العلاقات السورية -الروسية فِي زَمَنٍ مُتَغَيِّرٍ

العلاقات السورية -الروسية فِي زَمَنٍ مُتَغَيِّرٍ

مركز الدراسات الآسيوية والصينية _ بقلم: توفيق المديني

لا بُدَّ من التأكيد أنَّ سورية أصبحت متموضعةً على خريطة اقتسام الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى،وتقع في بؤرة الصراع بين القوى الإقليمية والدولية، لا سيما بعد الإنخراط الروسي العسكري في سورية، والذي ينطلق من حسابات الأمن القومي الروسي في ظل تنامي الحركات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط،ومن مقتضيات المواجهة بين روسيا وحلف الناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية، وما تتطلع إليه موسكو من استعادة روسيا مكانتها كقوة كبرى فاعلة ومؤثرة في الأزمة السورية، في سبيل تحويل النظام الدولي من الأحادية القطبية، التي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نظام دولي تعددي تلعب فيه روسيا وعدد من القوى الإقليمية الصاعدة دورًا محوريًا وموازيًا للدورالأمريكي.
إشكالية العلاقات السورية-الروسية
استطاعت روسيا من خلال انخراطها في الأزمة السورية أن تؤكد على مكانتها بوصفها قوةً عالمية، وقوة منافسة رئيسية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ، ولكنَّها تُصِرُّ على أنْ تُؤْخَذَ مصالحها في الاعتبار، وأنَّ أيَّ مسٍّ بمكانتها هذه يدفعها إلى إظهار قوتها بطرقٍ مؤثرة تلجم الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، فإنَّ بوتين لديه حرص شخصي على أنْ تتعامل معه الولايات المتحدة بندّيةٍ، وليس باعتباره شريكًا أصغر أو أقل أهمية.
إذا كان واقع روسيا أصبح على هذا الشكل من الحضور العسكري والجيوستراتيجي في المنطقة،فإنَّ العديد من النخب الفكرية والثقافية السورية،وحتى من داخل حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم ،بدأت تتحدث عن إشكالية العلاقة السورية الروسية،ومنها أنَّ الأزمة السورية أسهمت في إعادة روسيا كدولة عظمى في منطقة الشرق الأوسط، من خلال مواجهة القطب الأمريكي على الأراضي السورية، طارحة الأسئلة التالية: أين هو الدور الروسي في ضوءالعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها عل سورية ؟ ولماذا لا تساعدنا روسيا على المستوى الداخلي في ضوءحزمة الأزمات الخانقة التي تعاني منها سورية على جميع الصعد:أزمة المشتقات البترولية ،وأزمة القمح،حيث يُعَدُّ موسم القمح هذه السنة الأسوأ منذ عشر سنوات، إنْ لم يَتِمْ إيجاد حلول لتخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج، وخاصة المشتقات النفطية والأسمدة، فضلاً عن طرح أسعار للشراء تمكن المزارعين من إبقاء الإنتاج في البلاد.
فالعقوبات لا تزال مفروضة على الحكومة السورية ، وجزء كبير من الجغرافيا السورية (30%)خارج سيطرة الدولة الوطنية السورية،ولا سيما المنطقة الشرقية التي تُعَدُّ أغنى منطقة في كل سورية حيث تنتج 70% من محصول القمح،والقطن،وتحتوي في باطنها على أهم الثروات من نفط وغاز وفوسفاط وماء،كما أنَّ الشريان الاقتصادي بين الساحل وحلب، وهو الطريق الدولي أم 4، لا يزال مقطوعاً.
لقد كانت هذه التساؤلات وغيرها،محور الحوار المفتوح الذي جرى في فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب بين الدكتور مهدي دخل الله عضو القيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي(القيادة القطرية سابقًا)ورئيس مكتب الثقافة والإعلام والإعداد، وبين عدد كبير من دكاترة الجامعة السورية والنخب الفكرية و الثقافية والسياسية، وذلك بحضور د.محمد الحوراني، رئيس اتحاد الكتاب العرب، وأعضاء المكتب التنفيذي، ورئيس فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب، د.إبراهيم زعرور.
في معرض حديثه عن الدور الروسي ،أكَّد الدكتور مهدي دخل الله على أنَّ الحرب القائمة على سورية منذ عشر سنوات ، تحولت إلى حربٍ ذات شكلٍ ومضامينٍ عالميةٍ، من خلال تواجد جيوش القوتين العظمتين (روسيا، وأمريكا) على الأراضي السورية، وبذلك تحولت سورية إلى مركزٍ عالميٍّ للصراعِ..
لقد أسهمتْ الأزمة السورية في إعادة دور روسيا كقوة دولية عظمى على الساحة العالمية، من خلال استخدام الفيتو في مجلس الأمن، لإيقاف أيِّ قرارٍ ينال من الصمود السوري.. وبهذا الفيتو (تم بذلك ضرب النظام أحادي القطب الممثل بالولايات المتحدة الأمريكية)، كما أسهمتْ
أيضًا في إعادة دور الصين وأخذ موقعها السياسي في مجلس الأمن من خلال الدعم الذي قدمته للحكومة السورية، واستخدامها الفيتو أيضاً لإفشال وإبطال أي قرار يؤثر على صمود الحكومة السورية. وهي بذلك خرجت من الانعزالية السياسية.
وعن إشكالية العلاقة السورية الروسية، قال الدكتور مهدي دخل الله:إنَّ العلاقة السورية الروسية هي علاقةٌ مهمةٌ جدًّا، لأنَّ روسيا دولة عظمى، في الصراع مع الأعداء ، وفي هذه الحرب فعلياً، كان البطل الحقيقي هو الجيش العربي السوري، الذي أثبت على أنَّه جيشٌ قويٌّ منظمٌ متماسكٌ، وقد سارت معه جنباً إلى جنب المقاومة الشعبية، فلأول مرَّة في التاريخ ينتصر جيش نظامي على حرب عصابات… والمقاومة الشعبية حقٌ ..
أما الدور الروسي، فهو دور كبير في هذه المعركة، وفي كسر هذا الحصار، إذ لا تصل أي باخرة محملة بالنفط والقمح إلى الشواطئ السورية إلا وترافقها فرقاطات روسية للحماية..كما أنَّ الطائرات الروسية حمت تقدم جنودنا في سراقب ..وقد استطعنا أن نُوَظِّفَ علاقة الصداقة بين روسيا وإسرائيل لصالحنا.. ولإحراز مكاسبٍ عديدةٍ.. كاذب من يقول لا يوجد خلاف بين روسيا وسورية.. ولكنَّنا نجحنا بفرض احترامنا كدولة ذات سيادة: حيث تعهد الروس ألا يتخذوا قراراً إلا بعد مراجعة الحكومة السورية.. سورية بلد عظيم يفخر شعبه به.. وهي دولة ذات سيادة مستقلة بقراراتها.. والروس يحترمون ذلك، فالروس حلفاؤنا ولسنا تابعين لهم في قراراتنا.. وقد أكَّدنا على وحدة وسلامة الأراضي السورية.. ولا نستطيع أنْ ننسى عندما ضرب مطار الشعيرات تحرك الأسطول الروسي إلى شواطئ طرطوس.. كل الدول منعت الأسطول الروسي للتزود في طريقه بالماء والغذاء.. فكانت طريق الرحلة إلى سورية شاقاً وصعباً. إنَّهم لا يريدون في هذه المنطقة أن يكون لها قراراً مستقلاً..وسنسعى لتوظيف الخلاف الروسي التركي، والإيراني الأمريكي لصالحنا..
المصالح الاستراتيجية الروسية في سورية
تُعدُّ المصلحة الوطنية أهم الدوافع لانتهاج السياسة الخارجية واتخاذ المواقف. وربما كانت أهم الدوافع وراء الموقف الروسي في مجلس الأمن وسواه من المحافل الدولية، وهي المصلحة الروسية في المتوسط، وكذلك ما اعتبرته روسيا خدعة تعرضت لها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الحلف الأطلسي بشأن قرار مجلس الأمن في إجازة التدخل الإنساني في ليبيا، وقد أسيء استعمال هذا القرار لبلوغ أهداف تنحصر بالسيطرة على النفط الليبي ولا علاقة لها بالدوافع الإنسانية، فبعد إخراج روسيا من ليبيا والقضاء على مصالحها، وبخاصة العقود التي كانت قد وقَعتها مع النظام السابق بشأن النفط، وبعد القضاء على المصالح الروسية في السودان، بقيت سورية الملاذ الأخير لموسكو في دول المتوسط. وهنالك لاشك دوافع أخرى للسلوك الروسي بشأن ما يجري في سورية، كالإصرار على لعب دور أساسي في قضايا الحفاظ على السلم العالمي، وبخاصة عندما يكون في مواقف الولايات المتحدة وحلفائها تجاهل تام للقانون الدولي في ممارسة مهمات مجلس الأمن.
وتبدو حيثيات وحساب المصالح الروسية راجحة في تحديد طبيعة الدور الروسي، وهو أمر ينطبق على سائر الدول الغربية والأطلسية وسواها، إلا أنها في الحالة الروسية تمتلك أهمية قصوى ومتشابكة مع عوامل داخلية وخارجية، خاصة وأن روسيا تمكنت في السنوات القليلة الماضية من تحسين علاقاتها مع عدد من الدول العربية، بما فيها دول الخليج العربي، فضلاً عن علاقاتها وتعاونها العسكري والتقني مع إسرائيل، وبالتالي، صار لها مصالح تتأثر بالمتغيرات الجارية في المنطقة العربية، لذلك، باتت تعتبر أن الاستقرار هو الضمانة الأساسية للمصالح الروسية، بصرف النظر عن ممارسات الأنظمة وعن مطالب الشعوب، فراحت تؤكد مبدأ رفض التدخل الخارجي في الأوضاع الداخلية العربية، وترك الشعوب وحيدة في معركتها مع قمع الأنظمة.
ولاشك في أنَّ المصالح الروسية في سورية كبيرة ومهمة بالنسبة إلى روسيا، حيث تقدر مبيعات الأسلحة إلى سورية بمليارات عدة من الدولارات، يضاف إلى ذلك عشرات المشاريع المشتركة التي تمَّ الاتفاق والتعاقد بشأنها، وتقدر قيمة عقودها بمليارات الدولارات، حيث جرى توقيع أربع اتفاقيات في 25 يناير عام 2005 ، تختص بالتعاون في مجالي النفط والغاز وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والعلمية، إلى جانب تعهد روسيا بتقديم الدعم لسورية عسكرياً والوقوف إلى جانبها سياسياً.
وفي موضوع المياه الدافئة وعلى وجه الخصوص المنافذ على البحر الأبيض المتوسط، فإنَّ روسيا تعتبر كما كانت دائماً أنَّ أمن الممرات المائية من الركائز الاستراتيجية في سياستها الخارجية، وهي تنسج معظم سياستها في الشرق الأوسط ومحيط البحر الأسود وفقاً لهذه الاعتبارات، فأكثر من 50 % من تجارة روسيا الخارجية تَمُرُّ عبر هذه المياه، وبالتالي، فقد قرَّرَتْ روسيا تطوير مرفأ طرطوس في سورية، حيث توجد قاعدة عسكرية لها بهدف المساهمة في تأمين الملاحة البحرية في ميناء عدن وسواحل الصومال وترافق ذلك مع تعديل القوانين لتسمح بتحريك الأسطول الروسي في الخارج لحماية مصالحها العليا.
من المؤكد أنَّ روسيا تنظر إلى نفسها كقوة عظمى وكلاعب أساس على المستوى الدولي، بما يُجِيزُ لها الحقَّ بأنْ تمتلك حرِّية المناورة الاستراتيجية واستعمال فائض قدراتها العسكرية، لمدّ نفوذها وتحقيق مصالحها، وبالتالي العمل على استعادة موقعها الذي فقدته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.وفي بداية الأزمة السورية ومع اقتراب الصراع بين الدولة الوطنية السورية و الحركات الإرهابية من الساحل السوري، وتحديداً من طرطوس، شعرت موسكو بأنَّ التهديد قد اقترب من قاعدتها البحرية الوحيدة على الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط. ويذهب بعض المحللين إلى أنَّ هذا التهديد قد شكّل الدافع الأوّلي لموسكو لاتخاذ القرار في أيلول /سبتمبر 2015 بالتدخل عسكرياً في النزاع السوري. وعملت موسكو منذ اليوم الأول لحشد قواتها على تقوية قاعدة طرطوس البحرية وتوسيع قاعدة حميميم الجوية، بما يُعَزِّزُ ويقوي حضورها العسكري في شرقي المتوسط، كما يؤهلها استراتيجياً للعب دور مؤثر وفاعل على مستوى المنطقة.
يرى عدد من المحللين أنَّ العامل الثاني الذي دفع روسيا إلى التدخل في سورية، يرتبط بحرص الرئيس فلاديمير بوتين على المحافظة على الاندفاعة الاستراتيجية التي بدأها بالرَّدِ على الاتحاد الأوروبي، لمنعه من مدّ نفوذه إلى أوكرانيا وضمّها إلى الاتحاد وإلى حلف شمالي الأطلسي. تُضاف إلى ذلك رغبة بوتين في الرَّدِ على القرار الأمريكي بنشر الدرع الصاروخية في الدول المجاورة لروسيا، التي كانت جزءاً من المنظومة السوفياتية. وهكذا سعى بوتين إلى الإفلات من الحصار الذي فرضه الغرب على روسيا بعد ضَمِّ شبه جزيرة القرم إلى بلاده، من خلال التوجه إلى المتوسط لفتح جبهة جنوبية على حلف شمالي الأطلسي، ويبدو بأنَّ ضغوط الغرب على روسيا في أعقاب الأزمة الأوكرانية هيأتْ الظروف الملائمة لاتخاذ قرار التدخل في سورية. وبالفعل، نجحت موسكو من خلال ديناميكية وفعالية تدخلها في سورية في تحويل الأنظار والاهتمام عن الأزمة الأوكرانية.
لقد نجحت روسيا في السنوات القليلة المنصرمة من الأزمة والحرب في سورية،في بناء التوازن الاستراتيجي مع الغرب أو الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي في سورية،وبالتالي إعادة بناء التوازن الدولي بكامله،أولنقل توازن القوى في النظام الدولي،بعدما اختل ميزان القوى الدولية لمصلحة واشنطن وحلفائها في الغرب، في أمريكا وأوروبا، وفي العالم بأسره، كما تمكنت من منع أو ربما لجم التدخل العسكري الغربي، المباشر والكبير، في الأحداث أو المعارك السورية. كما تمكنت الدولة الروسية من ضرب الإرهاب الدولي،لا سيما الإرهاب التكفيري، في إطار الاستراتيجية التي أطلقتها لمحاربته بقصد مكافحته، ليس من داخل الدولة السورية وعلى امتداد مساحة إقليمها ومجالها الجغرافي فحسب، وإنَّما في أنحاء عدة وفي أماكن مختلفة من خارطة المنطقة والجغرافيا السياسية العالمية.
خاتمة: يشكل فوز الرئيس بشار الأسد بالانتخابات الرئاسية مؤخراً رسالة أقوى لأعداء ومعارضي الدولة الوطنية السورية أن يأخذوا بعين الاعتبار خيار الشعب السوري، الذي دعم الرئيس الأسد لأنَّه يجسد القرار الوطني والسيادي المستقل ،الأمر الذي يتطلب تشكيل حكومة سورية جديدة فعالة في البلاد، وطرح برنامج وطني متكامل في أقرب وقت،لا سيما تحرير المنطقة الشرقية من الاحتلال الأمريكي والميليشيات الكرية، وتحرير ماتبقى من محافظة إدلب من الاحتلال التركي و”هيئة تحرير الشام”الإرهابية ،و معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحادة، وكذلك إعادة إعمار البلاد،من خلال الاعتماد على الذات.
رغم أنَّ روسيا تُعَدُّ الجهة الأساسية التي تتولى جمع الأموال لإعادة الإعمار في سورية، من خلال تخصيصها مليار دولار لإعادة الإعمار، فإنَّها تعاني أيضًا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية – الغربية التي ألحقت أضرارًا بالغة بالاقتصاد الروسي،تمثلت في خسارة روسيا 50مليار دولار سنويًا، وتراجع كبير في معدل النمو الاقتصادي، لذلك، تحرص روسيا على التوصل إلى تسوياتٍ مع أمريكا و الاتحاد الأوروبي لتخفّف من حدّة الحصار الاقتصادي على البلاد، فضلًا عن تجنّب سباق تسلح نوويٍّ جديد مع واشنطن سيكون مكلفًا جدًا بالنسبة إلى روسيا.
في هذه الوضعية الصعبة بات على الحكومة السورية الاعتماد على رؤوس الأموال الدياسبورا السورية المغتربة والغنية الموجودة في الدول الخليجية والدول الغربية من أجل إعادة إعمار البلاد في ضوء الرفض الغربي والأممي،لكنَّ هذايتطلب إعادة بناء الدولة الوطنية السورية كدولة قانون قائمة على المؤسسات،واعتماد نموذجٍ جديدٍ للتنمية المستقلة ، ومحاربة الفساد، إضافة إلى الاعتماد على الذات على غرار بلدان جنوب شرقي آسيا ، والتخلص من “رأسمالية الخلان” أو الليبرالية الجديدة التي طبقها عبد الله الدردري في سورية،وخدمتْ في المحصلة النهائية مصالح طبقة “البورجوازية الجديدة” التي تكونتْ في كنفِ السلطة ،وجمعتْ ثرواتها بآليات “تراكم أولي” تتجاوز “الفساد” إلى وضع اليد والنهب المباشر للموارد الوطنية والتهريب العلني وتصنيع قوانين على قياس متمولين نافذين والاطلاع المسبق وغير المشروع على معلومات ثمينة (قرارات حكومية، مشاريع قوانين…)..
لِقَدْ أَسْهَمَتْ ” الدَرْدَرِيَّةُ” فِي تَحْرِيرِ الْاِقْتِصَادِ بَيْنَمَا ” الْبُورْجُوَازِيَّة الْجَدِيدَة” حُرَّة وَمَحْمِيَّة مِنْ قبلِ الدَّوْلَةِ بالذات، وَفِيمَا مُكَوِّنَات الْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ، بِمَا فِيهَا النِّقَابَاتِ الَّتِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنَّ تَكونَ الْمُدَافِعَة الْأولَى عَنْ كُلِّ الْعَامِلِينَ فِي مُخْتَلِفِ الْقِطَاعَاتِ الْاِقْتِصَادِيَّةِ مَشْلُولَةً، وَغَيْرَ فَاعِلَةٍ.
وَمِنِ الْبَديهِيِّ فِي ظَلَّ مَوَازِين قُوَى اِجْتِمَاعِيَّةِ كَهَذِهِ أَنَّ تَكُونَ نَتَائِجِ التَّحْرِيرِ مُحَابِيَةً بِإِفْرَاطٍ لِلْأَقْوِيَاءِ، وَاِزْدِهَارٌ لِلْفَسَادِ وَالْمَحَاسِيبِيَّةِ، وَاِرْتِفَاعٌ لِلْبِطَالَةِ وَالْفَقْرِ، هَذَا فَضْلًا عَنْ تَخَلُّفٍ تِكْنُولُوجِيِّ مُتَرَاكِمِ، بِقَدْرِ مَا هِي مُقَوِّضَةٌ لِمَوَاقِعِ الْفِئَاتِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ الْأَضْعَفِ وَالْأَدْنَى حِمَايَة.
تحتل سورية مكانًا مهمًا على طريق التجارة الدولية الممتدة من الصين إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، لتواصل الرحلة برًّا إلى أوروبا عبر تركيا ، أوْ بحرًا عبر موانىء سورية وأرضها بلاد الشام ،وبذلك تشكل سورية قلب المنطقة العربية الذي يشكل جسر اتصال ما بين آسيا وأوروبا، وما بين آسيا وإفريقيا. فسورية بلد غني بالثروة الزراعية ,والنفط و الغاز وألماس والذهب والعديد من الثروات الباطنية المهمة، لعل أهمها ثروة باطنية مغفلة وهي (السيلكون)، والحال هذه يمكن للدولة الوطنية السورية أن تنخرط في مبادرة الحزام أوطريق الحرير الصينية من خلال تعميق العلاقات الاستراتيجية الصينية- السورية عبر توقيع اتفاقية استراتيجية طويلة المدى مع الصين لإعادة إعمار سورية وفق نموذج الحداثة الصينية في مجال البنية الاقتصادية و التكنولوجية الجديدة ،على نحو ما أبرزته خبرة المبادرة حتى الآن من اهتمام صيني ملحوظ بسورية ، بشكل عام، وبالممر الاقتصادي “الصين –إيران –سورية “، بشكل خاص، والذي يحظى باهتمام صيني ملحوظ في إطار المبادرة.

مركز الدراسات الآسيوية والصينية