النزاع اللبناني الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية بين القانون الدولي والسياسة

النزاع اللبناني الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية بين القانون الدولي والسياسة

 

بقلم: زيد فهيم العطاري

الــمقدمة:

يعلم الجميع بأن القانون الدولي، قد جاء بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين، وسعياً لمنع حدوث النزاعات المسلحة، وحلها وعدم وصول النزاعات الأخرى التي قد تنشأ بين الدول إلى مرحلة الصِدام المسلح.

ومنطقة البحر المتوسط وخاصة الجزء الشرقي منها، تعد منطقة ساخنة تعجُ بالخلافات بدءاً من وجود إسرائيل، والتي تعد في حالة حرب مع العديد من الدول ومنها سورية ولبنان، ولايتوقف الأمر عند الجانب الإسرائيلي فهناك أيضاً الخلاف التركي القبرصي الذي شهد احتداماً في الرسائل والأزمات خلال العقدين الماضيين.

بالتركيز على الجانب اللبناني وصراعه مع الجانب الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية في مياه المتوسط تُحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على دور القانون الدولي العام وتوضيح فرص تطبيقه والآليات المتاحة للحيلولة دون وصول النزاع اللبناني الإسرائيلي إلى طريقٍ مسدود، خاصة أن النزاع بين الجانبين يتعلق بالموارد الطبيعية التي يعتبر المتوسط منطقة زاخرةً بها.

تحاول الدراسة الإشارة إلى الأهمية الجيوسياسية لشرق البحر المتوسط ومدى أهمية هذه المنطقة وضرورة حفظ أمنها وسلامها، كما تنطلق الدراسة إلى توضيح آلية ترسيم الحدود البحرية ودور ترسيم الحدود البرية وأهميته في الحالة اللبنانية.

إضافة إلى ما سبق تحاول الدراسة توضيح حيثيات النزاع اللبناني الإسرائيلي و دور القانون الدولي وفرصه في تسوية النزاع اللبناني الإسرائيلي من خلال الوساطة أو غيرها من أدوات تسوية النزاعات السلمية، مع التركيز على جهود الوساطة التي تولتها الولايات المتحدة الأمريكية. برعاية الأمم المتحدة، وما يوجهها من تحديات.

الأهمية الجيوسياسية لشرق البحر المتوسط  

من المعروف أن منطقة شرق البحر المتوسط شهدت وعلى مدار العقود الماضية، العديد من الاضطرابات السياسية بين دوله، إضافة إلى أن العقد الفائت قد شهد اكتشافاتٍ واسعة لحقول الغاز قبالة سواحل مصر وقبرص والكيان الإسرائيلي، وما تزال احتمالية المزيد من الاكتشافات واردة بقوة، وقد قدرت هيئة المسح الجيولوجي الامريكية أن حوض بلاد الشام يضم على الأرجح متوسط 122 ترليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج، كما أن هناك احتمال قوي بأن يصبح شرق البحر المتوسط منطقة ساخنة للطاقة، إلا أن هناك تحديات كبيرة توجاه عمليات الاستفادة من هذه الموارد ومنها كلفة الاستخراج المرتفعة، عدم كفاية البنية التحتية، محدودية الأسواق المحلية وكذلك التوترات الجيوسياسية.

في محاولة لتذليل هذه التحديات قامت عدة دول في المنطقة بتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط الذي أعلن عنه في القاهرة عام 2019 وأصبح منظمة حكومية دولية مقرها القاهرة في العام 2020 تضم كل من مصر، قبرص، اليونان، الكيان الإسرائيلي، ايطاليا، الأردن وفلسطين.، وقد غاب عن هذا المنتدى كل لبنان، سورية وتركيا وبالتركيز على الجانب اللبناني فقد تمت دعوته للإنضمام للمنتدى في أكثر من مناسبة إلا أن الرفض اللبناني جاء بسبب وجود إسرائيل[1].

لبنان شأنه شأن بقية دول المتوسط يسعى للاستفادة من حقول الغاز في مياهه ففي العام 2018 أعلن وزير الطاقة والمياه اللبناني أن البحث عن أول الاحتياطيات من النفط والغاز قد بدأت بعد منح السلطات موافقتها على خطة التنقيب من خلال شركات توتال الفرنسية، وإينى الإيطالية، ونوفاتك الروسية[2].

إن الخلاف اللبناني الإسرائيلي على ترسيم الحدود والمسائل المرتبطة بحقول الغاز في شرقي المتوسط ليس الأول فهناك خلافات ثنائية قد سبقته وكادت أن تؤدي غلى مواجهات مسلحة كالخلاف التركي القبرصي، الأمر الذي يدل على أن الصراع على الغاز في شرقي المتوسط يتداخل فيه البعد الاقتصادي والبعد العسكري مما يجعل الصراع أكثر تعقيداً، ويطرح العديد من الأسئلة حول مستقبل المنطقة في ظل تعدد اللاعبين الدوليين الذين تتضارب مصالحهم بدرجة كبيرة ويجعل أهمية الاحتكام للقانون الدولي ضرورية لتسوية أي نزاعات إن تفاقمت ستؤثر على استقرار المنطقة[3].

ترسيم الحدود البحرية

في القانون الدولي تعتبر إتفاقية قانون البحار المُبرمة سنة 1982 هي الناظم لمسألة ترسيم الحدود البحرية بين الدول، وقد وُقعت في جامايكا ودخلت حيز التنفيذ سنة 1994.

توضح الإتفاقية مساحاتٍ معينة فيما يتعلق بالحدود البحرية يتوضح من خلالها مقدار السيادة التي تفرضها الدولة أول هذه المساحات المياه الإقليمية والتي تمتد إلى 12 ميلاً من نقطة الأساس، حيث تحسب من أخر نقطة من اليابسة تنحسر عنها المياه وتمارس الدولة سيادتها على هذه المنطقة باعتبارها جزءً من أقليمها، هنالك أيضاً المنطقة المتاخمة والتي تمتد على بعد 24 ميلاً من نقطة الأساس ، أي 12 ميلاً من نهاية المياه الإقليمية، وتطبق الدولة في المنطقة المتاخمة قوانينها في الخاصة بالضرائب والجمارك والهجرة والصحة أو مكافحة التلوث، يعقب المنطقة المتاخمة ما يُعرف بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والتي حددتها اتفاقية قانون البحار بـ 200 ميلٍ بحري تبدأ من نقطة الأساس، وللدولة في هذه المنطقة حق استكشاف واستغلال الموارد الطبيعة الحية وغير الحية، يُذكر أنه من حق الدول المتشاطئة التي لا يصل فيها عرض البحر للمسافات التي يحددها القانون الدولي أن تقسم المنطقة الاقتصادية استناداً لخط المنتصف بينها، وما يأتي خارج المياه الاقليمية والاقتصادية يعتبر مياهاً دولية تتساوى فيها الدول في حقوقها[4].

وتشتمل الإتفاقية الموضوعات المتعلقة بإستثمار البحار والمحيطات، والسيادة وحقوق استخدام الموارد البحرية والملاحة، وفيما يتعلق بالسيادة البحرية فقد قسمت الإتفاقية المناطق البحرية إلى مياه داخلية، البحر الإقليمي، المنطقة المتاخمة، المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

إن ترسيم الحدود البحرية للدول ذات السواحل المتلاصقة أو ذات السواحل المتقابلة بشكلٍ أحادي كما لا يجوز أن تقوم أي دولة بمد حدودها لأبعد من الخط الفاصل بينها وبين الدولة الملاصقة أو المقابلة، كما لا يحق لأي دولة أن تقوم بتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة والبحر الأقليمي والجرف القاري إلا بالاتفاق مع نظيراتها من الدول المقابلة أو الملاصقة لها.[5]

بدايةً لابد من التذكير بأن المادة 2/3 من ميثاق الأمم المتحدة أكدت على ضرورة فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية على وجهٍ لا عرض الأمن والسلم الدوليين للخطر، كما نصت إتفاقية قانون البحار في المادة 279 على تسوية الدول الأطراف لأي نزاع بينها بالطرق السلمية وهذه الطرق وفق ما نص عليها ميثاق الأمم المتحدة في المداة 33 هي التفاوض، التحقيق، الوساطة، التوفيق، التحكم والتسوية القضائية. أو أن يتم اللجوء للوكالات والمنظمات الأقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.

يُشار إلى أنه لا يجوز إجبار أي طرف على وسيلةٍ سلميةٍ بعينها لتسوية النزاع وفقاً للمادة 280 من إتفاقية قانون البحار التي تنص على ما يليك ليس في هذه المادة ما يُخل بحق أي من الدول الأطراف في أن تتفق في أي وقت على تسوية نزاع بينها يتعلق بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها، بأية وسيلة سلمية من اختيارها.

الألية السلمية التي اختارتها كل من لبنان وإسرائيل هي الوساطة والتفاوض غير المباشر والتفاوض هو الخطوة الأولى في طريق تسوية المنازعات ويٌقصد به تبادل الأراء والمقترحات بين طرفي النزاع للوصول إلى اتفاق لإنهاء أسباب النزاع بينهما، وقد تكون المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، كما أن دور التفاوض ليس مقتصراً على إيجاد حل للنزاع بل يمكن أن يكون وسيلة لوضع قواعد وإجراءات لتحكم المنازعات التي يُتوقع نشوبها مستقبلاً، أما الوساطة فهي سعي دولة أو مجموعة دول تمتلك ثقلاً سياسياً للوصول إلى حل للنزاع القائم بين دولتين عبر إشراكهما في مفاوضاتٍ لتقريب وجهات النظر بين الدول المتنازعة[6].

النزاع اللبناني الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية

عند الحديث عن ترسيم الحدود البحرية بين الدول لابد من التطرق إلى نقطة الحدود البرية الأولى بين أي دولتين فمن خلال هذه النقطة يتم ترسيم الحدود وتحديد المياه الأقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

في الحالة اللبنانية الإسرائيلية فإن مسألة ترسيم الحدود البرية والصراع حولها، أدى إلى تفاقم الصراع على ترسيم الحدود البحرية، خاصة مع اكتشافات حقول الغاز في المتوسط والتي تحمل أهمية استراتيجية للطرفين، بالعودة إلى النزاع اللبناني الإسرائيلي فإن بداياته ظهرت مع إنطلاق مسار ترسيم الحدود البرية، في العام 1949 اعتمد كل من لبنان وإسرائيل عند توقيع إتفاق الهدنة بينهما الخط الفاصل الذي رسمه الانتداب البريطاني والفرنسي عام 1923 كخطٍ للحدود الدولية بينهما، مع تطور الأحداث السياسية واحتلال إسرائيل لجنوب لبنان، وخروجها منه عام 2000 قامت الأمم المتحدة برسم ما يُعرف بالخط الأزرق، كخط حدودي فاصل بين لبنان وإسرائيل من جهة ولبنان وهضبة الجولان من جهةٍ أخرى، إذاً أصبح هناك خطين  حدوديين، وأخذ على الخط الأزرق أنه استند في تحديده على خارطة بمقياس رسم صغير وضعتها بريطانيا وفرنسا وقد اعتُمد على علامات جغرافية محلية كالشوارع وصخور ووديان، علامات تغيرت ملامحها  بسبب الاحتلال الإسرائيلي.

لبنان تعامل مع الخط الأزرق بوصفه خطاً للانسحاب، أما الجانب الإسرائيلي فقد اعتبره خط حدودٍ نهائي. إذاً فالخلاف على النقطة الحدودية البرية الأولى لعب دوراً أساسياً في الخلاف على تحديد الحدود البحرية، علاوة على أن الطرفين يُعتبران في حالة حرب مما يجعل الملف  أكثر تعقيداً[7].

حتى يتمكن لبنان من استثمار موارد المتوسط فعليه الإتفاق مع الدول المحيطة به لترسيم الحدود البحرية ففي العام 2007 أعلنت كل ممن لبنان وقبرص عن التوصل لإتفاق لترسيم الحدود، ويُشار إلى أن الدولتين هما من الدول الموقعة على إتفاقية قانون البحار، ومن أبرز ما تضمنه الإتفاق اللبناني القبرصي أن يبلغ ويستشير كل طرف الأخر في أية خطوة من شأنها التأثير على الإحداثيات المتفق عليها بين الجانبين سواءً كانت هذه الخطوة لغايات إجراء تعديل على هذه الإحداثيات أو بسبب التفاوض مع طرف ثالث.

صادقت قبرص على الإتفاقية مع لبنان، إلا أن الأخير لم يقم بالمصادقة وقامت الحكومة اللبنانية بتشكيل لجنة لإعادة دراسة الإتفاق الموقع مع قبرص وترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، وفي العام 2009 وضعت لبنان الحدود بشكل منفرد نظراً لتعذر التفاوض مع إسرائيل وسورية في تلك الفترة.

في العام 2010 توصلت قبرص إلى إتفاق لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع إسرائيل ، معتمدةً في هذا الترسيم على إحدى الإحداثيات التي وردت في الإتفاق مع لبنان، الأمر الذي أدى إلى دخول إسرائيل بمساحة تُقدر 860 كم2 داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان والتي كانت قد أعلنت عنها، قامت لبنان بالاعتراض لدى الأمم المتحدة مطالبة الجانب القبرصي بإجراء التعديلات التي تحفظ حقوق لبنان في منطقته الاقتصادية الخالصة، حيث أنه لم يُستشر وفق ما ينص عليه الإتفاق بين الجانبينن في حين رد الجانب القبرصي أن على لبنان التفاوض وتسوية إشكاليتها مع الجانب الإسرائيلي كونها لم تصادق على الإتفاق.[8]

قامت لبنان بمحاولة التدارك حيث أنه ونظراً لعدم مصادقتها على الإتفاقية مع قبرص فهي غير ملزمة بما جاء فيها من ترسيمٍ حدودي للمنطقة الاقتصادية الخالصة، فأصدرت المرسوم رقم 6433 سنة 2011 والذي أعطى لبنان مساحة إضافية تُقدر بحوالي 863 كم2 زيادة عما كانت قد نصت عليه الإتفاقية مع قبرص، وتم إرسال المرسوم إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة ليعلمها بحدود منطقته الاقتصادية الخالصة التي رسمها استناداً لإتفاقية قانون البحار لسنة 1982، وهناك العديد من الملاحظات التي تجدر الإشارة إليها فيما يتعلق بالمرسوم اللبناني الصادر سنة 2011 وهي:

  • قام الجانب اللبناني برسم خط حدود منطقته الجنوبيّة من النقطة 18 قرب الشاطئ الى النقطة 23 واختار النقطة 18 بعيدة عن الشاطئ لمسافة تتعدى 28 م دون سندٍ قانوني ما يجعل قانون الخط (18-23) خطاً ضعيفاً لا يستند على حجة قانونية تُتيح الدفاع عنه.
  • لم تُظهر الخريطة المرفقة بالمرسوم 6433 حدود لبنان الدولية مع ​فلسطين المحتلة​، وذلك في صالح الجانب الإسرائيلي الذي يريد التنصل من اتفاقية بوليه نيوكمب وهي إتفاقية بريطانية فرنسية تم توقيعها عام 1920 بين الحكومتين البريطانية والفرنسية توضح طبيعة الحدود بين الانتدابين.
  • أرفق مع المرسوم خارطة يظهر عليها اسم «إسرائيل» بدلاً من ​فلسطين​ الأمر الذي يعد اعترافاً لبنانياً وبوثيقة رسمية لبنانية بدولة إسرائيل خلافاً للموقف اللبناني الرسمي ولِما يسعى لتأكيده[9].

إن قيام كل طرف بترسيم حدوده بشكلٍ منفرد أدى إلى وجود منطقة متنازع عليها في المتوسط تحتوي على موارد طبيعية من النفط والغاز، ونشوب أزماتٍ سياسية، خاصة وأن ملف الحدود البحرية يعد ملفاً في غاية الأهمية لما ينطوي عليه من أثار اقتصادية في ظل ما يحتوي المتوسط من موارد يطمح كل طرف للسيطرة على أكبر قدرٍ منها، إضافة إلى ان الجانب الإسرائيلي يبرز كطرف من الأطراف ذات الصلة، الأمر الذي يزيد الملف تعقيداً فالجانب الإسرائيلي في حالة حرب مع الجانب اللبناني ومسألة توقيع معاهدة ترسيم حدود بينهما تدخل في خانة الاعتراف بإسرائيل وهو ما تحاول لبنان التأكيد على عدمه، وإن أضطرت لذلك لاحقاً.

من جهةٍ اخرى فإن عدم مصادقة لبنان على الإتفاقية مع قبرص وترسيم الحدود بالشاكلة التي حدثت قد يكون خطأً لبنانياً، فالجانب القبرصي لم ينتظر لبنان لتصادق على الإتفاقية، وقد استثمر الخطأ اللناني في عملية الترسيم وعدم المصادقة للتملص من التزامه بالتشاور وأخذ موافقة الجانب اللبناني عند توقيعه لإتفاقية مع إسرائيل حفاظاً على مصالحه والمصالح الإسرائيلية.

فيما يتعلق بالمنطقة البحرية المتنازع عليها بين كل من لبنان وإسرائيل فهي ما يُعرف بالمربع 9 والذي تبلغ مساحته 860 كم2 ويقع على امتداد  ثلاثة مجمعات بحرية من المجمعات البحرية العشرة في لبنان.

كانت بداية المربع 9 في العام 2009 حين اكتشفت شركة نوبل الأمريكية كميات كبيرة من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر المتوسط، والصراع اللبناني الإسرائيلي هو على المجمعات 8 و9و10، وتُقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتويه الجزء المتنازع عليه بقُرابة 96 تريليون قدم مكعب، وهذه الثروة الطبيعية يمكنها مساعدة لبنان على خفض مديونيته التي بلغت حتى نهاية 2017 نحو 77 مليار دولار، وهو أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم، ناهيك عن أن هذا الاحتياطي يمكنه أن ينقذ لبنان مما تعانيه من إنهيارٍ اقتصادي[10].

القانون الدولي العام وتسوية الصراع اللبناني الإسرائيلي

ما إن ثار النزاع اللبناني الإسرائيلي حول مسألة المتوسط والمحاصصة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، حتى بدأت التساؤلات حول دور وتأثير القانون الدولي في حل وتسوية هذه الأزمة، خاصة وأن الجانبان اللبناني والإسرائيلي في حالة حرب، بالتالي فالتمسك بالقانون الدولي لحفظ الأمن والسلم الدوليين يعد أولوية في ظل الصراعات الدولية التي قد تنشأ بين أطرافٍ تعيش حالة حرب فيما بينها.

بما أن البحر المتوسط يعد بحراً شبه مغلق والمادة 123 من إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على الأتي ينبغي أن تتعاون الدول المشاطئة لبحر مغلق أو شبه مغلق فيما بينها في ممارسة ما لها من حقوق وما عليها من واجبات بمقتضى هذه الإتفاقية وتحقيقاً لهذه الغاية تسعى مباشرةً أو من خلال منظمة إقليمية مناسبة لما يلي:

  • تنسيق إدارة الموارد الحية للبحر وحفظها واستكشافها واستغلالها.
  • تنسيق إعمال حقوقها وواجباتها فيما يتعلق بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها.
  • تنسيق سياساتها المتعلقة بالبحث العلمي والقيام حيثما يقتصي الأمر ببرامج مشتركة للبحث العلمي في المنطقة.
  • دعوة غيرها من الدول والمنظمات الدولية المهتمة بالأمر، حسب الاقتضاء للتتعاون معها في العمل على تدعيم أحكام هذه المادة.

إن تطبيق بنود هذه المادة من جانب كل من إسرائيل ولبنان، يعد مستحيلاً لكون الجانبين في حالة حرب، وما تحتويه المادة من بنود تستلزم علاقات طبيعية بين الدول، كذلك فإن تطبيق القانون الدولي بالاعتماد على المفاوضات المباشرة أو التوفيق أو التحكيم أو رفع القضية للمحكمة الدولية لقانون البحار، أو اللجوء لمحكمة العدل الدولية يبدو غير وارد، خاصة وأن إسرائيل لا تعترف بولاية محكمة العدل الدولية القضائية كما أنها ليست عضواً في إتفاقية قانون البحار، وفي هذا السياق يُشار إلى أن اتفاقية قانون البحار تعد من الإتفاقيات الشارعة التي تُلزم الأطراف الموقعة وغير الموقعة بها.

من جهة أخرى فإن الاستعانة وطلب الحماية من بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان “اليونيفيل” غير ممكن ما لم يتم تعديل التفويض الممنوح لها[11].

في إطار البحث عن حلولٍ للنزاع اللبناني الإسرائيلي من خلال مظلة القانون الدولي، اللجوء لمحكمة العدل الدولية من جانب لبنان لتسوية نزاعها الحدودي مع قبرص مما يضطر الكيان الإسرائيلي لطلب التدخل، في النزاع، إلا أن رأياً فقهياً يُفيد أنه وفي حال قبول لبنان بمقاضاة إرسائيل أمام هذه المحكمة التي لا تقبل إلا بالدول للتقاضي أمامها، أن ينتج ذلك اعترافٌ لبناني بإسرائيل واعتبارها دولة[12].

الوساطة كأداة لتسوية النزاع اللبناني الإسرائيلي

بالعودة إلى الوساطة التي كانت الحل الذي رأى الجانبان اللبناني والإسرائيلي بأنه الآلية الأفضل للتوصل لإتفاق فقد بدأت في العام 2012، حيث كان هناك أربعة محاولات أمريكية وهي

  • جهود فيريدريك هوف المبعوث الأمريكي الذي اقترح تقسيم المنطقة المتنازع عليها بشكل مؤقت بنسبة الثلثين لصالح لبنان والثلث لصالح إسرائيل، أي أن تحصل إسرائيل على 360 كم2 من أصل 860 كم2 مجموع المنطقة مثار النزاع بين الجانبين وقد رفض الجانب اللبناني هذا المقترح[13].
  • جهود أموس هوشتاين مساعد وزير الطاقة الأمريكي في العام 2013 اقترح رسم خط أزرق بحري مؤقت على غرار الخط الأزرق البري، مع اشتراط بقاء المنطقة المتنازع عليها والملاصقة للخط من الجانبين خارج عمليات التنقيب والاستكشاف إلى أن يتم ترسيم الحدود بشكلٍ نهائي، ولم يؤخذ هذا المقترح لأن لبنان في ذلك الوقت كانت تطالب الأمم المتحدة بلعب دورٍ في رسم الحدود.
  • في العام 2019 جاء مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد ستارفيلد حيث بدأت هذه المرحلة بخطوة أولية تتناول التفاوض على آلية التفاوض، وقد الجانب اللبناني مقترحاً مفاده تلازم مساري ترسيم الحدود البرية والبحرية، وأن تُجرى المفاوضات برعاية أممية ودعمٍ أمريكي في مقر قوة الأمم المتحدة (اليونيفيل) في الباقورة جنوب لبنان، وكذلك عدم تحديد فترة زمنية للمفاوضات. الجانب الإسرائيلي أراد مفاوضاتٍ محددة بفترة زمنية مدتها 6 أشه، وأن تُقم في أوروبا أو الولايات المتحدة ، تقتصر على ترسيم الحدود البحرية، وقد شهدت هذه المرحلة تطوراً في مسار الوساطة ظهرت نتائجه في الخطوة التي تلتها في حزيران من عام 2019.
  • تسلم ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية الأمريكية الملف وأعلن في تشرين الثاني عن التوصل لإتفاق الإطار الذي يوضح ألية التفاوض على تسوية النزاع وذلك من خلال مفاوضات غير مباشرة بوساطة أمريكية ورعاية أممية في مقر بعثة الأمم المتحدة في الناقورة، وقد إتُّفق على فصل بحث الحدود البرية عن البحرية[14].

مع التحضير لجولات التفاوض كان التأكيد على أنها مفاوضات تقنية، وتولى الجيش اللبناني مهمة تمثيل لبنان في المفاوضات غير المباشرة، خلال جولات التفاوض الثلاث التي وصلت إلى مرحلة عرض الخرائط وتبادل الاراء، وقد رفع الجانب اللبناني المساحة التي يطالب بها بزيادة 1430 كم2 على المساحة المتنازع عليها وهي 860 كم2 ، وقد أصدر الجانب اللبناني مرسوماً برفع سقف المطالب اللبنانية، إلا أن عدم توقيع الرئيس اللبناني على المرسوم، اعتبره الجاناب الأمريكي رغبة في استئناف واستمرار التفاوض، وفقاً لما كان سابقاً،خاصة وأن الوسيط الأمريكي قد أبدى انزعاجاً نتيجة قيام الجانب اللبناني بتوسيع المساحة التي يطالب بها[15].

عادت المفاوضات غير المباشرة بعد توقفٍ استمر قرابة ستة أشهر، مع استمرار تمسك الجانب اللبناني بالمساحة الجديدة التي حددها والتي تُقدم بـ 2200 كم2،ومن أبرز النقاط الخلافية في مسألة ترسيم الخطوط، ما يسمى صخرة تخليت او جزيرة تخليت فالجانب الإسرائيلي يطالب بمنحها كافة المساحات البحرية التي تُمنح للجزر من مياه اقليمية ومنطقة ملاصقة ومنطقة اقتصادية خالصة في حين يرفض الجانب اللبناني الاعتراف بهذه الجزيرة.

“تخليت” تبعد حوالي 800 متر عن رأس الناقورة وبموجب القانون الدولي لا تعدو كونها صخرة فمحكمة التحكيم الدولي أفادت بأن الصخرة لا تتكون فقط من الحجارة بل قد تتكون من مواد أخرى، كذلك يجب أن تؤخذ بالمعنى الواسع وليس بالمعنى الجيولوجي، من جهةٍ أخرى فحتى تؤخذ تخليت بنظر الاعتبار يجب أن تكون مأهولة أو تقوم بها حياة اقتصادية حقيقية، بمعنى أن اي عنصر بحري لا يستطيع استقبال نشاط اقتصادي أو سكن بشري لا يمكن أن يكون له منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري. والسكن البشري يعني أن يسمح المكان لإقامة مجموعات اجتماعية منتظمة وأن يكون مناسباً لتلبية حاجات الأفراد، أما النشاط الاقتصادي أن يكون للسكان القدرة على الاعتماد على أنفسهم والقيام بنشاط اقتصادي مستقل لا يقوم فقط على النشاط الاستخراجي[16].

المادة 221 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص في البند رقم 3 بوضوح أنه ليس للصخور التي لا تهييئ استمرار السكنى البشرية أو استمرار حياة اقتصادية خاصة بها، منطقة اقتصادية خالصة أو جرف قاري.

الشكل رقم (1) خارطة خطوط الحدود البحرية المتداولة سابقاً وفي الوقت الراهن بين لبنان و”إسرائيل”[17]

يحاول الوسيط الأمريكي والجانب الإسرائيلي التمسك بالترسيم الذي اعتمد في الخريطة المرسلة للأمم المتحدة، معتبرين أن المساحة الجديدة التي يتحدث عنها الجانب اللبناني تغيرٌ في الوضع الذي انطلقت منه المفاوضات غير المباشرة وهو ما يعد مخالفاً لشروط التفاوض، في حين يشار بأن البند الثالث من المرسوم الذي أرسل للأمم المتحدة يتيح أمكانية تعديل هذه الحدود في حال ظهور أي معطيات ميدانية وتقنية تساهم في بعض التغيرات وهذا البند يتمسك به الجانب اللبناني[18].

إذاً فإن أبرز الإشكاليات والتحديات التي تواجه المفاوضات غير المباشرة في الفترة القادمة تتلخص بالتالي:

  • التفاوض وفقاً للمساحة الجديدة التي اعتمدتها لبنان والتي تُضيف 1430 كم2 من الحدود البحرية.
  • إشكالية دستورية وقانونية لبنانية تتعلق بتعديل المرسوم السابق وإرساله لتسجيله في الأمم المتحدة.
  • التخوف من الضغوط التي يمكن أن تُمارس على لبنان بالضغط على القادة السياسيين في ظل ما تعيشه من أزماتٍ سياسية واقتصادية، إضافة للمخاوف من عدم نزاهة الوسيط الأمريكي خاصة وأن التجارب السابقة للدور الأمريكي في الصراع العربي الإسرائيلي كان مليئةً بالإنحياز الأمريكي لصالح الكيان الإسرائيلي[19].

الخاتمة:

إن النزاع اللبناني الإسرائيلي على ترسيم الحدود البحرية، يعد مصلحة دولية وليس فقط للجانبين اللبناني والإسرائيلي، فمع تأسيس منظمة غاز شرق المتوسط، ودعوة لبنان المتكررة للإنضمام اليها يتضح بأن وساطاتٍ دولية أخرى قد تشهدها جهود تسوية هذا الملف للتسريع في ترسيم الحدود، حيث أن من النقاط ذات الأولوية التي تسعى اليها مختلف الاطراف هو الوصول إلى تسوية في أسرع وقت بهدف المُضي قدماً في عمليات التنقيب، ومعرفة حصة كل طرفٍ من موارد أعماق شرقي المتوسط، كما أن الإتفاق قد يؤدي إلى انضمام لبنان لهذه المنظمة.

إن التأكيد على أن المفاوضات فنية وتكليف الجيش اللبناني بهذه المهمة ممثلاً للبنان في هذه المفاوضات هو محاولة لتأكيد ذلك، مما يعني الحاجة للمزيد من الخبراء الدوليين لتطبيق القانون الدولي للبحار والفصل في الخلاف والاختلاف في وجهات النظر بين الجانبيننن وإحداث مرونة في المواقف، إضافة إلى أن الخلافات الدولية حول ترسيم الحدود، وخاصة تلك التي التي تؤثر في الأمن والسلم الدوليين، كما هو الحال في شرق المتوسط يستدعي إبرام إتفاقياتٍ جاميعة لترسيم الحدود بحيث تكون ملزمة لأطرافها.

إن التفكير بآليات وأدوات الإلازام في القانون الدولي من شأنه التعجيل في تسوية النزاعات الدولية، ففي ظل عدم التزام الجانب الإسرائيلي بما يصدر عن محكمة العدل الدولية على الرغم مما تتمتع به في القانون الدولي، فتح الباب أمام الحث عن أليات الوساطة والتفاوض الذي قد يستغرق وقتاً أطول، كما أن الخشية من غياب الوسيط النزيه يستعدي تعزيز دور المنظمات الدولية بحيث تلعب دور الوسيط وليس فقط الاقتصار على رعاية جهود الوساطة.

على الصعيد اللبناني فإن الأزمات الداخلية التي عصفت بلبنان، وما يعيشه من طائفيةٍ سياسية قد أدى إلى وقوع صانع القرار بالعديد من الأخطاء التي من شأنها إضعاف الموقف اللبناني وزيادة الضغوط عليه، والتأخر في معالجة إشكالية المرسوم الخاص بترسيم الحدود المودع لدى الأمم المتحدة يظهر ذلك.

الهوامش:

[1] سكرية، منى، منتدى غاز شرق المتوسط: التعاون الإقليمي وسط تضارب المصالح، موجز فبراير 2021،  معهد حوكة الموارد الطبيعية

[2] الموقع الالكتروني لصحيفة اليوم السابع، تم الولوج بتاريخ 9/5/2021

[3] نرش، بشار، غاز المتوسط وأبعاد الصراع في الشرق الأوسط، 10/2/2020 الموقع الالكتروني لشبكة الجزيرة، تم الولوج بتاريخ 9/5/2021

[4] اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

[5] السيادة البحرية اللبنانية والقانون الدولي العام.(2016)، مجلس النواب اللبناني، ص 2

[6] المختار، ياسر عباس، (2016)، المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة والمنازعات الدولية المتعلقة بالإنشاء والتحديد. رسالة جامعية، جامعة الشرق الأوسط، ص 92-93

[7] إتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود: دلالات التوقيت  وطريقة الإعلان  (2020)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص2

 [8]باكير، علي حسين، (2020)،  رقعة الشطرنج اللبنانية الإسرائيلية النزاع على الحدود والغاز، مركز الجزيرة لللدراسات، ص2-4

[9] حطيط، أمين، المرسوم 6433 / 2011 جريمة بحق لبنان والتمسّك به جريمة أكبر، موقع النشرة الألكتروني، تم الولوج بتاريخ 10/5/2021

[10] “البلوك 9”.. نزاع النفط بين لبنان وإسرائيل، (2018)، الموقع الالكتروني لشبكة الجزيرة، تم الولوج بتاريخ 7/5/2021

[11] بارير، فيسلتي ، أحمد، علي، (2018)، تطوير قطاع النفط والغاز في لبنان والعوامل الجيوسياسية، معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت

[12] مجلس النواب اللبناني، مرجع سابق، ص6

[13] المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. تطبيع أم استعادة للحقوق وهل تقبل بيروت بالحل الأمريكي الذي رفضته سابقاً؟، موقع عربي بوست الألكتروني ، تم الولوج بتاريخ 10/5/2021

[14] باكير، علي حسين، مرجع سابق، ص5

[15] شقير، وليد، هيل يطلق مخرجا لتفاوض لبنان وإسرائيل على حدودهما البحرية، موقع الأندبيندنت بالعربية، تم الولوج بتاريخ 10/5/2021

[16] طي، محمد،  صخرة «تخليت» لغم المفاوضات، 16/1م2021، الموقع الألكتروني لصحيفة البناء، تم الولوج بتاريخ 11/5/2021

[17] موقع Lebanon gas news  الألكتروني، تم الولوج بتاريخ 11/5/2021

[18] الجولة الخامسة من مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، الصفحة الرسمية لبرنامج اليوم على قناة الحرة، تم الولوج بتاريخ 11/5/2021

[19] الموقع الألكتروني لوكالة الانباء الروسية sputnik  عربي، تم الولوج بتاريخ 11/5/2021

قائــمة المراجع:

 

 

 

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية