ملء سدّ النهضة وتداعياته على الزراعة المصرية

ملء سدّ النهضة وتداعياته على الزراعة المصرية

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية _ بقلم: توفيق المديني

تُصِّرُ إثيوبيا على الملء الثاني لسُدِّ النهضة في شهر تموز/ يوليو 2021،بعد نحو عام من ملء مماثل دون الالتزام باتفاق ملزم مسبق تطالب به مصر والسودان،وسط تعثر مستمر لمفاوضات فنية يرعاها الاتحاد الإفريقي،بينهم منذ أشهر، مع اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن هذا التعثر.
ببنائها سدّ النهضة وتعبئته،أصبحت إثيوبيا التي انتقلت من العمل على استرداد حقوقها المائية إلى الاستئثار بحقوق مصر والسودان ،تملك اليد الطولى في تحديد أمن الزراعة المصرية. وهاهي أصوات الدعوات تتعالى في مصر مؤخرًا،لاستخدام القوة في تدمير السد، وأخرى عن “حتمية” الصدام مع إثيوبيا بأية لحظة.
فبعد دعوة الأكاديمي المصري البارز حسن نافعة، إلى توجيه ضربة عسكرية محكمة لجسم السد لوقف عمله، قال وزير الخارجية المصري الأسبق السفير نبيل فهمي في تصريحات لبرنامج “الجمعة في مصر” على شاشة “أم بي سي مصر”،: إنَّ ” صدامًا حتميًا سيقع” بين مصر وإثيوبيا جراء الأزمة.وأضاف، أنَّ “إثيوبيا تحاول أن تقرر مصير مرور مياه عبر نهر ويعبر الحدود تجاه دول أخرى”..وحذر فهمي من تبعات هذه السياسة التي تحاول ترسيخها إثيوبيا، والتي وصفها بـأنها “شديدة الخطورة”، مشيرا إلى أن “قبول هذا المبدأ خلال المرحلة الراهنة يعني أنه سيطبق في حالات أخرى، بما يخلق صداما حتميا”.
سدّ النهضة ومخاطر موت الزراعة المصرية
ذلك أنَّ مصر تعاني بالفعل من آثار السد منذ سنوات. فتم تعديل قانون الزراعة في 2018 لتخفيض مساحة محصول الأرز، المحصول الغذائي الثاني بعد قمح الخبز من 2 مليون فدان إلى 750 ألف فدان فقط، وتجريم المخالفين بالسجن 6 شهور وغرامة 20 ألف جنيه، فتحولت مصر جراء هذا القانون من دولة مصدرة للأرز بمعدل مليون طن إلى مستوردة له بمعدل 800 ألف طن، وارتفع سعر الكيلو من جنيه ونصف في منظومة البطاقات التموينية إلى 10 جنيهات، ثم إلغاؤه من المنظومة برمتها.

وأعلن الجنرال السيسي أن الحكومة أنفقت 200 مليار جنيه لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، ورغم تأكيدنا على عدم جدواها في حل أزمة شح المياه الناتجة عن السد الإثيوبي، أعلن السيسي أنها سوف تزيد إلى تريليون جنيه، ألف مليار جنيه. هذه المليارات تم اقتطاعها من موازنة الصحة والخدمات وظهر أثرها في عجز الدولة عن مواجهة فيروس كورونا المستجد، ما تسبب في موت الأطباء بسبب غياب الأدوات الطبية.
لا يمكن إحصاء مخاطر سد النهضة على مناحي الحياة الزراعية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية من دون تضافر مراكز البحوث المتخصصة في قوانين المياه الدولية، والبحوث الزراعية والأمن الغذائي، والموارد المائية، وهندسة السدود، والاقتصاد والإحصاء، والبحوث الاجتماعية والجنائية، والصحية والبيئية في الدول الثلاث، وهو ما أوصت به اللجنة الدولية لتقييم دراسات آثار السد في تقريرها الصادر في 31 مايو 2013، ولم يتم تنفيذه حتى الآن.
غير أننا نستطيع أن نتنبأ ببعض هذه المخاطر في ضوء ما رشح من معلومات. حيث رفضت إثيوبيا اقتراحا مصريا بالحصول على 40 مليار متر مكعب من إجمالي 49 مليارًا هي حجم مياه النيل الأزرق، لكن إثيوبيا رفضت المقترح المصري وأصرَّت على 31 مليارًا فقط، ما سيؤدي، وفق أكثر السيناريوهات تفاؤلا، إلى اقتطاع 19 مليار متر مكعب من حصة مصر المائية التي لا تعترف بها إثيوبيا، لملء الخزان الذي يسع 75 مليارًا، بالإضافة إلى 25 مليارا أخرى سوف تفقد في البخر والفوالق الأرضية.
سيتم تعويض العجز في حصة مصر من المخزون الحي لبحيرة ناصر الذي سينفد في غضون ثلاث أو أربع سنوات، على أقصى تقدير، وستكون مصر معرّضة للخطر في سنوات الجفاف كما كان الحال قبل بناء السد العالي. وتتوقف توربينات توليد الكهرباء التي تنتج 1800 ميغاوات.

يقول سامح شكري، وزير خارجية مصر، في خطابه إلى مجلس الأمن، إن انخفاض حصة مصر من مياه نهر النيل بمقدار مليار متر مكعب فقط سيؤدي إلى فقدان 300 ألف فدان من أخصب أنواع الأراضي الزراعية في العالم، وفقدان 200 ألف أسرة لمصدر رزقهم، وكذا فقدان وخسارة قدرها 430 مليون دولار في الإنتاج الزراعي، وزيادة كلفة الاستيراد إلى 19 مليار دولار، وهو ما لا تطيقه موازنة الدولة الغارقة في الديون الخارجية والداخلية.
انخفاض حصة مصر من 55.5 مليار متر مكعب إلى 35 مليارا سيصيب الحياة في مصر بالشلل، و”هنشوف نهر النيل زي ملعب الكورة” وفق تعبير الدكتور علاء النهري، نائب رئيس هيئة الاستشعار عن بُعد، التابعة لوزارة البحث العلمي في مصر، والذي أشرف على دراسة علمية للآثار السلبية لسد النهضة الإثيوبي على مصر، وتوصل إلى أن فقد 4.5 مليارات متر مكعب سوف يؤدي إلى تبوير مليون فدان، وفق تصريحه لصحيفة الوطن في 19 يناير/كانون الثاني 2016، ولم تظهر الدراسة حتى الآن ومنع الرجل من الظهور الإعلامي.
أي أن مصر سوف تفقد من 3 إلى 4 ملايين فدان من الأراضي الزراعية، وفق دراسة النهري. ويفقد ثمانية ملايين مزارع يعيلون 32 مليون مواطن مصدر قوتهم. وقد شاهدنا معاناة عمال الزراعة اليومية عندما انقطعت أرزاقهم بسبب أزمة كورونا، فكيف بأصحاب المزارع التي ستحرم من مياه النيل ويجف زرعها؟.
الموارد المائية المتناقصة ستعجز أيضا عن تلبية احتياجات المحاصيل من مياه الري فتنخفض الإنتاجية الفدانية، أو يتم تبوير الأراضي جزئيا، بحيث تُزرع شتاء وتتوقف عن الزراعة صيفا. وفي هذه الحالة، يصبح تجريف الأراضي الزراعية والتغول العمراني عليها أمرا واقعا. وتفقد مصر الأرض الزراعية إلى الأبد.

وسيحدث عجز في إمدادات المياه لأغراض الشرب والصناعة نتيجة انخفاض منسوب المياه في نهر النيل والترع الفرعية عن مآخذ محطات مياه الشرب، وهو ما حدث بالفعل في السودان الأسبوع الماضي، حيث توقفت محطات الشرب تماما بسبب انخفاض منسوب المياه بفعل احتجاز إثيوبيا أثناء الملء الأول للسد.
وتتراكم الأملاح في الأراضي الزراعية وتتدهور إنتاجيتها أيضا، وتزحف مياه البحر المتوسط تحت الخزان الجوفي في شمال الدلتا، ما يسبب تدهور جودتها وإنتاجيتها. وينخفض منسوب المياه الجوفية بنحو 3 أمتار، ما يزيد من تكلفة رفع المياه وري المحاصيل. وتخسر المزارع السمكية 75% من إنتاجها بسبب تلوث المياه في النيل والترع والمصارف، وتتوقف الملاحة النهرية.
هذا في حالة استخدام إثيوبيا مياه النيل الأزرق في توليد الكهرباء فقط. أما إذا استخدمتها في أغراض أخرى للتخزين والتحكم، أو للزراعة، فإن الحياة في مصر سوف تكون جحيما لا يطاق. وقد صرح وزير الخارجية الإثيوبية بامتلاكهم نهر النيل وتحويله إلى بحيرة، ما يعني استخدام المياه في الأغراض الزراعية.
تعاني مصر منذ ما قبل أزمة سد النهضة، من ندرة شديدة في المياه وعجزا مقداره 45 مليار متر مكعب. ويتم تعويض هذا العجز، البالغ 45 مليار متر مكعب، بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي والصحي، وإعادة استخدامها في الزراعة عدة مرات، وهو من أعلى معدلات تدوير المياه في العالم. وتعاني منذ ما قبل الأزمة من فجوة في إنتاج المحاصيل الزراعية بسبب شح المياه، وتعوضها باستيراد 13 مليون طن من القمح، و9 ملايين طن من الذرة الصفراء، و95% من زيوت الطعام، وتستورد 60% من اللحوم، و70% من سلتها الغذائية. وبلغت فاتورة الواردات الغذائية السنوية لها 12 مليار دولار، حسب تصريح محافظ البنك المركزي، طارق عامر، في أكتوبر/تشرين الأول سنة 2017.

العطش و آثاره الاجتماعية
في سنة 2015، أعد الباحثون في مركز البحوث الزراعية ومعهد بحوث المياه، دراسة عن آثار سد النهضة على النسيج الاجتماعي للشعب المصري. وكشفت الدراسة عن أن نقص حصة مصر من مياه النيل سيؤدي إلى تفكيك الاستقرار الأسري، ويهدد النسيج الاجتماعي للشعب المصري بزيادة المشاكل الزوجية والعنف الأسري، وارتفاع معدلات الطلاق. وكذلك يؤدي إلى زيادة الفجوة الغذائية وارتفاع أسعار الغذاء، ومعدلات الفقر الريفي، والذي تتخطى نسبته 70% في محافظات صعيد مصر، و60% في محافظات الوجه البحري، وزيادة جرائم السرقة والعنف. وكذلك زيادة البطالة، وزيادة معدلات هجرة الريفيين الداخلية إلى المدن، والخارجية إلى دول الجوار العربية، ليبيا والسودان، وزيادة موجات الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي. ويزيد معدلات التلوث في نهر النيل والترع والمجاري المائية، إلى تراجع المناعة الذاتية، وارتفاع نسب الإصابة بالأمراض، التي تؤثر على الصحة العامة للمصريين وتزيد تكلفة الإنفاق على العلاج، رغم ارتفاع معدلات الفشل الكلوي وأمراض الكبد والسرطان إلى مستويات عالمية قبل بدء الأزمة.
خطأ السيسي
ادَّعتْ إثيوبيا أنَّ ملء خزان السدِّ تَمَّ وفق إعلان المبادئ الذي وقعه الجنرال السيسي في مارس/آذار 2015. ما يتطلب من السيسي أنْ يسحبَ توقيعه على هذا الاتفاق، ويُعَلِّقَ التفاوض الجاري حتى لا يعتبر إقرارًا بالتصرف الإثيوبي المنفرد، ثم يرفع الملف لمجلس الأمن تحت البند السابع لتهديده للسلم والأمن، والتمسك بالتفاوض على قواعد جديدة تجنب مصر آثار السد الكارثية، وفق تعبير سامح شكري في خطابه إلى مجلس الأمن.

في سياق تعليقه وصف خبير السدود محمد حافظ توجه مصر لمجلس الأمن، بأنه توجه للمكان الخطأ. لأنَّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن غير مختصين بهذه النوعية من المشاكل، على حد قوله.وأضاف حافظ لـ”عربي21″: “ليس من حق مجلس الأمن أو الأمم المتحدة أن تحافظ على هذه الحقوق، لأنها اتفاقيات بين الدول الثلاث ولا بد من موافقتهم معا على هذا التوجه، وأقصى ما يمكن فعله هو تحويل الأزمة إلى البنك الدولي، كما حدث بين الهند وباكستان وغيرها من مشاكل من هذا النوع”.
وأوضح خبير السدود أنه “لا بد أن نعرف أن هذا التوجه مثلما هو حق لمصر والسودان هو حق لإثيوبيا أيضا، وحتى أكون محقا، فإن إثيوبيا لم تخطئ قانونيا، واتفاقية المبادئ عام 2015 أعطتها الحق تماما، وهذا ليس معناه أن مصر والسودان ليسوا أصحاب حق، ولكن وثيقة إعلان المبادئ تجعل إثيوبيا أكثر أحقية قانونيا”.
من جانبه يرى خبير العلاقات الدولية السيد أبو الخير أن هذه الخطوة لن تفيد مصر والسودان كثيرا، لأن مجلس الأمن به دول متحالفة مع إثيوبيا وستستعمل حق الفيتو، كما أن مجلس الأمن ليس المختص الأول، لكن الاتحاد الأفريقي أولى به وأنفع وأجدى.
وأضاف في تصريحات لـ”عربي21″: “أما محاولة اللجوء إلى مجلس الأمن، فهي للتسويف وحتى يتم الملء الثاني للسد ويصبح حقيقة، لأن مجلس الأمن لن يصدر قرارا في يوم وليلة، ولكن الموضوع سوف يتم التلاعب به دبلوماسيا، وهي خطوة ليست في الاتجاه الصحيح”.
وحول رد الفعل الإثيوبي قال خبير العلاقات الدولية: “إثيوبيا لن تهتم كثيرا، لأن اتفاق المبادئ يقضي بموافقتها على أي مفاوضات،ولا تنتظر من الأمم المتحدة حلا، وهذه الخطوة عديمة الفائدة لمصر والسودان، بل هي مفيدة لإثيوبيا، لأنها سوف تأخذ الوقت الكافي لإتمام ملء السدِّ”.

أثرغياب الدور الإقليمي لمصر
وقبل كل الاعتبارات الفنية والبيئية والاقتصادية التي تجعل من تشغيل سد النهضة بالصورة التي تم بها الملء الأول خطراً محدقاً على الشعب المصري، فسيكون للسد، لحظة تشغيله، تأثير خطير على الموقف الاستراتيجي لمصر، بوضعها تحت رحمة إثيوبيا، وهو ما عبّر عنه جميع المراقبين وحتى المسؤولين الحكوميين المصريين مراراً، خصوصاً أن التقديرات المصرية والسودانية تتفق على أنه لا يمكن قبول الرواية الإثيوبية الدائمة بأن سد النهضة يهدف في الأساس لتوليد الكهرباء وحسب، بل إن ضخامة هذا السد لن تسمح له فقط بالإسهام في تحقيق نهضة غير مسبوقة للزراعة في إثيوبيا على مدار تاريخها. ويسمح لها أيضاً بممارسة ضغوط استراتيجية على السودان ومصر، وهو أمر سيصعب التعامل معها مستقبلاً، وقد تكون منفذاً لممارسة قوى أخرى تلك الضغوط من خلال أديس أبابا، وكذلك الإسهام في تحويلها إلى مركز الثقل السياسي الرئيسي في منطقة شرق أفريقيا، فضلاً عن زيادة فرض منافستها لمصر على اجتذاب المشروعات التنموية من المستثمرين بمختلف دول العالم، الذين كانوا يفضلون مصر بسبب أفضليتها اللوجستية ومرافقها قياساً بباقي دول المنطقة. وتدفع مصر ثمن سلسلة من الأخطاء السياسية، وعلى رأسها بطبيعة الحال توقيع الرئيس عبد الفتاح السيسي على اتفاق المبادئ في مارس/ آذار 2015، الذي اعترف أولاً بحق إثيوبيا في بناء السدِّ، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت إليه من قبل. وأقرّ ثانياً بحقها السيادي في إدارته، ولم يقرر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقيات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، وبصفة خاصة عامي 1902 و1993.

والواقع أن الغياب المصري عن أفريقيا كان له تأثير سلبي واضح على مواقف وتوجهات بعض الدول المؤثرة في ملف مياه النيل، وخصوصاً السودان. ففي أواخر عهد الرئيس مبارك تم إهمال أفريقيا لمصلحة قضايا فلسطين والعراق ولبنان، بينما تصاعد الدور الإثيوبي سياسياً من خلال الوساطة في الأزمتين السياسيتين في كينيا وزيمبابوي عقب الانتخابات الرئاسية في البلدين في 2007- 2008. كذلك لعبت إثيوبيا دوراً إيجابياً في النزاع الحدودي بين شمال السودان وجنوبه على منطقة أبيي الغنية بالنفط من خلال إرسال قوات حفظ السلام الإثيوبية كحل مؤقت حتى قيام استفتاء أبيي. وتعاظم الدور الإثيوبي في أفريقيا أكثر من خلال التدخل العسكري لمكافحة الإرهاب في الصومال من 2006 إلى 2009 ثم إرسال قوات حفظ السلام في 2014. وكذلك لعبت دول إفريقية أخرى دوراً فعالاً في القارة على حساب تهميش الدور المصري – الوساطة الليبية ثم الوساطة النيجيرية في أزمة دارفور مثالاً. ويمكن استجلاء التحول الواضح في موقف إفريقيا من القاهرة خلال عقد مقارنة بين عامي 1995 (حين وقعت 27 دولة أفريقية على بيان يدين السودان ويتهمه بتدبير محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا) وعام 2013 حيث قرر مجلس الأمن والسلم الأفريقيين تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي قبل أن يُلغى التجميد في 2014.

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية