، أحمد: “بلوشستان: صراع متصاعد فيها وعليها”، مركز الجزيرة للدراسات، 17 فبراير/شباط 2014
http://studies.aljazeera.net/reports/2014/02/20142176848846558.htm

المصدر: مركز دراسات الجزيرة.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية