الانعكاسات الشاملة للتقارب المصري مع الصين من خلال مبادرة الحرير والطريق

الانعكاسات الشاملة للتقارب المصري مع الصين من خلال مبادرة الحرير والطريق

مركز الدراسات الآسيوية والصينية _ بقلم: د. نادية حلمي، باحثة مصرية في الشؤون الصينية

برزت خلال السنوات الماضية عدة مقولات حول “النظام العالمى الأمريكى الجديد” و “الأحادية القطبية” و “القرن الأمريكى الجديد”، وغيرها من العبارات التى كانت تؤكد على إنفراد الولايات المتحدة فى “قيادة العالم”، بوصفها القوة العظمى الوحيدة من دون منازع، مع الترويج والتنظير الأكاديمى الأمريكى للزعامة الأمريكية المطلقة، وعلى الجانب الآخر، ظهرت كتابات عدة – من بينها لمحللين وإستراتيجيين صينيين بارزين – تذهب إلى “التشكيك فى نظام القطب الواحد الأمريكى”، وتتحدث عن “عالم متعدد الأقطاب”، وحاولت تفنيد مزاعم القوة الأمريكية المهيمنة، والتشكيك فى إمكان حفاظها على مكانتها فى ظل صعود الصين، وإعلان الرئيس الصينى “شى جين بينغ” عن مبادرتها للحزام والطريق فى عام 2013.

وكباحثة متخصصة فى الشـأن السياسى الصينى – ولفهم العقلية التحليلية الإستراتيجية الصينية، والإقتراب منها منهجياً تجاه رؤيتها لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم – ومن خلال قراءتى وإطلاعى على عدد من (وثائق الحزب الشيوعي الصينى الحاكم) وتحليلى لها، فقد كانت بكين دوماً “تصنف الولايات المتحدة كعدو حقيقى للصين”. وهنا تقول (وثيقة صينية) تعود لعام 1992، بأن: “الولايات المتحدة الأمريكية، منذ تحولها إلى دولة عظمى وحيدة – تعمل جاهدة من أجل تحقيق الهيمنة الجديدة، وتغليب سياسة القوة – كل ذلك فى ظل دخولها مرحلة التدهور النسبى، وبروز حدود إمكاناتها”. وفى عام 1995، أعلن الرئيس الصينى حينئذ “جيانغ زيمين” بأن “قوى الغرب المعادية لم تتخل دقيقة واحدة عن خططها الرامية إلى تغريب بلادنا وتقسيمها”، بينما صرح وزير خارجيته قبيل الإجتماع السنوى لحلف “مجموعة دول الآسيان”، بأنه: “على الولايات المتحدة التخلى عن نظرتها لنفسها بأنها منقذة الشرق، حيث إننا لا نعترف بتطاول الولايات المتحدة وإدعائها الدائم بحقها للقيام بدور ضمانة السلم والإستقرار فى آسيا بحجة الدفاع عن حلفائها”.

وهنا عبرت الأكاديمية الصينية “زى زونغوان” – المدير السابق للمعهد الأمريكى التابع لأكاديمية العلوم الإجتماعية الصينية – عن الشكوك والهواجس الصينية حيال الإستراتيجية الأمريكية للهيمنة على العالم. ففى معرض تقويمها للعلاقات الأمريكية – الصينية، فقد وصفتها بـ “العلاقات الهشة”، ورأت “زونغوان” بأن “العامل الرئيسى هنا هو الموقف الأمريكى من تحول الصين إلى دولة عصرية، قوية نسبياً، وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية باقية على حالها، فإن السؤال الذى لا يزال يطرح نفسه هو: إلى أى درجة يسمح الوعى الأمريكى للصين أن تكون قوية”، مع تأكيد الدبلوماسى الصينى البارز فى وزارة الخارجية “داى بينغو” فى خطاب رسمى له يوم 6 ديسمبر 2011، بأنه: “يجب أن نتمسك بطريق التنمية السلمية”.

ووفقاً للتحليل الصينى، فإنهم يعتقدون بأن “الولايات المتحدة تعتقد بأن الصين تتطور بسرعة فائقة، ويصبح التحكم بها أكثر صعوبة”. وبعبارة أخرى فإن “تسريع التحديث الصينى لا يبدو دائماً متماشياً مع تلك المصالح الأمريكية”. وبناءاً عليه، فقد بدأ الزعماء الصينيون يكررون الحديث دوماً فى خطاباتهم السياسية الدولية عن “حضور الصين الفاعل فى الساحة الدولية”، مع التأكيد بشكل خاص على أن “صعود الصين إنما هو “صعود سلمى”.

وعلى الجانب المصرى، وتأثيرات هذا (التنافس المستمر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية سياسياً وأمنياً وإقتصادياً وإقليمياً على مصر)، سنجد هنا بأن علاقات مصر مع القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها القوتين المتنافستين (الصين والولايات المتحدة الأمريكية) تحتل أهمية خاصة على (أجندة السياسة الخارجية المصرية)، لاسيما مع توجيهات القيادة السياسية المصرية للرئيس (عبد الفتاح السيسى) بدعم وتعزيز (علاقات مصر مع القوى الكبرى دون أن تكون العلاقات مع أى منها موجهة ضد أخرى)، فكانت تلك أهم عبارة لخص بها وزير الخارجية المصرى (سامح شكرى) الأجندة الخارجية لمصر أثناء لقائه مع الأعضاء فى (مجلس النواب المصرى الجديد) يوم الثلاثاء الموافق 26 يناير 2021 ( ).

وتعتبر مصر ممثلاً عن الدول العربية والأفريقية والإسلامية والنامية والإقتصادات الناشئة، كما أن تأثيرها فى الشئون الدولية والإقليمية أضحى آخذاً فى الأزدياد ، كما أنه، وعلى الجانب الآخر، يلقى (نموذج التنمية الصينى) ترحيباً كبيراً فى مصر.

ومن هنا أتى حرص الصين على تقديم الدعم الدائم لجهود الحكومة المصرية للحفاظ على الإستقرار وتنمية الإقتصاد وتحسين معيشة الشعب، كما دعمت الصين أيضا،ً وهو الأمر الأهم (مسار التنمية فى مصر بما يتماشى مع ظروفها القومية)، فضلاً عن تأييد الصين لدور مصر المتزايد والكبير فى الشئون الدولية والإقليمية. ولبحث علاقات مصر مع القوى العظمى، وعلى رأسها (الصين وواشنطن)، وفهم مدى تأثيرها (سلباً أو إيجاباً) على الدور المصرى فى المنطقة، وعلاقات مصر الإقليمية والدولية، لذا، حاولت الباحثة المصرية عرض وتحليل النقاط التالية لفهم مسار التحولات وعلاقات مصر بالصين والولايات المتحدة، وأهمية كلاً منهما بالنسبة لمصر والمنطقة لــ (خلق التوازن ومناطق النفوذ والدفاع عن المصالح)، كالآتى:

1) تواصل الرئيس المصرى السيسى مع الصين وتأثيره على علاقته مع كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل

تتجه الصين للعب دور نشط ومتزايد فى مصر والمنطقة العربية بهدف تأمين أمن طاقتها، وهذا لا يعنى أن السياسات الصينية والأمريكية سوف تتصادم، ولكن يظهر الإختلاف فى أن الصين تؤيد ملامح الإصلاح الداخلى المصرى بقيادة السيسى وتأييد سياسات مصر بعد (نجاح ثورة ٣٠ يونيو فى مصر)، كما عارضت الصين بقوة أى محاولات خارجية لفرض شروط التحول على مصر بعد (ثورة ٣٠ يونيو)، فالصين كانت واحدة من أهم القوى العظمى الدولية فى العالم التى أيدت الرئيس (السيسى)، ودافعت عن حق الشعب المصرى فى أن يقوم بحل مشاكله بنفسه، دونما التدخل فى شئونه الداخلية، وهنا (يرتبط موقف الصين تجاه مصر إرتباطاً وثيقاً بشعورها بالسيادة الوطنية وتجربتها الناجحة فى الإصلاح الإقتصادى). ونجد أن التعاون المصرى – الصينى يحقق مصلحة إستراتيجية لكلا الطرفين، فمصر تحقق فوائد إستراتيجية من توثيقها لعلاقاتها مع الصين إقتصادياً وسياسياً وثقافياً، مع أهمية الإستثمارات الصينية فى القاهرة وتنوع العلاقات والشراكات، وأهمية (قناة السويس) كممر ملاحى عالمى يخدم مصالح بكين الإستراتيجية، كنقطة إنطلاق للصين من مصر حول العالم( ).

فعلاقات مصرية صينية أوثق وأعمق يعظم من مكاسب الدولة المصرية فى علاقاتها مع القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها (الولايات المتحدة الأمريكية، وحليفتها إسرائيل) فى المنطقة. كما أنه ينوع العلاقات أمام الجانب المصرى، وعلى الجانب الآخر فإن التقارب بين الصين ومصر، يؤدى إلى تقوية علاقات الصين مع الدول العربية، مما يؤدى إلى تعزيز وتوثيق روابطها السياسية والإقتصادية والثقافية فى إطار إستراتيجية صينية لتعزيز العلاقات مع ما يسمى بدول (الجوار الموسع)، والتى تشمل: دول آسيا الوسطى ودول الشرق الأوسط، وذلك فى ظل (مؤشرات حقيقية لإتجاه النظام الدولى العالمى الجديد نحو التعددية)، ومع وجود تحولات دولية عديدة، خاصةً بعد إنتشار جائحة كورونا عالمياً وتفشى فيروس (كوفيد-١٩) حول العالم، وإدراك العالم بأن الصين هى القوى الوحيدة القادرة على إنتشال العالم من أزماته، فمن خلال التعددية التى تنادى بها الصين، والرئيس الصينى (شى جين بينغ) يظهر لنا مدى أهمية الصين لمصر وللدول العربية، والمتمثل فى (إنهاء الهيمنة الأمريكية) على مصر والمنطقة، وتحقيق توازن سياسى وإقتصادى وعسكرى فى وجه سياسات التدخل الأمريكية والغربية فى الشئون الداخلية لمصر ولكافة الدول العربية، وهو ما عانينا منه لعقود طويلة.

وهنا نجد أن مبادرة “الحزام والطريق” ساعدت على إستقرار النظام المالى فى مصر بعد (نجاح ثورة 30 يونيو فى مصر)، ما ساعد فى إنقاذ تدهور دخل المواطن المصرى، فقد كان النظام المالى فى مصر يعانى من إضطرابات شديدة بين عامى (2013-2014) وذلك أثناء المرحلة التى طرحت الصين فيها مبادرة “الحزام والطريق”. فقد كان النظام المالى فى مصر هو (نظام مزدوج لسعر العملة قبل نوفمبر 2016)، حيث يوجد فارق كبير بين الأسعار الرسمية للجنيه المصرى مقابل الدولار الأمريكى وأسعار السوق، وتضاعف الفرق فى عام 2016، على سبيل المثال، كان السعر الرسمى للجنيه المصرى مقابل الدولار الأمريكى يصل إلى (1.78 جنيه)، بينما سعره فى الأسواق يبلغ (18 جنيه)، فكان الفرق بينهما بالفعل كبير جداً. ولكن مصر بدأت فى إنتهاج سياسة التجارة الحرة بعد نوفمبر 2016، ما جعل النظام المالى كله يصبح أكثر إستقراراً( ).

ونظراً لأهمية الجانب المصرى للصينى، نجد تلك (التغطية الواسعة من قبل الصحافة الصينية لما تنشره الصحافة المصرية)، وحيث أن (وكالة أنباء شينخوا الصينية فى طبعتها باللغة العربية)، لديها على سبيل المثال فقرة ثابتة تغطى الأحداث التى تنشرها الصحف المصرية بشكل مكثف ومعمق بالنظر لأهمية أحداث مصر بالنسبة للصين. كما أقام (الحزب الشيوعى الصينى) علاقات قوية مع نظيره المصرى، ومع أكثر من (٣٠ حزباً عربياً شيوعياً ويسارياً وإشتراكياً) حتى الآن.

ومن الواضح، تطلع الصين إلى أداء (أدواراً عالمية)، وعدم جدوى تصعيد حدة المجابهة مع القوى الإقليمية والعالمية، وبالتالى وجود (دعم سياسى صينى غير محدود فى مجلس الأمن والمحافل الدولية لمصر ولكافة الدول العربية مع ما يميز السياسة الصينية من الإمتناع عن فرض إملاءات تتعلق بالشئون الداخلية للدول)، كما أن الصين فى سعيها لتسوية مشكلة تايوان على أساس (صيغة دولة واحدة ونظامين) بحاجة إلى إعتراف ٢٢ دولة عربية، وهو ما يزيد على (١٠٪ من أعضاء الأسرة الدولية) بأن (تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضى الصينية)، فالدول العربية تمثل ظهيراً سياسياً للصين على الساحة الدولية، وتحتاج الصين فى إطار سعيها لإكتساب المزيد من المكانة الدولية إقراراً عربياً بدورها فى القضايا التى تهم مصر وجميع الدول العربية.

وعلى الجانب الآخر، فرغم أن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية لا تشمل إسرائيل رسمياً فى خرائطها، إلا أن الموقع الجغرافى لإسرائيل، والمشاركة الإقتصادية الصينية المهمة فيها، وإتفاقيات السلام الناشئة فى الشرق الأوسط، تضع إسرائيل فى نقطة إستراتيجية رئيسية فى المبادرة الصينية، وبالطبع لما لذلك من (تأثير على القضية الفلسطينية) ومصر والدول العربية.

ومن أجل إنجاح الصين لسياستها الجديدة فى مصر والشرق الأوسط، فقد (تخلت الصين عن إستراتيجيتها القديمة القائمة على الإعتبارات الأيديولوجية)، وتبنت سياسة جديدة مغايرة تماماً فى تحديد حلفائها تقوم على مبدأ النفعية (البراجماتية)، وإستراتيجية (الإنفتاح والخروج إقليمياً وعالمياً)، فعلى المستوى الإقليمى، فقد تبنت الصين سياسة (حسن الجوار)، من أجل تحقيق هدفين:

– أولهما): تحطيم العقوبات التى فرضتها الولايات المتحدة وحلفائها، وإحباط محاولة إحتواء وعزل الصين.

– ثانيهما): هو تهيئة البيئة الإقليمية لتكون بيئة مواتية لتحقيق التنمية فى هذه المرحلة من مراحل (الصعود الصينى)، والتى أطلق عليها (بناء العصرنات الأربعة)، والتى تعنى إحراز التقدم فى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والدفاع القومى، وهو ما أطلق عليه، وفقاً لخطاب الرئيس الصينى “شى جين بينغ”، بأنه يعرف بـــ :(سياسة التحديث الإشتراكى).

وعلى الجانب الأمريكى، فتشير كافة المؤشرات بأن (إدارة بايدن الجديدة) تتجه لتبنى (سياسات متشددة تجاه الصين). فقد وصف وزير الدفاع الجديد فى عهد (إدارة جو بايدن) الجنرال (لويد أوستن) الصين، خلال جلسة تثبيته فى مجلس الشيوخ الأمريكى، بأنها تمثل “خطراً متزايداً، وأن التصدى لها سيكون من أبرز اتجاهات أنشطة البنتاغون” فى عهد بايدن”.

أما مستشار الأمن القومى (جيك سوليفان)، فقد أشار – فى حديث له أمام معهد السلام بواشنطن فى 29 يناير 2021- إلى أن “الصينيين يعتقدون أن نموذجهم أنجح من النموذج الأمريكى، وهذا ما يروجون له حول العالم”.

وهنا يشير التحليل النهائى للباحثة المصرية، بأن كلاً من (مصر وإسرائيل سوف تتأثران حتماً بإستمرار المواجهة بين واشنطن وبكين)، خاصةً أن القوتين العظمتين الأمريكية والصينية بصدد “حرب باردة جديدة، لكنها ليست كالحرب الباردة السوفيتية الأمريكية، لأن إقتصادات الدولتين مترابطة بصورة شديدة التعقيد مع كافة دول العالم، الأمر الذى سيؤثر سلباً على مصر وإسرائيل وكافة بلدان الشرق الأوسط، فنحن لا نتعامل مع الصين الآن كدولة مغلقة كالإتحاد السوفيتى يمكن إحتواؤها بإغلاق الباب عليها”. كما يضاعف من مخاطر تصادم القوتين على العالم “ترابطهما الإقتصادى الضخم وتأثر بقية العالم به”.

ومن هنا، فإن (إستمرار رغبة مصر وإسرائيل وكافة دول المنطقة على التعامل إقتصادياً مع الصين ومع واشنطن فى ملفات عديدة أخرى خاصةً فى نواحى سياسية مختلفة)، فإن ذلك سيؤثر سلباً على الجميع، وبالأخص فى ظل رغبة الولايات المتحدة فى الحفاظ على مكانتها كأكبر قوة عسكرية وإقتصادية فى العالم، وهو ما يدفع البعض للضغط تجاه (تبنى معادلات صفرية فى علاقتها مع الصين التى تنازعها إقتصادياً وعسكرياً فى الشرق الأوسط).

ولعل ذلك يفسر لنا أسباب زيارة وزير الخارجية الأمريكى السابق فى عهد إدارة ترامب “مايك بومبيو” فى أول زيارة خارجية له بعد تفجر أزمة فيروس كورونا المستجد إلى إسرائيل فى 13 مايو 2020، حيث جاء (بومبيو) ليعبر عن قلق الولايات المتحدة من التقارب الصينى – الإسرائيلى “الذى يعرض الإسرائيليين إلى الخطر” بحسب تعبيره. والأهم، لم يكتف “مايك بومبيو” بإبداء قلقه إلى الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل تعمد أن (يجعل من خطابه فى إسرائيل منصة إنطلاق يخاطب بها دول المنطقة التى تعتزم أى تقارب مع الصين) ( ). كانت نتيجة هذا الخطاب أن سحبت (حكومة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو) فى 26 مايو 2020 مناقصة إقامة مشروع تحلية مياه فى إسرائيل من الشركة الصينية “هتشسون”.

كما خاطب البيت الأبيض الحكومة الإسرائيلية برئاسة (بنيامين نتنياهو) وتنبيهها بضرورة (تقييد حجم الإستثمارات الصينية فى إسرائيل، كونها مؤشر خطر يهدد تحالفها الإستراتيجى مع إسرائيل).

ووفقاً للتقييم النهائى للباحثة المصرية، يلاحظ أنه (لا تقف جميع الأروقة الحكومية فى إسرائيل على موقف واحد أمام ملف الإستثمارات الصينية المباشرة بين الطرفين)، لسببين، السبب الأول: هو لعدم الإقتناع بالإعتبارات التى قدمتها الولايات المتحدة للدفاع عن موقفها، مما دفع بعض المؤسسات الإسرائيلية لتسمية الموقف الأمريكى بـــ “الرهاب والخوف من الصين”. السبب الثانى: هو أن الصين تقدم حزماً إستثمارية ضخمة (دون أن تقدم إسرائيل أى تنازلات سياسية مقابلة)، مثل: تسوية القضية الفلسطينية عكس الموقف الأوروبى، أو الموقف الديموقراطى التقدمى فى الولايات المتحدة.

وبناءاً على هذا التحليل، يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أن (واشنطن ستواصل ضغوطها على كافة دول المنطقة وبالأخص حليفتها إسرائيل لقطع علاقتها مع الصين)، إلا أن إسرائيل ومصر وكافة دول المنطقة مصممة على الإستفادة تجارياً من الجانب الصينى، وعلى التعامل أيضاً مع واشنطن، ومحاولة كلاً من (مصر وإسرائيل وكافة الدول تجنب المواجهة أو تأييد مع أو ضد أى قوى منهما سواء أمريكية أو صينية، مع إستمرار التعامل معهما إقتصادياً وسياسياً، وفقاً لمصالح كل دولة على حدة لإنعكاس ذلك على الأمن القومى للدول).

2) تأثير إعطاء الأولوية لعلاقات “لا ضغوط وتوجيه للشرق” على مستقبل التعاون المصرى والأمريكى

بدأت الصين فى البحث عن (مفهوم إستراتيجى جديد للإنخراط فى الشرق الأوسط)، وذلك بعد فترة وجيزة من إعلان (إدارة الرئيس أوباما) عن (التحول من منطقة الشرق الأوسط والإنسحاب منها تدريجياً نحو قارة آسيا) فى عام 2011 .

وفى عام 2012، إقترح (وانغ جيسى)، المعلق الصينى الأبرز فى السياسة الخارجية، مفهوماً أسماه (الزحف بإتجاه الغرب)، حيث كتب: “بينما تعيد واشنطن التوازن نحو آسيا، أصبحت العلاقة بين أمريكا والصين مثيرة للجدل على نحو متزايد وتقوم على نتيجة صفرية”.

… “وهذا ينقلنا للحديث عن “الرؤية الصينية الجديدة للعالم: من الجيو-إقتصاد إلى جيبوبولتيك
من خلال دراسة التفاعل الثنائى بين قوتين إستراتيجيتين فاعلتين بالنسبة لمصر والمنطقة، مع وضع إفتراضية على إعتبار العالم العربى ومصر فى القلب منه، وتعتبر (متغير تابع لتأثير متغيرين مستقلين هما “الصعود الصينى” و “الأحادية الأمريكية”). ومن هنا، يمكن إعتبار (التحول المصرى شرقاً نحو الصين وروسيا لتخفيف الضغوط الأمريكية والغربية عليها)، يتوقف على عدة عوامل صينية بالأساس، وهى:

1) مدى زيادة قوة الصين الإقتصادية وتعاظم دورها وتواجدها ونفوذها الفترة المقبلة فى الشرق الأوسط.

2) أهم ما يحرك سياسات بكين نحو مصر والمنطقة هو “تحقيق الهدف والمنفعة المتبادلة لكل الأطراف، وليس فرض سياساتها أو أجندتها بالتهديد وفرض عقوبات على دول كواشنطن”، فتركز الصين إجمالاً على مجالات التعاون المتبادل فى الإقتصاد والثقافة والأمن والتكنولوجيا ( ).

3) والأهم لدى الباحثة المصرية مستقبلاً هو (مدى قدرة بكين فى تطوير نفسها للدفاع عن حلفاؤها وشركاؤها مثل مصر وغيرها، فى حال تعرض أى حليف للصين لأى مواجهة غير مضمونة مع واشنطن، وهل الصين فعلاً مستعدة للدفاع عن مصر وحلفاؤها؟)( ).

4) وهنا نجد أن هذا النمو فى العلاقات الصينية – المصرية والعربية، وما يبدو من (إنتهاج سياسة الإتجاه شرقاً)، وراءه إدراك مصرى عالٍ بأن (العالم لن يستمر على نظام القطب الواحد، وأن النظام العالمى فى وضعه الحالى – خاصةً فى عالم ما بعد جائحة كورونا وإنكفاء الولايات المتحدة على شئونها الداخلية – قد بدأ يتجه بقوة ناحية “التعددية القطبية” التى تعد الصين من أبرز مكوناتها)، ولذلك فإن حرية السياسة الخارجية المصرية هى فى (تنويع البدائل)، وهذا الإتجاه المتنامى تعززه أيضاً العديد من المواقف الأمريكية المتعنتة تجاه قضايا المنطقة والعالم، ومن أبرز تلك المواقف الأمريكية:

أ) الحرب التجارية التى أقامتها الإدارة الأمريكية للرئيس السابق (ترامب) ضد الصين والإتحاد الأوروبى، ومدى (تأثيراتها الدولية على مصر والشرق الأوسط، وقضايا حرية التجارة الدولية).

ب) إنسحاب الإدارة الأمريكية وتنصلها عن تعهداتها بشأن أمور قد تم الإتفاق دولياً عليها، كتلك المتعلقة بـــ (تغيرات المناخ، وعدم إحترامها لقرارات الشرعية الدولية ونظام القانون الدولى).

ج) إعلان واشنطن وإدارة “ترامب” منفردة بأن (القدس عاصمة لإسرائيل وإعلان نقل السفارة الأمريكية للقدس)، مما أثار غضب وحفيظة مصر والعرب جميعاً، ودول الشرق الأوسط ضد السياسات الأمريكية المخالفة قرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولى، فضلاً عن (إصدار مؤسسة الرئاسة الأمريكية قرارات تمس دولاً أخرى عربية كسوريا غير خاضعة لسيادتها، وكأنها صاحبة هذه السيادة)، وكان آخرها ذلك القرار غير المقبول دولياً، والمخالف للشرعية والقوانين الدولية، والذى أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية بــ (منح الجولان لإسرائيل، وكأن الجولان قطعة من الأراضى الأمريكية)( ).

وفى إعتقادى الشخصى – كخبيرة فى الشأن السياسى الصينى – فإن تلك هى النقطة المحورية التى يتوقف عليها أى تحليل مستقبلى بشأن (التوجه المصرى شرقاً نحو الصين أو روسيا)، وهذا ما يستتبعه ضرورة (دراسة ومراقبة وتحليل التحولات فى الدور السياسى الصينى فى مصر والمنطقة العربية التى أصبحت الآن منطقة محورية فى سياسة الصين الخارجية الجديدة، خاصةً مع إدراك صانع القرار الصينى بأن الوجود وزيادة النفوذ والتغلغل الأمريكى فى مصر والعالم العربى قد يكون موجهاً ضد مصالحها، وأنه يجسد بعض المساعى الأمريكية لإحتواء الصين من طرف مصر والعرب).

3) تداعيات تسريع ومضاعفة النمو الإقتصادى بين مصر والصين على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية
كان العديد من (مفكرى السياسة الخارجية الصينيين قلقين للغاية بشأن المخاطر التى قد تأتى بنتائج عكسية لمشروع صينى طموح مثل مبادرة الحزام والطريق فى الشرق الأوسط). وفهم (الإستراتيجيون الصينيون) منطق (الإستفادة من القوة الإقتصادية للبلاد من أجل المنفعة السياسية)، لكنهم كانوا يخشون التورط فى شبكة من الخصومات القومية والطائفية فى المنطقة. خاصةً، مع إشارة غالبية التحليلات السياسية الصينية، إلى أن تجنب مثل هذه النتيجة ليس بالمهمة السهلة. فلقد كان الشرق الأوسط مأزقاً للعديد من القوى الكبرى فى العالم، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

ومن هنا فهمت الباحثة المصرية – بإعتبارها متخصصة فى الشأن السياسى الصينى – بأن هدف الصين هو (تحقيق نفوذ دون التورط فى الشرق الأوسط، عبر مبادرة الحزام والطريق التى نجحت ببراعة فى تحقيق أجندة الصين). وعلى الرغم من وجود – عدة دول فى الشرق الأوسط بينها مشاكل مع دول الجوار الإقليمى كإيران وإسرائيل – تشملها قائمة الدول المؤيدة لمبادرة الحزام والطريق، ومع ذلك، فقد إلتزمت كل تلك الدول بشكل أو بآخر بالشراكة مع الصين، وهذا وحده يجب أن يكون (جرس إنذار وتخوف كبير لواشنطن). فكل تلك الدول تكاد لا تتفق على أى شىء تقريباً، لكنها جميعا تؤيد علاقات أوثق مع الصين.

ولكن، على الرغم من الإنجازات الملحوظة التى تم تحقيقها من خلال (مبادرة الحزام والطريق الصينية) فى الشرق الأوسط ومصر خلال السنوات الخمس الماضية، لا تزال مبادرة “الحزام والطريق) والطريق” الصينية تواجه شكوك عديدة من قبل واشنطن حول (النفوذ الصينى فى المنطقة).

وبدأت الولايات المتحدة الترويج والتخويف من شعارات “الإمبريالية الصينية”، مدعية بأن “الصين تستخدم الديون السيادية لتنصاع الدول الأخرى التى تلقت المساعدات المالية الصينية لإرادتها وتمرير سياستها”. ومع ذلك، تفتقر مزاعم واشنطن بشأن “الإمبريالية الصينية” المزعومة إلى التدقيق وزيادة الأدلة العملية عليها.

ومن هنا، فإن (تسارع النمو الإقتصادى فى علاقات مصر ودول المنطقة بالصين سيؤثر حتماً مستقبلياً فى العلاقات مع واشنطن)، حيث تؤكد كافة المؤشرات والمعطيات القائمة والتوقعات المرتقبة بأن التعاون المصرى والعربى مع الصين هو أمر بالغ الاهمية ومقبل على مرحلة تؤول إلى الصعود والإتساع، وهو الأمر الذى دعا إليه كافة المسئولين الصيينين فى المناسبات الرسمية المتعددة والمختلفة، فالمسئولين فى الصين يؤكدون دوماً بأنه (إذا إتحد شرق آسيا الذى تقع فيه الصين مع شمال أفريقيا الذى تقع فيه مصر والبلاد العربية، فسوف يؤدى ذلك إلى التأثير على مسيرة الأحداث الدولية، وسوف يساهم فى الوصول إلى تعددية الأقطاب، وهو الأمر الذى لا ترغب فيه الولايات المتحدة الأمريكية حتى لا يؤثر على سيطرتها على المنطقة العربية بصفة خاصة والعالم كله بصفة عامة).

4) المغازلة المصرية للصين كقوة عظمى وإنعكاساتها على المصالح الأمريكية والإسرائيلية فى الشرق الأوسط

كان هناك تخوف كبير فى الصين من أن الإنفتاح الكبير على مصر والشرق الأوسط، من شأنه أن يثير (إستعداء القوى العظمى الأخرى، وعلى رأسها واشنطن). وهو ما أكده الباحث الصينى (تشى شانغ)، الذى كتب فى “غلوبال تايمز” فى عام 2013، بأن الإستراتيجية الصينية للإنغماس فى الشرق الأوسط، ستضر حتماً بالعلاقات الصينية مع روسيا وأمريكا وتقود الصين إلى الإستثمار فى “المجالات الخطرة”، ومن هنا، فلا ينبغى للصين أن “تتخذ خطوة كبيرة فى الإنفتاح على الشرق الأوسط”، وفقاً لتحليل الباحث الصينى (تشى شانغ).

كما إستعانت مصر وكافة دول الخليج، بما فيها (السعودية والإمارات) بشركة (هواوى لبناء شبكات الجيل الخامس والبنية التحتية للإتصالات)، وتحدوا جميعاً بذلك الضغوط الأمريكية. وكانت (الإمارات أول دولة أجنبية تمنح موافقة طارئة للقاح (كوفيد-19) من (شركة سينوفارم الصينية)، وغرد حاكم دبى الشيخ (محمد بن راشد آل مكتوم)، وهو يأخذ صورة لنفسه وهو يتلقى ظاهرياً حقنة من ذلك اللقاح الصينى وليس اللقاحات الأخرى التى تروج لها واشنطن وبريطانيا.

وهذا يؤكد أهمية الجانب الصينى إلى مصر، فمن دون تمويلها وخبرتها، سيصبح من الصعب تنفيذ عدد من المشاريع البارزة المصرية على غرار (العاصمة الإدارية الجديدة، والمنطقة الصناعية الجديدة لقناة السويس، والنشاط الكبير لشركة “تيدا” الصينية العملاقة فى جذب مئات الشركات الصينية، وتنفيذ العديد من المشروعات الصينية فى منطقة قناة السويس) على الأرض. وفى المقابل، ترغب الصين فى الإستفادة من موقع مصر فى العالم العربى وأفريقيا من أجل تسهيل التعاون الثنائى والجماعى فى كلتا المنطقتين، بما فى ذلك فى إطار مشاريع تدعم “مبادرة الحزام والطريق”. إن كل ذلك يقلق الولايات المتحدة، خاصة مع (التحذير الأمريكى من إمكانية إستخدام الصين سهولة نفاذها إلى الموانئ المصرية والعربية وقناة السويس كممر ملاحى عالمى حيوى، من أجل تحسين مكانتها فى الشرق الأوسط وربما جمع معلومات إستخباراتية حول المصالح الأمريكية، على غرار مخاوف واشنطن بشأن نشاط الصين فى ميناء حيفا فى إسرائيل، ومدى تأثيره على الأمن القومى الأمريكى والإسرائيلى)، على إعتبار أن إسرائيل هى الحليف الأول لواشنطن فى المنطقة( ).

ومن هنا، فإن تقارب مصر والعرب أجمع ومغازلتهم للقطب الصينى، سيكون له تأثيراته المستقبلية خاصةً مع ترشح الصين كى تكون قوة عظمى لها دور عالمى بارز فى ضوء الواقع الدولى الحالى، كما أن العرب جميعاً يحتاجون إلى تقوية موقفهم التفاوضى وكيانهم القومى فى مواجهة الولايات المتحدة والغرب، وقضايا العرب، وعلى رأسها (الصراع العربى – الإسرائيلى)، والحقوق الفلسطينية، وعدد من القضايا الشائكة والعالقة دون حل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مثل: (بناء المستوطنات، وعودة اللاجئين الفلسطينيين)، وغيرها، لذا، فنجد أن مصالح الطرفين الصينية والمصرية والعربية ضرورية للحفاظ على حقوق كل الأطراف فى مواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية، وتشابه الظروف المصرية – العربية – الصينية، وتعرضهم جميعاً تقريباً لنفس الضغوط والتحديات.

5) تنويع سياسة مصر الخارجية وخياراتها العسكرية عن الصين وموقف الولايات المتحدة وإسرائيل منها
إن الوضع الراهن فى الشرق الأوسط يعمل بشكل أساسى لصالح الصين وأولوياتها الإقتصادية، حيث (تحاول بكين كسب النفوذ فى منطقة الشرق الأوسط، مع محاولة الإبتعاد قدر الإمكان وتجنب الخصومات الوطنية المعقدة والصراعات الطائفية فى المنطقة). فالولايات المتحدة الأمريكية تنفق مبالغ طائلة لمحاربة الجماعات المتطرفة وحماية حرية الملاحة فى دول الخليج والمضائق البحرية فى المنطقة، وهنا تستفيد الصين مباشرةً من إستقرار أسعار النفط. فما تريده الصين الآن هو (الحفاظ على هذا الترتيب مع إكتساب القدرة تدريجياً من خلال “مبادرتها للحزام والطريق” على الضغط على الدول للإنحياز لها).

وفى تطور جديد، فقد أعتبر (معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى التابع لجامعة تل أبيب)، بأن علاقات إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك عقب دخول إدارة أمريكية جديدة بقيادة (جو بايدن)، بأنها (قيد الإختبار)، ويأتى ذلك على خلفية توترات مع الإدارة الأمريكية الجديدة مع إسرائيل، بشأن قضايا خارجية محددة، والتآكل الكبير فى مكانة إسرائيل كمحط إجماع بين الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة، و “بصفتها الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط”، كما تروج دائماً لنفسها فى المنطقة( ).

وفيما يتعلق بالتعاون العسكرى المصرى – الصينى ومدى تأثيره على واشنطن وحليفتها (إسرائيل)، فيلاحظ بأن هذا التنامى الملحوظ فى العلاقات الإقتصادية بين مصر والصين من خلال مشروعات الصين التنموية فى مصر ضمن مبادرتها (الحزام والطريق)، قد شجع القيادات فى كلا البلدين نحو مساحات أكثر إستراتيجية، حيث تمت مناقشة (إمكانية حصول القاهرة على أجهزة صينية كان من المقرر أن تعمل ضمن نظام أمريكى للإنذار والتشويش، أو مساعدة الصين لمصر فى إمدادها بتكنولوجيا متقدمة لمراقبة الإنترنت، وبالأخص مراقبة العناصر المتطرفة والإرهابية فى الإنترنت، كما فتحت مصر خطوط إتصال عدة مرات مع بكين لإنشاء مفاعل نووى سلمى فى الإسكندرية، أو للحصول على صفقات أسلحة وصواريخ ودبابات صينية) وغيرها من المعدات العسكرية الصينية( ).

وتعتبر مصر هى (القوة العسكرية الكبرى فى منطقة الشرق الأوسط، ومن بين أهم الأسواق فى الوقت ذاته للأسلحة الصينية). وبحسب مشروع “قوة الصين” الذى أطلقه (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية فى واشنطن)، تمثل البلدان الأفريقية جميعاً، بما فيها مصر (الوجهة الأولى للأسلحة الصينية) فى أفريقيا، مستأثرة بنسبة (42%) من مجموع الصادرات العسكرية الصينية( ).
وفى سياق (مبادرة الحزام والطريق)، وكما شددت الباحثة الأمريكية فى كتابها المعروف، بعنوان: “القرن الأوراسى الصينى؟: الآثار السياسية والإستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق”، وهى الأكاديمية (ناديج رولاند) الخبيرة فى الشئون الأمنية والسياسية بالمكتب الوطنى للبحوث الآسيوية – والتى زارت مصر بالفعل فى عام 2019، كما ذكرت ذلك فى كتابها- وأجرت الباحثة الأمريكية (رولاند) مع زميل آخر لها مشارك فى البحث مقابلة تمت بالفعل فى القاهرة مع دبلوماسى صينى، فى سفارة بكين فى مصر، فى يناير 2019 – فمن المهم التذكر وفهم (وفقاً لتحليل الباحثة “ناديج رولاند”)، بأن:

تعزيز (التنمية الإقليمية فى مصر وأفريقيا والدول العربية والنامية، لا يعتبر وسيلة لتشجيع الإنفتاح السياسى بل هو على العكس من ذلك، فهو وسيلة لتقوية الأنظمة السلطوية القائمة وتسليحها عسكرياً وتثبيتها حول الصين)… ومن هنا، فستساعد البنية التحتية الصينية العابرة للقارات من خلال (مبادرة الحزام والطريق) على الوقاية من عراقيل محتملة للإمداد البحرى فى حال نشوب الصراع. وترسيخ مساحة الصين الإستراتيجية سيساعد على مواجهة الجهود المزعومة بقيادة أمريكية لإحتواء بروز البلاد. وبما يتخطى هذه الأهداف الملموسة، تسعى مبادرة الحزام والطريق أيضاً إلى (تلبية الطموح الإقليمى الأوسع، بإنشاء نظام أوروبى – آسيوى يتمحور حول الصين)، وتصبح معه – علاقات الصين العسكرية مع مختلف دول ومناطق العالم، كالشرق الأوسط ومصر أمراً لابد منه لحماية مصالح الصين والدفاع عنها – وتحقيق الإستقرار الأمنى والسياسى للمشروعات الصينية القائمة فى إطار مبادرتها للحزام والطريق( ).

ويتوسع تعاون الصين على الصعيدين الأمنى والدفاعى فى العالم العربى ومصر، خاصةً مع تزايد حضورها الإقتصادى فى تلك الدول. وتشكل (المشاريع البحرية الصينية، ولاسيما مشروعات إنتاج الكابلات البحرية الصينية فى العالم العربى والشرق الأوسط، عنصراً أساسياً فى تركيز الصين على التواصل الإتصالاتى والمعلوماتى مع مختلف دول المنطقة). فعلى سبيل المثال، سلمت (شركة شبكات هواوى البحرية الصينية كابل “حنبعل” الذى يربط تونس بإيطاليا، بالإضافة إلى تسليم كابل مهم آخر يربط ليبيا باليونان). وقد ولد هذا الأمر هواجس لدى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب حول (خطورة إستخدام الإستثمارات التجارية الصينية لأنشطة غير تجارية وإستخبارتية عسكرية فى بلدان الشرق الأوسط)، مثل (جمع المعلومات الإستخباراتية لصالح الصين من خلال مشروعات “التعاون البحرى العسكرى فى دول المتوسط)، فمثل هذا الأمر، يضر كثيراً بأمن واشنطن وقواعدها فى الخليج العربى ويؤثر على النفوذ الأمريكى فى الشرق الأوسط.

وقد بدأ (أول تحرك عسكرى صينى فعلى فى الشرق الأوسط فى ليبيا بعد قيام الثورة الليبية وثورات الربيع العربى الأخرى فى العام 2011)، وذلك عندما (ساعدت بحرية جيش التحرير الشعبى الصينى في إجلاء حوالى 40 ألف عامل صينى من ليبيا)، قبل أن تباشر منظمة حلف شمال الأطلسى بشن الغارات الجوية. بعد ذلك جرت (مناورات عسكرية صينية – روسية مشتركة) فى عام 2015 فى منطقة البحر المتوسط. وفى عام 2017، إفتتحت الصين (أول قاعدة عسكرية لها خارج البلاد فى دولة جيبوتى، لحماية سفنها ومصالحها الإقتصادية من القرصنة الصومالية ولحماية المضائق والممرات البحرية ذات الأهمية الإستراتيجية للصين فى الخليج العربى والشرق الأوسط). وفى يناير 2018، توقفت سفينتان حربيتان من (مجموعة الحراسة البحرية الصينية السابعة والعشرين فى عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كجزء من جولة بحرية عسكرية إستطلاعية صينية) مدتها أربعة أشهر فى الشرق الأوسط ودول البحر المتوسط.

وهنا نجد أنه (إتجاه مصر إلى التعاون العسكرى مع الصين) قد أثار بالطبع (إعتراض وحفيظة واشنطن، التى عبرت عن إستيائها من العلاقات المصرية – الصينية خاصةً العسكرية فى أكثر من مناسبة)، خاصةً – مع محاولة إسترجاع حادثة عسكرية قديمة ولها مغزى عميق بالنسبة لتخوف واشنطن من تنامى علاقة القاهرة عسكرياً ببكين – وهذه الحادثة الخطيرة التى تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية تهديداً لأمنها القومى وأمن حليفتها “إسرائيل” فى المنطقة – هو (سماح القاهرة لوفد صينى بزيارة قاعدة مصرية تحتوى على طائرات إف-16 الأمريكية، دون علم واشنطن)، وفقاً لما ورد فى رسالة سرية من (سفارة واشنطن فى القاهرة وملحقيتها العسكرية) لوزيرة الخارجية الأمريكية (هيلارى كلينتون) عام 2009( ).

ومن هنا، نجد أنه بناءاً على التحليل ذات الطابع العسكرى والإستراتيجى السابق، نجد أن (ميزان القوى يشكل المكون الأساسى لرؤية الصين نحو نظام عالمى براغماتى ومنتج). وكجزء من أهم التوصيات حول السياسات العسكرية الجديدة لمصر فى عهد (الرئيس السيسى)، بأن الصين نفسها تسعى لزيادة نفوذها وتواجدها فى المنطقة على حساب الإنسحاب التدريجى الأمريكى منه، لذا، باتت أهمية الإعتماد والتدريب على “النموذج العسكرى الصينى وطبيعة تكوين جيش التحرير الشعبى الصينى” كأمر له وزنه وإعتباره الإستراتيجى مستقبلياً، وهنا يمكننا الإشارة لناحية تحليلية أخرى مختلفة ألا وهى “أن الصين باتت تعتمد نموذجاً تنموياً يسعى إلى دمج السلطوية مع النمو الإقتصادى، وهو نموذج له جاذبية لدى الأنظمة والقيادات السياسية فى أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، لذلك، باتت أهمية (التعاون الأمنى والعسكرى التدريبى الدفاعى المشترك بين النظام المصرى ونظيره الصينى لدمج آلية عمل أنظمتهما السياسية والإقتصادية، وما يستتبعهما من شرعية سياسية وقبول شعبى)، بالنظر، لما يردده القادة والعسكريون فى المنطقة، بأن الجماهير العربية غير مؤهلة حتى الآن لأنماط عمل الديمقراطية الليبرالية الغربية على النمط الأمريكى والأوروبى، ومن هنا، فإن التعامل العسكرى مع الصين هو الخيار الأمثل لمصر وكافة دول المنطقة فى ظل (الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة “جو بايدن” وتدخلها فى شئون مصر والمنطقة داخلياً).

وهنا، يشير المحللين والخبراء الأجانب بأنه “يجب على الحكومات فى أوروبا والولايات المتحدة أن تراقب بحذر ظاهرة إنخراط الصين فى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وعليها أن تحلل كافة تلك التحركات والعلاقات والشراكات الصينية العسكرية عن كثب أيضاً لخطورة ذلك فى تقليص النفوذ الأمريكى – الأوروبى العالمى”.

6) تعزيز الشرعية السياسية فى الداخل أمام التدخل الغربى بعد الإطاحة بنظام الإخوان وإنجاح ثورة 30 يونيو في مصر

أن الحديث عن الصين كنموذج يعبر عن رغبة النظام المصرى فى التعلم من تجربتها، هو التقرب منها وتوثيق التعاون معها – ولا سيما حول قناة السويس– فى مجالات التكنولوجيا، والإستثمارات، والتجارة، والنقليات البحرية والسياحة. فضلاً عن ذلك، فإن المقارنة بالصين تستهدف (تعزيز ثقة الجمهور المصرى بالنتائج الإيجابية لخطة الإشفاء والإصلاح الإقتصادى التى ينتهجها الرئيس “السيسى” منذ نوفمبر 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولى). ومن هنا، فإن التعلق بالنجاح الصينى يستهدف تحقيق إجماع عام واسع لإجراءات إقتصادية مصرية حازمة، مرت بها الصين أيضاً فى بداياتها التنموية – على رأسها تخفيض الدعم الحكومى لمنتجات الوقود والغذاء – والكفيلة بإعطاء أساس ثمارها على المدى المتوسط – البعيد.

إن رفع النموذج الصينى إلى مستوى المثال الأعلى يخدم أجندة الإقتصاد المصرى من ناحية أخرى: فهو يسمح بمنح شرعية للنموذج السياسى الحالى، بما يضعه من تشديدات بشأن (أهمية تحقيق الإستقرار، وعدم التهاون فى أمن مصر لأى سبب، مكافحة الإرهاب والتطرف، ومواجهة الأجندة المتطرفة المدسوسة لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، والمضى نحو التنمية والبناء)، وغيرها من آليات وترتيبات وإجراءات مؤسسية إقتصادية مصرية شبيهة ببدايات النموذج التنموى الصينى، والتركيز بقدر أقل من ذلك على موضوع الحريات والديمقراطية، وعدم السماح لواشنطن والغرب بالتدخل فى الشئون الداخلية لمصر فى هذا الصدد. ففى سلسلة مقالات نشرها (جمال عبد الجواد)، الرئيس الأسبق لــ “مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية”، أكد فى تحليلاته على أن مصر ترجح (النموذج الصينى السلطوى على النموذج الهندى الديمقراطى، بالنظر لحجم التحديات الأمنية والسياسية التى تواجهها مصر فى تلك المرحلة الدقيقة)، لأن النموذج الصينى قد أثبت نفسه كضمان للحفاظ على (إستقرار وأمن الدولة مع تتحقيق معدلات عالية لتنمية إقتصادية متسارعة). وبالفعل، فإن الشرعية التى يقوم عليها النظام المصرى من مواطنيه تقوم على أساس (ثقتهم بإنجازاته الأمنية والإقتصادية، وليس على أساس إقامة ديمقراطية برلمانية وفقاً للنموذج الغربى).
فضلا ًعن ذلك، فإن الصين شبيهة فى بداياتها بمصر، ومع ترشيحها وإمكانية تحولها إلى قوة عظمى عالمية يعتبر هذا الأمر فى نظر المصريين دليلاً على أهمية أن تتبنى مصر هذا النموذج الصينى كى تحظى بالتقدم، مع التأكيد فى الوقت ذاته على أن (الدولة المصرية مثل نظيرتها الصينية بوسعها أن تصمم نموذجاً وطنياً يتناسب مع تراثها، إحتياجاتها وقيمها).
إن الترويج لمسألة ملاءمة النموذج الصينى مع مصر لها تأثيرات إقليمية أيضاً، حيث نجد أنه فى السنوات الأخيرة يطرح السؤال: هل بوسع نموذج التنمية الصينى أن يتحدى، بل وأن يحل محل النموذج الغربى، الذى يروج لقيم السوق الحرة ومفاهيم الديمقراطية الليبرالية فى الدول النامية؟ وبناءاً عليه، فإن فوز الرئيس (السيسى) فى الإنتخابات الرئاسية فى مارس 2018، ونجاح الإستفتاء الشعبى على تعديل الدستور المصرى فى إبريل 2019، كل ذلك قد أثار خلافاً حول (النموذج المناسب لمصر والدول العربية فى عصر ما بعد الربيع العربى).
بالمقابل، دافعت مصر عن (توجهها نحو النموذج الصينى الأمثل لها)، والذى يستمد إلهامه من (النموذج الصينى، كنظام يضمن النظام، والأمن، والرفاه المادى، والشرف الوطنى والمكانة الدولية)، وهو نفسه ما يسعى إليه النظام المصرى داخلياً وخارجياً على غرار الصين.
ومن هنا، يلاحظ بأن (النموذج الصينى) يؤدى دوراً إعلامياً حول سعى القائمين على إصلاح أمر الإقتصاد المصرى لكسب شرعية جماهيرية لخطوات مصر الإقتصادية الناجحة، والتى يفترض أن تعطى ثمارها فى المدى المتوسط والبعيد. والإعتماد الإعلامى على الترويج للنموذج الإقتصادى الصينى، خاصةً فى بداياته وحجم التعثر والأزمات التى شهدها، فى إشارة لمدى تشابهه مع بدايات النموذج الإقتصادى المصرى، وما يستهدفه فى المستقبل( ).
وتخلص الباحثة المصرية، بأنه فى هذه المرحلة يتبين أن مصر تسعى إلى (الدمج بين عناصر نموذج التنمية الغربى ونموذج التنمية الصينى)، الذى يشبه فى بعض من مزاياه الإقتصادية تلك الغربية، ولكنه يرفض مزاياها السياسية. ومن هنا يسعى الرئيس (السيسى) للتأكيد على تلك الإستراتيجية، خاصةً خلال الفترة المقبلة، بإعتبار أن (نجاح تلك الإستراتيجية تعد مفتاحاً حقيقياً لإزدهار مصر الإقتصادى وخلاصاً لها من أزماتها، على غرار النموذج الصينى).

7) التعاون بين مصر والصين فى مكافحة الإرهاب والتطرف فى الشرق الأوسط وأثره على العلاقات الأمريكية والإسرائيلية
من اللافت للنظر أن الصين نجحت دبلوماسياً فى معركتها فى الشرق الأوسط من أجل (إستمالة وتحييد كافة دول الشرق الأوسط المسلمة، بما فيها مصر والمملكة العربية السعودية بشأن عدم التدخل فى شئون الصين الداخلية، وما تثيره واشنطن والغرب ضد بكين وسياساته فى إقليم “شينغيانغ” وطريقة معاملته لمسلمى الإيغور فى تلك المقاطعة الصينية المسلمة)( ). فمثلاً نجد أنه فى عام 2019، أشيد بزيارة ولى العهد السعودى الأمير (محمد بن سلمان) للصين، مشيداً بسياسات الصين المحلية “لمكافحة الإرهاب الداخلى فى إقليم شينغيانغ الصينى المسلم”. كما نجحت الصين فى “إستمالة وتحييد تركيا والرئيس التركى “رجب طيب أردوغان” بشأن قضية مسلمى الإيغور الصينيين فى مقاطعة شينغيانغ”، فقبل بضع سنوات فقط، كانت تركيا مدافعاً بارزاً عن الإيغور المسلمين فى الصين، والترويج التركى لهم، بإعتبارهم (شعب تركى لديه جالية كبيرة فى إسطنبول). لكن حدث تغير مفاجئ فى موقف الرئيس التركى (أردوغان) وإلتزامه الصمت تجاه الصين بشأن إقليم “شينغيانغ”، مع وجود بعض الإشارات الدولية بأن (الشرطة التركية قد إعتقلت مئات اللاجئين الإيغور بأمر من الصين)، فمع الأزمة الشديدة فى الإقتصاد التركى وغيرها من الإقتصاديات المسلمة فى الشرق الأوسط، فقد أضحى الجميع، بما فيهم مصر بالطبع على الإعتماد بشكل أعمق أكثر من أى وقت مضى على الإستثمار والتجارة الصينية، من خلال إعلان الجميع للإنضمام لمبادرة (الحزام والطريق) الصينية.
وعلى (الجانب الإسرائيلى)، فنفس الشئ تقريباً ينطبق على “مؤسسات تل أبيب الرسمية إزاء تعاملها فى ملف مسلمى الإيغور فى شينغيانغ”، مع مقاومة إسرائيل للضغط الأمريكى المتزايد ضدها للحد من تعاملها التجارى مع الصين. ونجد هنا تحدى إسرائيلى شديد لواشنطن من خلال (إصرار تل أبيب على إخضاع “ميناء حيفا” الإستراتيجى الهام لعقد إيجار تشغيلى مع شركة صينية مملوكة للدولة لمدة 25 عاماً”. ورفضت الحكومة الإسرائيلية، عدة طلبات أمريكية لتفقد وتفتيش المنشأة الإسرائيلية المستأجرة من قبل حكومة بكين. كما تستثمر الصين أيضاً مئات الملايين من الدولارات فى قطاع التكنولوجيا الإسرائيلى، على الرغم من حملة (إدارة ترامب) السابقة، والتى إستمرت طويلاً، لإقناع إسرائيل بـــ “ضرورة إنسحاب الصين من المشروعات الإستراتيجية المهمة فى تل أبيب”.
وعلى الجانب الإسرائيلى، فقد إستغلت تل أبيب (وجود أكثر من خمس آلاف مواطن إيغورى مسلم من إقليم شينغيانغ الصينى تم تجنيدهم فى “تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا والعراق” للحرب داخل سوريا) من خلال (محاولة إسرائيل تعزيز العلاقات الأمنية وتبادل المعلومات الإستخباراتية وملف مكافحة الإرهاب والتنظيمات الجهادية المتطرفة بين إسرائيل والصين بشأن مواطنيها الإرهابيين فى سوريا)، فقد وجدت إسرائيل فى علاقاتها مع الصين عنصراً هاماً لتحسين بيئتها الإستراتيجية وسط حدود مشتركة معادية لها فى العالم العربى، كما أن العلاقة مع الصين قد تساعدها بالتأكيد بشكل أو بآخر فى حال توتر علاقات إسرائيل بدولة إيران الطامحة لإمتلاك قدرات نووية والحليف الوثيق لبكين.
وهنا، نجد أن نمو العلاقات الثنائية بين الصين وإسرائيل له تداعيات وآثار عكسية على مصر والعالم العربى، لأن (توافق المصالح الحيوية بين البلدين خاصةً تلك المرتبطة بالترتيبات الأمنية قد يساهم فى إختراق إسرائيل للأمن القومى العربى، وإنشاء محاور دولية وإقليمية معادية للعرب). إن إستراتيجية تل أبيب الأمنية والعسكرية المستقبلية تقوم على (الإختراق النفسى لمصر والعالم العربى من ناحية حليفتهم الإستراتيجية “الصين” المناهضة والمنافسة لسياسة واشنطن، لما تتميز به الصين من علاقات تقليدية وتاريخية مع العرب، فضلاً عن الأهمية الإستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق الصينية كموقع قريب من الحزام الإسلامى)، وتحديداً باكستان والجزيرة العربية أو ما يعرف حالياً بـــ (دول الخليج العربى).

فمنذ أيام جميع رؤساء وزراء إسرائيل السابقين مثل (بن غوريون وغولدا مائير، مروراً بليفى أشكول وإسحاق رابين ومناحم بيغن، وصولاً إلى أيهود باراك وبنيامين نتنياهو وإيهود أولمرت)، كان هناك قناعة أبدية أزلية إسرائيلية ومازالت تقول أن (إسرائيل فى خطر فى ظل المحيط العربى المعادى. وبالتالى، فإن حماية “الدولة العبرية” والحفاظ عليها مادياً وروحياً، وتدعيم مستقبلها وإستمرار وجودها، من خلال تدعيم تحالفاتها الدولية مع قوى عظمى كالصين، تعتبر مسألة تحتل مكان الصدارة فى الفكر الأمنى الإسرائيلى).
وهنا، لا يغفل الفكر الإستراتيجى الإسرائيلى عن المخاطر المتنامية لما يصفه الإسرائيليون بــــ “الأصولية الإسلامية” أو “الإرهاب الدينى” فى المنطقة وتوجيهه ضد أهداف إسرائيلية فى العمق الإسرائيلى، بالتحديد من قبل “حماس والجهاد الإسلامى”. وقد شكلت (مسألة إزدياد قوة الإسلام السياسى ونفوذه فى المنطقة عموماً، خاصةً مع دخول الصين كفاعل قوى ومؤثر لمكافحة الإرهاب الأصولى مثل أهداف إسرائيل فى المنطقة، مع تجنيد الآلآف من مسلمى الإيغور الصينيين فى تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا والشرق الأوسط، وربط الصين مع إسرائيل بأجندة التعاون الأمنى لمحاربة ما يعرف بــــ “الإرهاب العالمى” القادر على التغلغل داخل العمق الإسرائيلى والصينى ذاته).
ومن هنا بات أحد أهم التحديات الرئيسية التى كانت على قائمة المواضيع التى بحثت وحللت داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلى، هى (الشراكة والتعاون مع الصين ومصر أيضاً فى موضوع مكافحة الإرهاب، ومناقشة وتقييم مدى تأثير الإرهاب الأصولى فى سوريا والمنطقة على مصالح والأمن القومى الإسرائيلى – المصرى – الصينى)( ).
وهنا نستنتج بأن موضوع (الشراكة الصينية الجديدة مع مصر وإسرائيل وبعض دول المنطقة للتعاون فى ملف مكافحة الإرهاب وتنظيماته المتطرفة وإمتداداتها فى منطقة الشرق الأوسط قد شكل تحدى بحد ذاته ضد واشنطن)، والتى (تعتبر الصين بمثابة عدوها الإستراتيجى الصاعد وفقاً لوثيقة الأمن القومى الأمريكى الصادرة من وزارة الدفاع “البنتاجون” عام 2018)، لذا، أتت (الشراكة والتعاون الأمنى بين بكين وتل أبيب فى موضوع مكافحة الإرهاب فى المنطقة، كأولوية قصوى لواشنطن لمراقبة أثر هذا التعاون الأمنى والإستخباراتى والعسكرى بين الصين وإسرائيل ومصر والمنطقة على ترتيباتها الأمنية والإستخباراتية وتأثيره على مستقبل تحالفاتها فى منطقة الشرق الأوسط). خاصةً مع التداخل بين مجموعة من العوامل السياسية والإقتصادية والإستراتيجية والإعتبارات الداخلية لمثل هذا التعاون الصينى مع إسرائيل ومصر والمنطقة ووقوفها جميعاً ضد التغلغل الأصولى الإرهابى وإمتدادتها فى داخل أوطانها.
8) تحليل التداعيات المستقبلية للتقارب المصرى مع الصين على السياسات الأمريكية والإسرائيلية فى منطقة الشرق الأوسط
عملت الولايات المتحدة الأمريكية على (فك إرتباطها تدريجياً بالشرق الأوسط) خلال السنوات الماضية، وفق خطة إستراتيجية أمريكية مدروسة بعناية للتفرغ لمنافسة الصين فى آسيا.

ويبقى هنا (التخوف المستقبلى لأمريكا وإسرائيل معاً بشأن التحالف الصينى – الإيرانى وإنجذاب وشراكة التنظيمات الشيعية فى جميع أنحاء المنطقة إلى الصين لأسباب مماثلة للإنجذاب والمبررات الإيرانية لتقاربها مع بكين)، فهم جميعاً يرون فى الصين ثقلاً إستراتيجياً موازناً لأمريكا. وفى مقال مهم لوزير الكهرباء العراقى “لؤى الخطيب” فى أكتوبر 2019، أقر فيه بأن “الصين هى خيارنا الأساسى كشريك إستراتيجى على المدى الطويل”. كما أشادت عدداً من الجماعات الشيعية الأخرى شبه العسكرية من العراق وسوريا (عصائب أهل الحق) إلى لبنان (حزب الله) مراراً بالصين وطالبت بزيادة الإستثمارات الصينية فى المنطقة بإعتبارها “توبيخاً ورسالة شديدة اللهجة لأمريكا فى المنطقة وعدم الرغبة فى تواجدها وضرورة إنسحابها لصالح الصين”.
ولعل أبرز (تأثير مستقبلى على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بشأن التقارب مع الصين)، فهنا يبرز بالأساس فى إسرائيل داخل (المدرسة السياسية النيوليبرالية الإسرائيلية)، حيث تؤمن هذه المدرسة أن (التعاون الإقتصادى الإقليمى والدولى من خلال التجارة البينية والمشاريع الإقتصادية المشتركة، والإستثمارات المتبادلة مع القوى الكبرى غير واشنطن، كالصين بالأساس تخلق بيئة مشجعة للتعاون وزيادة الحوافز لدى الدول أكثر من الصراع، ويؤدى ذلك فى المحصلة النهائية إلى خلق حالة من الإعتمادية المتبادلة يمكن إستغلاها سياسياً لعمل مقايضات ومساومات فى ملفات أمنية وعسكرية وإستراتيجية).
وهنا حللت الباحثة المصرية إلى وجود ثمة (تأثيرات غير مباشرة بشأن التقارب المصرى – الصينى على إسرائيل، وسياق الصراع الإسرائيلى- الفلسطينى، وتأثير مجمل ذلك على مستقبل العلاقات مع واشنطن)، حيث يتم (توظيف مثل هذا التقارب بين الصين ومختلف دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها مصر فى دوائر صنع القرار الإسرائيلى بهدف تذويب الصراع بدلاً من حله جذرياً عبر مشاريع إقتصادية إقليمية مشتركة، وبمساعدة رأسمال الصين، كواحدة من دول المركز العالمى)، وتبقى المحصلة النهائية هى إنجاح (التمدد الإسرائيلى فى أقطاب جديدة لرأسمال العالمى خاصة الصين، والتوسع منه فى آسيا الوسطى وفى القوقاز)، ولكن هذا بالطبع ما ترفضه واشنطن بمحاربتها لمثل هذا النفوذ والتغلغل الصينى فى إسرائيل والشرق الأوسط والقارة الآسيوية نفسها أو المحيط الآسيوى لبيئة الصين، عبر تشكيل (تحالفات إقليمية مناهضة لنفوذ الصين بالشراكة مع واشنطن)، وينطبق هذا فى حالات مثل (الهند، كوريا الجنوبية، فيتنام، اليابان، الفلبين)، وغيرها.

وهنا نجد أن واحدة من أهم (المقومات للنظرية الأمنية الإسرائيلية هى توثيق العلاقات مع الدول الكبرى والفاعلة على مستوى العالم، وإيجاد تحالفات دولية وإقليمية تسهم فى تثبيت وجودها، وتدعيم قدراتها العسكرية، وتساعدها بالتالى فى تطويق العالم العربى). لذا نجد، أن من أهم التحالفات العسكرية والإستراتيجية التى نسجتها إسرائيل مع العالم الخارجى كان التحالف مع الصين، مما سبب العديد من الإضطرابات والأزمات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الأولى فى المنطقة وهى إسرائيل، بسبب (تخوف القائمين فى واشنطن بشأن أن يؤدى مثل هذا التقارب بين بكين وتل أبيب إلى تراجع الدور والنفوذ الأمريكى فى المنطقة لصالح الصين)، ولاسيما حلفاء واشنطن الإقليميين مثل (مصر، دول الخليج العربى).

نتائج وإستنتاجات الدراسة

من خلال التحليل التفصيلى لكافة النقاط والعناصر السابقة فى الورقة البحثية، توصلت الباحثة المصرية بإختصار، بأن علاقات مصر ودول منطقة الشرق الأوسط بالصين، من خلال مبادرتها للحزام والطريق، وإنضمام كافة تلك الدول بعلاقات معها (بما فيهم إسرائيل) تقلق الولايات المتحدة الأمريكية، للأسباب الآتية:

1- تنظر تلك الدول بإهتمام إلى (التوجه العالمى الجديد شرقاً للصين، والذى يخدم طموح الدول الإقتصادى).

2- أهمية المبادرة الصينية لمصر والمنطقة، ومشروعها المعروف عالمياً بإسم (الحزام والطريق)، ويحوى هذا المشروع (محوراً تجارياً) يعزز وجود الصين التجارى فى أسواق العالم من خلال (محور قناة السويس المصرية)، بما يساعدها على أن تفتح لها أسواقاً جديدة والنفاذ للعالم من خلال الجانب المصرى.

3- أهمية (المحور النقدى) لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وهو الذى (يسعى لجعل عملة الصين “اليوان” عملة عالمية)، بما يحرر الإقتصاد العالمى – ومصر والشرق الأوسط كجزء مهم منه – من الإعتماد على الدولار الأمريكى، كعملة دفع عالمية.

4- فضلاً عن كون المبادرة الصينية لديها أيضاً (شق جيوسياسى وإستراتيجى ثم محور عسكرى دفاعى كما حللنا فى ورقتنا البحثية للدفاع عن مصالح وإستثمارات الصين)، بحيث يمكنها من (ربط مصر بكافة أقطار العالم التى يمر بها هذا الطريق) بعلاقات وثيقة من خلال شراكتهم المشتركة مع الصين.

5- تنظر الولايات المتحدة الأمريكية بقلق نتيجة (تزايد النفوذ والتواجد العسكرى الصينى، والشراكات الدفاعية بين بكين والقاهرة وإسرائيل ومختلف دول الشرق الأوسط)، حيث لم تعد الصين تقتصر فى تعاونها مع مصر وبلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط فى المجالين الإقتصادى والثقافى فحسب، بل تعدتها كى تشمل المجالين (الدبلوماسى والدفاعى) أيضاً.

6- رغبة بكين فى (الحفاظ على أمن وإستقرار الشرق الأوسط وإستثماراتها) هناك، دفع بالعلاقات العسكرية المصرية – الصينية بشكل أكثر عمقاً، وزادات بكين من حجم صادراتها العسكرية والدفاعية إلى القاهرة والمنطقة، والتى باتت أكثر تنوعاً، مثل: (الأسلحة، المعدات العسكرية، أجهزة الرقابة والتجسس على الإنترنت لضبط العناصر والخلايا والتنظيمات الإرهابية) وغيرها.

7- علاوة على ذلك، تعتمد الصين (نموذجاً تنموياً يسعى إلى دمج السلطوية السياسية مع أنماط وسياسات وبرامج وإصلاحات النمو الإقتصادى)، من أجل أن تحظى (بالقبول والشرعية السياسية لدى مواطنيها والجماهير)، وهو ما أعتبره العديد من المحللين المصريين والأجانب أنفسهم بأنه نموذجاً أكثر قرباً من القاهرة فى فترة (الرئيس السيسى) سياسياً وإقتصادياً وإعلامياً، وهو نموذج بات (يروج له لدى عدد من الأنظمة السياسية فى أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

وبناءاً على ذلك، فإنه من المرجح أن ينجم عن دور الصين المتنامى فى مصر، إسرائيل، دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تداعيات إقتصادية وجيوسياسية مؤثرة للغاية فى بلدان المنطقة وحول العالم، خاصةً فى إطار (التنافس الأمريكى – الصينى)، وتبقى مصر بنفوذها، فضلاً عن دول المنطقة الأخرى هى (نقطة التوازن) فى علاقات بكين بواشنطن ودفعها نحو (التعددية والبعد عن الهيمنة والأحادية)، وتصبح نتيجتها الحتمية هى أن تفضى علاقات الصين بالولايات المتحدة فى إطار (البحث عن مناطق النفوذ وتأمين المصالح) إما إلى مزيد من (التعاون أو الصراع) بين الطرفين، والأهم فى تحليلى النهائى هى (مدى قدرة كل طرف منهما على إستقطاب آخرين فى إطار جيد من التنافس والتعددية بعيداً عن فكرة الهيمنة الأحادية) مراعاةً لمصالح الجميع.

مجموع القراءات 10 total views, قراءات اليوم 2 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية