سد النهضة طموحات اثيوبية ومخاوف سودانية

سد النهضة طموحات اثيوبية ومخاوف سودانية

 

 

د. عبدالمجيد عبدالرحمن أبوماجدة، كاتب وباحث سوداني

منذ زمن بعيد امدّ نهر النيل العظيم سكان اثيوبيا والسودان ومصر باكسير الحياة ونبضها ؛ ففي كل خريف تتدفق الفيضانات الهادرة من المرتفعات الاثيوبية إلي النيل وروافده ؛ غامرة الاراضي المنخفضة والخصبة لوادي النهر منذ قرون طويلة من خلال ذلك تعلّم المزارعون في الوديان والاراضي المنخفضة والمسطحة بانْ يحبسوا مياه الفيضانات المرتدة في احواض ضحلة ؛ ما يتيح الحصول على موسم زراعي طويل وفلاحة اكثر إنتاجية”*”.
إنّ نهر النيل هو اطول نهر في العالم يمتد حوالي (6650) كيلو متراً من منابعه الاولية في افريقيا الاستوائية إلي مصبه في البحر الابيض المتوسط ؛ فعندما يسير نحو الشمال يجمع النيل مياهه وينشره في عدة بلدان هي :
(بورندي – الكنغو – كينيا – رواندا – اثيوبيا – تنزانيا – اوغندا – السودان – مصر) يضم حوض النيل مساحة تقدر ب ( 3.350.000) كيلو متر مربع ايّ حوالي عُشر إجمالي مساحة ارض افريقيا ؛ وضمن هذه المساحة الشاسعة يوجد تنوع غير عادي من المناخات الواسعة والصحراء”*” .

إنّ كلّ واحدة من هذه المناطق تساهم بطريقتها الخاصة في الهيدرولوجيا الفريدة للنيل .
اصبح الماء اليوم ضروري بشكل غير مسبوق لصحة وبقاء الانسان لاجل الشرب والاستخدامات الاخرى والحفاظ على الصحة العامة ؛ وإنتاج الغذاء ووفقاً للبنك الدولي فإنّ المقدار الادنى للماء الذي يحتاج إليه الانسان لكي يبقى حياً ومعافى يبلغ (100- 200) لتر في اليوم”*”
إنّ اكبر حاجة إلي الماء بغض النظر عن الماء اللازم لاجل البقاء البشري الاساسي هي لاجل محاصيل الغذاء الضروري .
فالريّ لا يتيح المجال فقط لانتاج الغذاء في المناطق التي تتلقى قليلاً من ماء المطر كما في حالة (شمال افريقيا وجنوب غرب آسيا وجنوب غرب امريكا) بل يسمح ايضاً بمضاعفة عدد المحاصيل في المناخات المعتدلة .
إنّ حيازة الماء وحمايته طالما ينظر إليهما على انهما مهمة اساسية للحكومات في المناطق التي تكون فيها الإمدادات المائية محدودة .
إنّ المنطقة التي يتوجب فيها على الدول ان تتنافس فيها لاجل الوصول إلي إمدادات الماء الحيوية والتي يؤمن القادة فيها بانه يجب عليهم ألاّ يتخلفوا عن غيرهم في المنافسة هي من المرجح ان تكون منطقة ( مضطربةً) جداً خصوصاً إذا كان عدد السكان آخذاً في الارتفاع وإمداد الفرد من هذا المورد الحيوي آخذ في الهبوط .

إنّ الماء عندما يصبح نادراً بشكل متزايد يصبح موضع
(إشتهاء) الغير ويمكن أن يُطلق العنان للصراعات .
إنّ النيل الازرق (القاتم) اللون اقصر طولاً من شقيقه النيل الابيض لكنه يحمل حجماً اكبر من الماء .
إنّ النهر الذي ينبع من بحيرة (تانا) في اعالي جبال اثيوبيا الغربية يجتذب عدداً من الروافد قبل ان يندفع بسرعة الي السودان بعد ان يقطع مسافة (300) ميل نحو الخرطوم التي يلتقي فيها النيلان الازرق والابيض فيتحدان عند (مُقرن) النيلين ليشكلان نهر النيل (الخالد) .
إنّ النيل الازرق ونهر عطبرة الذي ينبع كذلك من الهضبة الاثيوبية يساهمان معاً بحوالي (72%) من التدفق الاجمالي للنيل”*” .
الطموحات الاثيوبية :
اثيوبيا دولة مهمة وجارة و(شقيقة) بالنسبة للسودان ويوجد بها مقر الاتحاد الافريقي واغلب المنظمات الاممية والاقليمية والدولية لها وجود فاعل ومكاتب دائمة بعاصمتها اديس ابابا
(الزهرة الجديدة) لو تتبعنا سير اتفاقيات مياه النيل التي قسم فيها المستعمر المياه بين السودان ومصر منذ إتفاقية 1929م وإتفاقية 1959م لم نجد اثيوبيا ضمن الدولتان اللتان قسمتا المياه وكانت في تلك الحقبة الدول المستعمرة هي سيدة الموقف في كل شيء من (الحقب الظلامية) التي نهبت فيها الدول الاستعمارية كل خيرات افريقيا بما في ذلك الرجال والذهب والاحجار الكريمة الاخرى و تعتبر فيها كل دول المنطقة رازحة تحت نير ووطأة الاستعمار البغيض”*” .

في عهد الحرب الباردة واستقلال اغلب دول المنطقة ورّث المستعمر هذه الدول رؤساء موالون له وبالتالي لم تشهد تلك الحقب الزمنية الاستقرار السياسي والاقتصادي بل ازدادت اضطراباً ادى الي عدم إستقرارها كما كان التنافس المحموم ايام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي ودول شرق اوربا من جانب وامريكا ودول غرب اوربا من الجانب الاخر في ابهى (تجلياته) ادى كذلك الي إستقطابات هنا وهناك خاصة في دول القارة الافريقية .

لم يكن الطموح الاثيوبي في إمتلاك المشروعات العملاقة ذات الاهداف الاستراتيجية وليدة اللحظة بل كان تخطيط مدروس منذ عهد الرئيس الاثيوبي الراحل ميلس زناوي مروراً برئيس الوزراء الاثيوبي السابق ديساليين حتى وصل الامر الي رئيس الوزراء الاثيوبي الحالي أبي احمد .
لم تكن البداية الاثيوبية في إنشاء السدود والخزانات وليدة بل كانت منذ العام 2002م بحيث بدات اثيوبيا بإنشاء سد (تكيزي) والذي تم تشييده على نهر عطبرة احد اهم روافد النيل الازرق الرئيسية وكانت تكلفة المشروع وقتها (224) مليون دولار وسعته التخزينية حوالي (9) مليار متر مكعب .
ثم جاءت المرحلة الثانية فسعت اثيوبيا إلي إنشاء عدد (5) سدود جديدة وعلى راسها سد (جايب3) على نهر اومو بتكلفة بلغت (1.6) مليون دولار وهذا السد كاد ان يثير ازمة سياسية ودبلوماسية بين اثيوبيا وكينيا والذي تسبب في إنخفاض المياه بصورة ملحوظة في البحيرة الكينية بمعدل وصل الي (1.5) مليار متر مكعب”*”

سوف يشهد النصف الثاني من هذا العام ميلاد نهر النيل بملامحه الجديدة التي تخالف ما تآلف عليه الناس عبر القرون ، وتعلن عن نهاية مرحلة طويلة من تاريخ حوض النيل ، كانت الهيمنة فيها لدولة المصب وحدها ( السودان ومصر) من دون سواها .
فكانت البداية الاثيوبية منذ منتصف القرن العشرين الماضي عندما رفضت مصر الطلب الإثيوبي المتكرر بالمشاركة في المباحثات التي أفضت الى اتفاقية المياه في العام 1959م بين مصر والسودان فحينها كان رد فعل إثيوبيا هو اللجوء لأمريكا لمساعدتها في اعداد دراسة شاملة لتنمية الموارد المائية بحوض النيل الأزرق .
نجد أنّ امريكا قد تجاوبت مع الدعوة الإثيوبية و أوكلت المهمة لمكتب الاستصلاح الأمريكي الذي أرسل بعثة فنية ضخمة قامت بإعداد دراسة شاملة ومتميزة ، استمر العمل فيها بين عامي 1959م و1964م وقد تضمن تقرير الدراسة (33) مشروعاُ لتنمية الموارد المائية في حوض النيل الأزرق ؛ من ضمنها مشروع سد الحدود المقترح بالقرب من الحدود السودانية، بارتفاع (90) متراً وسعة تخزينية تبلغ (14)مليار م3 وطاقة كهرومائية قدرها (2000) ميغاوات”*” .

لم يلفت مقترح سد الحدود الأنظار نسبة لصغر حجم التخزين وعدم وجود تخزين دائم مع انخفاض التبخر من بحيرة السد ولأنه يقع على الحدود السودانية مما يلغي فرص الاستفادة منه في الري .
في الالفية الثالثة أعلنت إثيوبيا عن بدء تنفيذ السد في نوفمبر 2010 م و لكن بمواصفات مختلفة زاد فيها الارتفاع الى (145) متراً بسعة تخزينية تبلغ (74) مليار متر3 و طاقة كهرومائية قدرها(6000) ميغاوات
منحت إثيوبيا عقد التنفيذ بقيمة (4.8) مليار دولار وبنظام تسليم مفتاح لشركة ساليني إمبرجيلو الإيطالية في أبريل 2011م بحيث قامت الشركة بتطوير التصاميم الهندسية الأولية الى تصاميم تفصيلية ، ثم بدأت اعمال تشييد السد في العام 2013م .
منذ تلك اللحظة أصبح سد النهضة قضية وطنية و مصدر فخر للإثيوبيين لفشلهم في الحصول على تمويل من المؤسسات العالمية فاطلقوا على سد النهضة سد (الالفية)”*” .
لم يكن الموقف السوداني بنفس القوة والوضوح الاثيوبي فبدأ موقفه ضعيفاً خلال السنوات الماضية خاصة في عهد النظام البائد الذي غضّ الطرف عن ما يدور في سد النهضة وتاثيراته الايجابية والسلبية على الامن القومي السوداني وتاثير اكثر من 30% من سكان السودان بهذا السد عندما يحدث فيضان او انهارت بحيرة السد إذا لا سمح الله والتي تقع جوار الحدود السودانية ؛ وهذه المنطقة بلا شك ماهولة بالسكان”*”
التخوفات السودانية المشروعة من قيام السد

إنّ دولة اثيوبيا من حقها إنشاء عشرات السدود على اراضيها ولكن هذا الامر يتطلب دراسات فنية وجولوجية متعمقة بحيث لا يتأثر السودان بهذه السدود ولا تكون هذه السدود مهدداً لامنه القومي .
يقول الخبراء في مجال المياه أنّ الانخفاض الكبير في كمية المياه الواردة خلال فترة الملء الأول للسد تكون مستمرة خلال تشغيل السد ويشرون الي انّ هذا الامر يعتبر عامل سلبي بطبيعة الحال ؛ ويتسبب في إحداث بعض الخسائر ويعتقد الخبراء بانّ ذلك سينظم في سريان النهر طوال العام و هو عامل ايجابي ، ستنتج عنه كثير من الفوائد ذات العائد الاقتصادي الكبير”*”.
كما يرى الخبراء بانّ من السلبيات التي قد تكون مهدداً للامن القومي السوداني هو التحكم الأثيوبي في المياه وهو عامل سلبي وتعتمد درجة تأثيره على مدى التعاون الفني و على وجود اتفاق قانوني و استمرار التوافق السياسي بين اثيوبيا والسودان .
الي ذلك يشير الخبراء في مجال المياه والاطماء هو اختفاء الطمي الذي يتميز به النيل الأزرق، وهو عامل (سلبي/ايجابي) معاً لانه حسب راي الخبراء يتسبب في بعض الخسائر لكنه سيوفر فوائد كبيرة للسودان”*”.
يقول الخبراء كذلك بانّ بناء السد وتخزينه للمياه عبر بحيرته قد يؤدي الي التغييرات المورفولوجية للنيل الأزرق و نهر النيل و ما يصاحب ذلك من مشاكل عديدة تتسبب في خسائر مالية كبيرة .
إنّ السودان يمكنه إذا ما أحسن الاستعداد أن يكون المستفيد الأول من سد النهضة إذ تتحقق له فوائد عديدة و ضخمة من غير أن يساهم في تشييد السد نفسه .

إنّ خبراء المياه يشيرون الي الآثار المترتبة على قيام سد النهضة على السودان و المتمثل في الانخفاض الكبير في كمية المياه الواردة على حجم التخزين المستمر بسد النهضة وفترة الملء المقدرة من (4 – 7 )سنوات حسب إيرادات النهر .
أثناء هذه الفترة يكون الحد الأدنى لإيراد النيل الأزرق (37) مليار م3 سنوياً وهذا يعني انخفاضاً يقدر بحوالي (13) مليار متر م3 في السنة حسب اتفاقية 1959م الموقعة بين السودان و مصر .
و سيتم تقاسم الفاقد مناصفة بين البلدين، أي ان حصة السودان من مياه النيل ستنخفض بمقدار (6.5) مليار م3 /السنة (من (18.5) إلى (12) مليار م3/سنة) يعني ذلك أن استهلاك السودان الحالي، البالغ (12) مليار م3، لن يتأثرا سلباً لأنه فشل طوال العقود الماضية في استخدام نصيبه من المياه وجلها تذهب الي مصر”*”.
لكن هنالك أثراً سلبياً غير مباشر يتمثل في التوتر الذي سوف يثيره هذا النقص مع مصر ، التي كانت تخزن ما يفيض عن حاجة السودان ليدخل ضمن استخداماتها أيّ أنّ مصر سوف تتحمل كامل النقص من المياه ؛ فبدلاً عن (6.5) مليار م3، سوف تفقد مصر (13) مليار م3 وهو ما لن تقبله مصر إطلاقاً بالرغم من أنها لم تعترف أبداً بأنها كانت تستخدم فائض المياه السودانية !!!
أما بعد اكتمال ملء بحيرة السد فسوف يكون هنالك نقصاً مستمراً يقدر بحوالي (2)مليار م3 سنوياً وسوف يتم تقاسمه مناصفة بين السودان ومصر، ولن يؤثر ذلك على السودان .
أما من اهم العوامل والتي تشكل أثراً إيجابياً بالنسبة للسودان فهو تنظيم سريان النهر الجامح الذي تميز به النيل الازرق عبر القرون بالتفاوت الكبير في الايراد موسمياً وسنوياً ، إذ انّ (60%)من التدفق السنوي يحدث خلال شهري أغسطس وسبتمبر و(88 %) خلال الأشهر الأربعة من يوليو إلى أكتوبر ، كما أن الايراد السنوي يتراوح ما بين (29) مليارم3 – (74) مليار م3/السنة بعد تشغيل السد و سيكون للنيل الأزرق في معظم الأحيان تدفقاً يومياً منتظما قدره (135) مليون م3/اليوم حسب اراء الخبراء والمختصين في مجالات المياه والاطماء وسوف يكون مستوى المياه بالنهر ثابتاً تقريباً طوال العام، بزيادة حوالى (2) متر من أدنى منسوب و انخفاض (3) أمتار عن مستوى الفيضان”*” .

ستوفر التدفقات المنتظمة فرصة كبيرة لزيادة توليد الطاقة في سدود (الرصيرص، سنار ؛ ومروي) يمكن اعتبار ذلك فرصة مجانية لمضاعفة التوليد الكهربائي والقفز بكفاءة التوليد بنسبة بين (20%) الى أكثر من (40%) ويمكن زيادة الفائدة باستبدال التوربينات الموجودة بأخرى يتم تصميمها خصيصا لتعظيم توليد الطاقة في ظل الظروف الجديدة .
كذلك سوف يمنح السريان المنتظم فرصة لتطوير النقل النهري بنهر النيل وذلك من خلال توفير غاطس مناسب للبواخر على طول النيل وعلى مدار السنة .
يرى الخبراء كذلك بانه يمنح تنظيم سريان النهر السودان كذلك تعتبر فرصة عظيمة لزيادة كفاءة الري وذلك من خلال المساهمة في حل أحد المعوقات الرئيسية لتنمية المشاريع المروية في السودان ، والمتمثلة في محدودية القدرات التخزينية على نهر النيل الأزرق ؛ و سوف يوفر سد النهضة الحل المثالي الذي يتيح المياه طوال العام و يمكن من تكثيف الدورة الزراعية في مشروعات الري القائمة.
لقد أكدت الخطة الشاملة للموارد المائية بالسودان التي أعدتها وزارة الري والموارد المائية قبل أربعة عقود إنّ زيادة الكثافة الزراعية تعتبر من أكثر المشاريع جاذبية في الخطة اذ تحقق أعلي عائد على الاستثمار ، وسوف يكون عائد الاستثمار بعد سد النهضة أعلي بكثير مما حددته الخطة الشاملة ، بحيث يتم خفض التكلفة الي الصفر تقريباً ؛ لعدم الحاجة لأي استثمار ؛ كما أنّ العائد سيكون أضخم لأن الزيادة لن تحدها سعة المواعين التخزينية بالنيل الازرق”*” .

يجب على خبراء المياه السودانيين اصلاح داخل مشاريع الري السودانية التي تعاني من تدهور كبير للبنية التحتية للري فمن الضروري استثمار سنوات ملء بحيرة سد النهضة في اعداد دراسات فنية شاملة لشبكات الري والصرف بهذه المشاريع ، ووضع وتنفيذ الحلول الهندسية التي تمكن من زيادة قدرة الشبكات لتمكينها من نقل وتوزيع المياه بكفاءة عالية تتيح الاستفادة من هذه الفرصة على النحو الأكمل .
من الاشياء المؤثرة كذلك هو وجود سقف يحد من الاستفادة القصوى لهذه الفرصة وهو نصيب السودان من مياه النيل ، ويقدر ب(22%) فقط من الايراد ؛ ومن العوامل الرئيسية والتي تحد من الاستفادة الكاملة من انتظام تدفق المياه هو أنّ هذا التدفق يعتمد الى حد كبير على التعاون الايجابي مع إثيوبيا في تشغيل سد النهضة ، و وجود اتفاقيات تفصيلية لقواعد التشغيل ، تتضمن الاحتياجات المائية للمشاريع السودانية”*”.
يرى الخبراء بانّ من ايجابيات السريان المنتظم للنيل الأزرق كذلك الوقاية من الفيضانات ، إذ يعاني السودان من خسائر كبيرة نتيجة للفيضانات العالية التي تحدث بصورة دورية كل عدة سنوات ، وتشمل الخسائر تدمير المباني السكنية والتجارية وغمر الأراضي على طول النيل الأزرق والرئيسي. لا توجد دراسات موثوقة لتقدير حجم الخسائر المالية لهذه الفيضانات السنوية التي تجتاح السودان كل عام ولكن من المؤكد أن قيام سد النهضة سيوفر مبالغ مالية طائلة للسودان بمنع الفيضانات ؛ بالإضافة للآثار الايجابية، فان السريان المنتظم للنيل الأزرق في المقابل له آثار سلبية أيضاً، منها أنّ المياه الجوفية في الأراضي المتاخمة للنيل الأزرق والنيل الرئيسي والتي تتجدد سنوياً من التغذية بمياه الفيضان ، سوف لن تتجدد بنفس المستوي بعد أن تفقد الضاغط الرأسي الذي توفره الفيضانات .

لا توجد دراسات مفصلة حول كمية المياه الجوفية و مواقعها و السحب السنوي منها ومدي تأثر ذلك بسد النهضة .
لكن الشيء المؤكد أنّ التأثير السلبي على المياه الجوفية لن يكون ذا شأنٍ كبيرٍ ؛ هناك أثر سلبي آخر هو تقليص المساحات المزروعة في الأحواض الفيضية والجروف ، و يؤثر ذلك على عدد كبير من الحقول الصغيرة و المتوسطة الحجم داخل سهول الفيضانات و على شواطئ النيل، والتي تزرع باستخدام مياه الفيضان و تستفيد من الاسمدة الطبيعية للطمي خلال فترات الفيضانات العالية.
بعد اكتمال تشييد سد النهضة سوف تحرم هذه الحقول من مياه الفيضانات والأسمدة العضوية الطبيعية عالية الجودة، وستكون هناك حاجه إلى توفير وسيلة ري بديل لهذه الحقول بالمضخات و سوف تكون هناك حاجة لاستخدام الاسمدة .
هذا الوضع الجديد سوف يمثل مشكلة كبيرة على المستوى المحلي في مناطق الأحواض الفيضية ، مما يتطلب بالضرورة توفير دعم حكومي لتوفير المضخات و ضمان استمرار الانتاج”*”
لكن الأثر على المستوى القومي سوف يكون محدوداً لأنّ هذه الأراضي لا تشكل نسبة كبيرة من جملة الأراضي الزراعية ، بالإضافة الى أنّ توفير الري الصناعي لهذه المساحات سيمكن من زيادة كفاءة الري و زراعة الأرض أكثر من مرة في العام ، مما يضاعف من العائد الانتاجي للسودان .

من اهم العوامل التي تؤثر على الامن القومي السوداني لقيام سد النهضة هو التحكم الأثيوبي في المياه ، وهو عامل سلبي وتعتمد درجة تأثيره على عوامل مختلفة تبدأ أثناء مفاوضات سد النهضة التي تجري حالياً بحيث يفترض الاتفاق على قواعد تشغيل السد وأن يتضمن ذلك الحد الأدنى من التعاون المستمر بين السودان وإثيوبيا حتى لا يؤثر تشغيل السد سلباً على الاستخدامات السودانية المختلفة لمياه النيل الأزرق .
إنّ إستمرار التعاون الفني بين السودان واثيوبيا يتطلب توثيق ذلك في اتفاق قانوني وتقني وفني ودعمه سياسياً من طرفي الحكومتين ليكون جزءاً من توافق سياسي وتعاون اقتصادي مستمر”*”.
يقول الخبراء بانّ قيام سد النهضة يساعد في الانخفاض الكبير في حمولة الطمي الذي يتميز به النيل الأزرق إذ أنّ تصميم ونظام تشغيل سد النهضة يشجعان على ترسيب معظم حمولة الطمي في خزان السد نظراً للتخزين خلال موسم الفيضان و كبر حجم التخزين الميت، وعدم وجود بوابات عميقة لإجراء عمليات تنظيف الطمي المتراكم، كما هو الحال في السدود السودانية على النيل الأزرق .

وفقاً لذلك سوف يحمل النهر مياهاً شبه نظيفة إلى السودان .
يرى الخبراء في مجال المياه والسدود الكبيرة بانّ قيام سد النهضة يساعد في إنخفاض حمولة الرواسب و سوف ينتج عنه اطالة عمر السدود في السودان (الرصيرص، سنار ؛ ومروي) بالإضافة لتوفير مبالغ ضخمة سنوياً كانت تذهب لمقابلة عمليات إزالة الرواسب والاطماء امام محطات الطاقة في السدود وفي قنوات الري و مداخل محطات الضخ للمشاريع المروية ؛ اضافة لذلك فإنّ خلو المياه من الطمئ سوف يزيد من كفاءة الري لأنه لن يتراكم و يمنع إمداد الحقول الزراعية بالمياه و سوف ينعكس ذلك على زيادة العائد من المشروعات المروية”*”.
يشير الخبراء كذلك بانّ هناك تغييرات مورفولوجية للنيل فالأنهار تشابه الكائنات الحية في صفاتها إذ أنها تستجيب لأيّ تغييرات في الظروف السائدة مثل كمية المياه و مواعيدها و حجم الطمي و نوعيته.
الاستجابة تكون عن طريق تغيير المعالم الأساسية للنيل الازرق ، ويؤدي ذلك الى تنشيط ظاهرتي الإطماء والنحر و يستمر ذلك حتى يتم تحقيق استقرار جديد للنهر يتوافق مع ظروفه الجديدة .
نتيجة لذلك سيتعرض النيل الأزرق والنيل الرئيسي لمشاكل التعرية والترسيب لفتره طويلة ، وهو ما سيتطلب اجراء دراسات لتحديد تفاصيل التغييرات المورفولوجية المتوقعة ، و وضع برنامج للوقاية من اثارها السلبية و تنفيذ أعمال حماية الأراضي الزراعية والبنية التحتية القائمة ، من كباري و محطات ضخ و مزارع و منشئات على جانبي النهر و قنوات الري من التعرية و الترسب وغير ذلك”*” .
الوجود الدولي والاسرائيلي في حوض النيل

لم يكن الوجود الدولي والاسرائيلي وليد اللحظة ولكن كان من وقت طويل ايام الاستعمار فقد تغلغلت الدول الاوربية وإسرائيل في منطقة حوض النيل والقرن الافريقي وذلك لوجود الثروات والمياه العذبة في هذه المنطقة المسماة بدول حوض النيل”*” .
إنّ دول حوض النيل تمتد من المناطق الاستوائية المرتفعة في شرق افريقيا وحتى المنطقة المعتدلة الدافئة عند حوض البحر الابيض المتوسط”*”
يحد دول حوض النيل من الجنوب والجنوب الشرقي كل من هضبة البحيرات الاستوائية والمحيط الهندي ؛ ومن الشرق كل من هضبة الحبشة والبحر الاحمر ؛ ومن الغرب كل من سلسلة جبل مرة غربي السودان والجبال الشرقية في تشاد ومن الشمال البحر الابيض المتوسط”*” .
تتكون دول حوض النيل من عشرة دول افريقية هي
(بورندي ؛ راوندا ؛ الكنغو الديمقراطية ؛ كينيا ؛ اوغندا ؛ تنزانيا ؛ اثيوبيا ؛ إرتيريا ؛ السودان ؛ مصر) فدول حوض النيل ليست متشابهة من حيث خصائصها الجغرافية العامة ؛ بل مختلفة عن بعضها البعض من الناحية الطبيعية والمناخية والنباتية”*” .

إذ أنّ نهر النيل ينبع من المناطق الاستوائية المرتفعة وبعض منابعه تمر في اخاديد يشبه مناخها النوع الاستوائي المنخفض
إنّ التهافت الدولي في منطقة دول حوض النيل هو تهافت من اجل المصالح والاستفادة من خيرات هذه الدول التي لا تمتلك المقدرة الاقتصادية والقوة الغسكرية للحفاظ على كينونتها ؛ بلاد حوض النيل قد مزقتها الحروب البينية ودمرتها الصراعات الاثنية البغيضة ويتفشى فيها الجهل والتخلف وتقسيم مجتمعاتها بسبب سياسات المستعمر البغيض”*”
الوجود الاسرائيلي في دول حوض النيل قديم متجدد بحيث قامت إسرائيل بالتعاون مع الدول الكبرى وفي مقدمتهم امريكا بطرح عدد من المشاريع المائية وصلت الي (23) مشروعاً مائياً ومن هذه المشاريع التي طرحتها إسرائيل هو مشروع نقل مياه نهر النيل إلي الشرق (سيناء ؛ إسرائيل) وهناك عدة مشاريع مائية طرحتها إسرائيل هذا على سبيل المثال”*” .
إنّ الاهداف الاستراتيجية لاسرائيل من هذه المشاريع تجاه مياه حوض النيل تتمثل في الاتي :
1- معالجة العجز في المياه داخل إسرائيل إذ تعلن إسرائيل دائماً عن وجود عجز في مياهها يصل الي حوالي (5) مليارات م3
2- تهدف إسرائيل إلي إستخدام مياه النيل كوسيلة ضغط سياسي وقد اكد المسؤولين الاسرائليين مراراً بانها تستخدم كرت مياه النيل ضغطاً للسودان ومصر اتجاه القضية الفلسطينية .

3- تهدف إسرائيل من خلال ذلك لاحتواء دول حوض النيل والاستفادة من المياه المهدرة”*” .
إنّ الوجود الدولي والاسرائيلي في ملف المياه وخاصة سد النهضة لا تخطئه العين فهناك عدة دول قدمت قروض من اجل تكملة وإنشاء سد النهضة الاثيوبي الذي أطلق عليه سد (الالفية) .
إنّ اعتماد إسرائيل كمراقب في الاتحاد الافريقي دليل دامغ من انّ إسرائيل تسعى للهيمنة والسيطرة على دول حوض النيل بامكاناتها ومواردها الحيوية وثرواتها المتعددة”*”
يبدو انّ إسرائيل ادركت تماماً بانّ الصراع القادم في العالم سيكون صراعاً محموماً حول الموارد والمواد الحيوية للبقاء والمياه اول هذه المواد في المستقبل وسيكون الصراع حول المياه من أجل الحياة والزراعة والانتاج هو الاقوى والاعنف .
المصادر والمراجع
1- إتفاقية تقسيم المياه بين بيرطانيا والسودان ومصر 1929م .
2- إتفاقية تقسيم المياه بين بيرطانيا والسودان ومصر 1959م .

إتفاق عنتبي لدول حوض النيل ؛ مايو 2010م.
4- احمد المفتي (قانوني) سد النهضة الاثيوبي ؛ منشور رقم 3398 .
5- الصادق المهدي ؛ مياه النيل الوعد والوعيد ؛ مركز الاهرام للترجمة والنشر ؛ القاهرة 2000م .
6- إتفاقية عنتبي لدول حوض النيل ؛ مايو2010م .
7- الاتفاقية الاطارية بين اثيوبيا والسودان ومصر ؛ 2015م .
8- جمال مصطفى عبدالله ؛ الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط ؛ كلية العلوم السياسية ؛ جامعة بغداد 2001م .
9- مدني الحارث ( خبير امني) تطورات الاوضاع في اثيوبيا ؛ منشور على الانترنت يوليو 2021م .
10- مصطفى عبدالجليل ؛ سد النهضة من الاغراق المجاني الي الشراكة المجانية ؛ مقال منشور ؛ يوليو 2021م .

مهند النداوي ؛ إسرائيل في حوض النيل ؛ دراسة الاستراتيجية الاسرائيلية ؛ القاهرة ؛ العربي للنشر والتوزيع ؛ طبعة 2013م .
12- عمر فضل الله ؛ نبذة مختصرة عن اتفاقية عنتبي ؛ موقع النيليين WWW. Alnilin.com
13- غازي البدوي ؛ وعد من لا يملك ( تصريحات وزيرة الخارجية السودانية دكتورة مريم الصادق ؛ حول ملء سد النهضة) يوليو 2021م .
14- سليمان عبدالله ؛ كاتب صحفي اثيوبي ؛ سد النهضة ومصلحة السودان .
15- مايكل كير ؛ الحروب على الموارد ؛ الجغرافيا الجديدة للنزاعات العالمية ؛ ترجمة عدنان حسن ؛ الناشر دار الكتاب العربي 2002م ؛ بيروت ؛ لبنان .

 

مجموع القراءات 2 total views, قراءات اليوم 2 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية