صراع اللقاحات: بين احتكار الدول الغنية وحرمان الدول الفقيرة

صراع اللقاحات: بين احتكار الدول الغنية وحرمان الدول الفقيرة

 

بقلم: د هيثم أحمد مزاحم

كشف وباء كورونا الذي لا يزال ينتشر ويصيب الملايين من البشر حول العالم عن أزمة أخلاقية عالمية بسبب استمرار الاحتكار العلمي والتمييز القومي خصوصاً لدى الدول الغربية الغنية، حيث تمنح هذه الدول الأولوية لمواطنيها في توزيع الأدوية واللقاحات وتفضيلها على الشعوب الأخرى، فيما ترفض بعض الشركات المنتجة للقاحات مشاركة التقنيات العلمية لصناعة اللقاحات المضادة لفيروس “كوفيد-19” والتي يمكن أن تحمي مئات الملايين من البشر من الموت والمرض الشديد.

تتناول هذه الدراسة أزمة توزيع اللقاحات العالمية وتوفرها في الدول الغنية وحرمان الدول النامية والفقيرة منها.

مدخل إلى تاريخ اللقاحات

تعود ممارسة التحصين أو التلقيح إلى مئات السنين. فقد شرب الرهبان البوذيون سم الأفعى لكسب مناعة ضد لدغة الثعابين، وتمت ممارسة التجدير أي تلطيخ الجلد باستخدام جدري البقر لمنح مناعة ضد الجدري في الصين في القرن السابع عشر.

أما مؤسس علم التطعيمات في الغرب فهو إدوارد جينر عام 1796، بعد أن لقح صبياً يبلغ من العمر 13 عاماً بلقاح ضد فيروس جدري البقر، وأظهر مناعة ضد الجدري. وفي عام 1798، تم تطوير أول لقاح للجدري.

وعلى مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بلغ التنفيذ المنهجي للتحصين الجماعي ضد الجدري ذروته في القضاء عليه عالمياً في عام 1979 (1).

قادت تجارب لويس باستور تطوير لقاحي الكوليرا والجمرة الخبيثة عامي 1897 و1904 على التوالي. وتم اختراع لقاح الطاعون كذلك في أواخر القرن التاسع عشر.

في عام 1923، أتقن ألكسندر جليني طريقة لإبطال مفعول توكسين التيتانوس بالفورمالديهايد. وتم استخدام نفس الطريقة لتطوير لقاح ضد الدفتيريا في عام 1926. واستغرق تطوير لقاح الشاهوق وقتاً أطول بكثير، مع أول ترخيص كامل للقاح في الولايات المتحدة في عام 1948 (2).

تم تطوير طرق زراعة الأنسجة الفيروسية بين عامي 1950 و1985، وأدت إلى ظهور لقاح شلل الأطفال بنوعيه. وقد قضى التحصين الجماعي ضد شلل الأطفال الآن على المرض من مناطق عديدة حول العالم.

تم تطوير سلالات موهنة من الحصبة والحصبة الألمانية لإدراجها في اللقاحات. تعد الحصبة حالياً الهدف المحتمل التالي للتخلص منه عن طريق التطعيم (3).

وعلى الرغم من الأدلة على المكاسب الصحية من برامج التلقيح، كانت هناك دائماً مقاومة للقاحات بين بعض السكان في مختلف أنحاء العالم. وقد شهدت أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين تزايد التقاضي بشأن التأثيرات السلبية للقاحات الأمر الذي انعكس في انخفاض ربحية تصنيع اللقاحات، مما أدى إلى انخفاض عدد الشركات المنتجة للقاحات. وتم إيقاف هذا التراجع جزئياً من خلال تنفيذ البرنامج الوطني لتعويض إصابات اللقاح في الولايات المتحدة في عام 1986. وتستمر حتى يومنا هذا الجهود الإعلامية المستمرة من قبل جماعات الضغط المناهضة للتطعيم (4).

شهد العقدان الماضيان تطبيق علم الوراثة الجزيئي ورؤاها المتزايدة في علم المناعة وعلم الأحياء الدقيقة وعلم الجينوم المطبق في علم اللقاحات. وتشمل النجاحات الحالية تطوير لقاحات التهاب الكبد بي، ولقاح السعال الديكي اللاخلوي، وتقنيات جديدة لتصنيع لقاح الأنفلونزا الموسمية.

يمهد علم الوراثة الجزيئي المشهد لمستقبل مشرق لعلم اللقاحات، بما في ذلك تطوير أنظمة جديدة لإيصال اللقاحات (مثل لقاحات الحمض النووي، واللقاحات النباتية) وتطوير لقاحات أكثر فعالية ضد السل، واللقاحات ضد الفيروس المضخم للخلايا (CMV)، وفيروس الهربس البسيط (HSV) ، والفيروس المخلوي التنفسي (RSV)، وفيروس نقص المناعة البشرية المعروف بالإيدز وداء البلهارسيات وفيروسات أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وسارس، وأخيراً لقاحات فيروس كوفيد -19 المعروف بكورونا، من بين أمور أخرى. قد تكون اللقاحات العلاجية متاحة قريباً للحساسية وأمراض المناعة الذاتية والإدمان(5).

فيروس كورونا

بعد أشهر على انتشار وباء كورونا في العالم الذي ظهر في الصين في ديسمبر 2019، بدأت شركات الأدوية وتصنيع اللقاحات العالمية بالبحث عن علاجات ولقاحات لهذا المرض المميت. وقد نجح عدد محدود من هذه الشركات في التوصل إلى لقاحات فعالة وآمنة، أبرزها شركة فايزر الأميركية وشركة مودرنا الأميركية وشركة جونسون أند جونسون الأميركية، وشركة أسترازينيكا البريطانية، والشركة المنتجة للقاح سبوتنيك5 الروسي، والشركتان المنتجتان للقاحين الصينيين، وغيرها من الشركات الأقل شهرة.

وقد واجهت هذه الشركات تحديين أساسيين هما: الأول هو احتكار الدولة التي تنتمي إليها الشركة للكميات الكبيرة والأساسية من جرعات اللقاح لمواطنيها، وبيع الفتات للدول الأخرى. والتحدي الآخر هو غلاء بعض اللقاحات وعدم تمكن الدول الفقيرة من شرائه لمواطنيها، مما جعل هذه اللقاحات تبدو كأنها للدول الغنية فقط وللأغنياء في الدول الفقيرة كذلك.

أما المشكلة الآخرى التي واجهتها البشرية في خضم هذه الجائحة القاتلة والسريعة الانتشار فهي الصراعات بين الدول على حجز اللقاحات لمواطنيها من جهة، وتآخر الشركات في تسليم الجرعات لدول أخرى وعدم التزامها بالمواعيد المتفق عليها من جهة أخرى.

وقد ازداد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حول إمدادات لقاح أسترازينيكا مع تهديد الاتحاد الأوروبي بوقف صادرات جرعات اللقاح إلى بريطانيا لحين الانتهاء من تلبية احتياجاته. فرغم محاولات الاتحاد الإسراع من وتيرة جهود توزيع اللقاح في أوروبا، إلا أنها ظلت تعاني من بطء شديد. وقد أدى التأخير في عملية توزيع اللقاح داخل أوروبا إلى انتشار الموجة الثالثة للفيروس.

والنزاع الدائر بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يتجاهل حقيقة أن هذه جائحة عالمية وبحاجة إلى استجابة عالمية إذا ما أراد العالم حقاً الخروج من هذه الجائحة. فالأزمتان الصحيتان المتفاقمتان في كل من البرازيل والهند تقدمان درساً للجميع، في وقت يعاني فيه البلدان من نقص إمدادات اللقاح أو بطء توزيعه. ولا شك أن ارتباط اللقاح ببعض النزعات القومية الحمائية أمر لا مفر منه، لكنَ التأثير القوي لهذه النزعات يثير الإحباط بالنظر إلى حجم التفوق الذي تملكه الدول الغنية في مواجهة العالم النامي(6).

وقد أصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بالفعل أوامر شراء لجرعات تغطي سكانها مرات كثيرة. وفي الوقت الذي تولت الدول الغنية تلقيح شخص واحد كل ثانية خلال يناير وفبراير 2021، لم توزع الدول الأشد فقراً جرعة واحدة آنذاك (7).

وقد تعرضت الولايات المتحدة، وكذلك بريطانيا، لانتقادات شديدة بسبب سياسة “أميركا أولاً” التي انتهجتها تجاه صادرات اللقاح (8)، مما جعل الولايات المتحدة لديها فائض بالجرعات من أربعة لقاحات، ثلاثة لقاحات أميركية هي فايزر ومودرنا وجونسون أند جونسون، ولقاح “أسترازنيكا” البريطاني، وعدم إقبال الكثير من المواطنين الأميركيين لتلقي اللقاح وتوجه الإدارة الأميركية إلى تلقيح فئات البالغين والأطفال في محاولة يائسة للوصول إلى مناعة القطيع، ويتوقع مصنعو اللقاح أن يتمكنوا من إنتاج عدد كافٍ من الجرعات لـ 5.7 مليار شخص هذا العام.

يشار إلى أن روسيا والصين استفادتا من تكالب الغرب على تكديس جرعات اللقاح بالترويج للقاحاتها حول العالم، وخاصة في أوساط الدول النامية، الأمر الذي يفسّر سعي الولايات المتحدة حالياً للمشاركة في الجهود الخيرية المتعلقة باللقاحات(8).

من بين المؤشرات الإيجابية التي كشفتها أزمة كورونا أنها أظهرت حجم الاعتماد المتبادل بين الدول. ولذلك، يتعين على الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند وشركات اللقاحات في هذه الدول، تسوية خلافاتها سواء عبر التشارك في الجرعات المتاحة أو تصنيع المزيد والتركيز على العدو الحقيقي، الجائحة.

مبادرة “كوفاكس”

على الرغم من سعي مبادرة “كوفاكس” العالمية، برعاية منظمة الصحة العالمية، إلى تأمين لقاحات كورونا للدول الفقيرة، إلا أن استئثار الدول الغنية بحصة الأسد من اللقاحات يهدد بتقويض جهود المبادرة. ففيما تمضي دول العالم الغنية قدماً في حملات التلقيح الشاملة لمواطنيها ضد فيروس “كوفيد-19″، لاتزال الدول الفقيرة تسعى جاهدة لتأمين اللقاحات لسكانها. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من سعي الدول الغنية إلى الاستئثار باللقاحات على حساب الدول الفقيرة، وتسعى المنظمة إلى إرسال نحو ملياري جرعة إلى الدول النامية بحلول نهاية العام 2021، من خلال مبادرة “كوفاكس” المعنية بتوزيع عادل للقاحات(9).

وأعلنت “كوفاكس” أنها ستوزع نحو 337,2 مليون جرعة بصورة إجمالية في النصف الأول من عام 2021، لتطعيم 3,3 بالمائة (فحسب) من سكان الدول الـ 145 المشاركة في المبادرة. ما يعني أن تطعيم جميع سكان الدول الفقيرة قد يستغرق سنوات عدة، في حين يتوقع أن يتلقى غالبية سكان الدول الغنية التطعيم مع نهاية العام الجاري(10).

ودعا مدير عام منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الدول الغنية مجدداً إلى “عدم التخلي عن الدول الفقيرة”، وقال خلال مؤتمر صحافي: “إذا احتفظنا باللقاحات لأنفسنا ولم نشاركها، فستكون هناك ثلاث مشكلات رئيسية (…) الأولى هي تسجيل فشل أخلاقي كارثي، والثانية السماح بتواصل استعار الجائحة، والثالثة إبطاء التعافي الاقتصادي بشكل كبير”، وتابع: “هذا إذن خطأ أخلاقي، ولن يساعد في وقف الوباء ولن يعيد وسائل كسب العيش. هل هذا ما نريد؟ الأمر متروك لنا لاتخاذ القرار”(11).

كما انتقدت منظمة الصحة العالمية اعتماد الاتحاد الأوروبي آلية لمراقبة صادرات اللقاحات خارج منطقته، ومنع تصدير الجرعات المخصصة للأوروبيين.

وأظهرت دراسة أجراها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن ما يقرب من 70 بالمائة من جرعات اللقاح المستخدمة حتى الآن كانت من نصيب أغنى 50 دولة في العالم، بينما تم حقن 0.1 بالمائة في أفقر 50 دولة. وقال الأمين العام للاتحاد، جاغان شاباغان: “إنه أمر ينذر بالخطر لأنه غير عادل ولأنه سيطيل أمد هذا الوباء الرهيب وقد يزيده سوءاً”(12).

وبدل الاعتماد على آلية “كوفاكس” العالمية، وقّع كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا ودول أخرى اتفاقيات جانبية مع الشركات المصنعة، ما أدى إلى قلة كمية اللقاح المتوفرة في السوق العالمي. لكن الدول الغنية لا تفكر في مشاركة اللقاح مع الدول الفقيرة.

ورغم تأكيد دول غنية، مثل كندا، على سعيها لتقديم لقاحات للدول الفقيرة، كشف موقع “شبيغل” الألماني أن هناك مشكلتين فيما يتعلق بتأمين اللقاحات للدول الفقيرة، “فهناك دول غنية مثل كندا مستعدة تماماً لمشاركة اللقاح (مع الدول الفقيرة)، لكن فقط في ظل شروط يضعها الأغنياء بأنفسهم.. وثانياً، لا يتم إعطاء اللقاح (من قبل الشركات) لمن هم بأمس الحاجة إليه، بل لمن يدفعون أكثر!”(13).

وذكّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بأن بعض الدول الفقيرة اضطرت للانتظار عشرة أعوام كي تحصل على الأدوية الضرورية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). أما في حالة إنفلونزا الخنازير، فقد حصلت دول فقيرة على اللقاح المضاد له “لكن بعدما انتهى الوباء”. وجدّد غيبريسوس التحذير من النزعة القومية في ما يتعلق باللقاحات، وشدّد على “أننا نعيش في قرية عالمية” وأن لا أحد سيكون بمأمن ما لم يتم احتواء كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم.

وقد أكد شاباغان، من جهته، “أن التوزيع العادل للقاح كوفيد-19 بين البلدان وداخلها هو أكثر من مجرد واجب أخلاقي”، وقال “إنه السبيل الوحيد لحل أهم حالة طوارئ صحية عامة في عصرنا”(14).

الملكية الفكرية للقاحات

تطالب العديد من الدول برفع الملكية الفكرية للقاحات وتوزيع معرفة إنتاج اللقاحات على جميع الدول في العالم بحيث تتمكن جميع الشركات المنتجة للأدوية حول العالم من تصنيع بعض هذه اللقاحات وتوزيعها على السكان في دولها أو دول أخرى. هذه المعرفة تعود إلى شركات الأدوية الكبيرة التي تنتج اللقاحات السبعة الأولى المرخصة من قبل دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وهي فايزر، موديرنا وأسترازينيكا، وجونسون أند جونسون، وسبوتنيك، وسينوفارم.

وتوجد مصانع أدوية في ثلاث قارات فقيرة يمكنها البدء في إنتاج مئات الملايين من لقاحات كوفيد-19 في غضون مهلة قصيرة، إذا كانت لديهم المخططات والمعرفة التقنية فقط. ولا تزال هذه المصانع تنتظر الردود من شركات اللقاحات الكبرى(15).

وتدعو الحكومات ومنظمات الإغاثة في جميع أنحاء إفريقيا وجنوب شرق آسيا، وكذلك منظمة الصحة العالمية، شركات الأدوية إلى مشاركة معلومات براءات الاختراع الخاصة بها على نطاق أوسع لمواجهة النقص العالمي الهائل في اللقاحات في ظل جائحة أودت بحياة أكثر من 2.5 مليون شخص.

تقول شركات الأدوية، التي أخذت تمويلاً حكومياً من أموال دافعي الضرائب من الولايات المتحدة أو أوروبا لتطوير اللقاحات بسرعة غير مسبوقة، إنها تتفاوض بشأن العقود وصفقات الترخيص الحصرية مع المنتجين على أساس كل حالة على حدة، لأنها بحاجة إلى حماية ملكيتها الفكرية وضمان السلامة.

ويقول المنتقدون لشركات الأدوية هذه إن هذا النهج المجزأ بطيء للغاية في وقت ثمة حاجة ملحة لوقف الفيروس القاتل، مع انتشار سلالات متحورة أكثر فتكاً وسرعة في الانتشار. إن المعروض من لقاحات فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم أقل بكثير من الطلب، والكمية المحدودة المتاحة تذهب إلى البلدان الغنية(16).

بدورها، دعت منظمة الصحة العالمية مصنعي اللقاحات إلى مشاركة معرفتهم العلمية في تركيبة اللقاحات من أجل زيادة العرض العالمي بشكل كبير. وقالت المنظمة إنه تم إعطاء نحو 80 في المئة من اللقاحات حتى الآن لـعشر دول فقط، بينما لم تحصل أكثر من 210 دولة يبلغ عدد سكانها 2.5 مليار نسمة على جرعة واحدة من هذه اللقاحات(17).

بل إن البلدان الفقيرة تدفع أكثر من الدول الأكثر ثراء ثمن نفس اللقاح. فعلى سبيل المثال، تدفع جنوب إفريقيا والمكسيك والبرازيل وأوغندا مبالغ مختلفة لكل جرعة مقابل لقاح أسترازينيكا نفسه، وهي قيمة أكثر مما تدفعه الحكومات في الاتحاد الأوروبي. وقالت شركة أسترازينيكا إن سعر اللقاح سيختلف اعتماداً على عوامل مثل تكاليف الإنتاج ومكان صنع الجرعات ومقدار طلب الدول(18).

وتقدم الحكومات وخبراء الصحة حلولاً لتعويض نقص اللقاحات أبرزها اقترحان: الاقتراح الأول تدعمه منظمة الصحة العالمية، وهو عبارة عن جمع براءات الاختراع على غرار منصة تم إنشاؤها لعلاجات فيروس نقص المناعة البشرية والسل والتهاب الكبد الوبائي من أجل المشاركة الطوعية للتكنولوجيا والملكية الفكرية والبيانات. لكن لم تعرض شركة واحدة حتى الآن مشاركة بياناتها أو نقل التكنولوجيا اللازمة لتصنيع لقاح كورونا.

الاقتراح الثاني هو تعليق حقوق الملكية الفكرية أثناء الوباء، وهي أفضل طريقة لوقف انتشار فيروس كورونا. وحظيت هذه الحملة بدعم 119 دولة على الأقل من بين 164 دولة عضو في منظمة التجارة العالمية، لكن صانعي اللقاحات يعارضونها بشدة(19).

تقول شركات الأدوية إنه بدلاً من رفع قيود الملكية الفكرية، يجب على الدول الغنية ببساطة إعطاء المزيد من اللقاحات التي لديها إلى البلدان الفقيرة من خلال “كوفاكس”، وهي مبادرة بين القطاعين العام والخاص ساعدت منظمة الصحة العالمية في خلقها، لتوزيع اللقاحات بشكل عادل.

ووصف الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، ألبرت بورلا، فكرة مشاركة حقوق الملكية الفكرية على نطاق واسع بأنها “هراء” بل و”خطيرة”.

أما رئيس شركة أسترازينيكا، باسكال سوريوت، فقال إنه إذا لم تكن الملكية الفكرية محمية، “فلا يوجد حافز لأي شخص على الابتكار”.

ووصف المدير العام للاتحاد الدولي لمصنعي المستحضرات الصيدلانية، توماس كويني، فكرة رفع حماية براءات الاختراع بأنها “إشارة سيئة للغاية للمستقبل، معنى ذلك أنه إذا كانت لدينا جائحة، فإن براءات الاختراع الخاصة لا تساوي شيئاً”(20).

في المقابل، يجادل المدافعون عن مشاركة مخططات اللقاح بأنه، على عكس معظم الأدوية، دفع دافعو الضرائب المليارات لتطوير لقاحات هي الآن “سلع عامة عالمية”، ويجب استخدامها لإنهاء أكبر جائحة واجهتها البشرية في التاريخ.

وقال خبير الأوبئة ومستشار الرئيس الأميركي لشؤون الصحة، الدكتور أنتوني فاوتشي، إن جميع الخيارات يجب أن تكون مطروحة على الطاولة، بما في ذلك زيادة المساعدات وتحسين القدرة الإنتاجية في العالم النامي. والعمل مع شركات الأدوية لتخفيف براءات الاختراع الخاصة بها. وأضاف “الدول الغنية، بما في ذلك أنفسنا، تتحمل مسؤولية أخلاقية عندما يكون هناك تفشي عالمي مثل هذا. علينا تطعيم العالم بأسره، وليس بلدنا فقط”(21).

وقد وافقت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مبدئياً على رفع هذه الملكية الفكرية.

وقد حاول مصنع “انسيبتا” البنغلادشي الحصول على ما يحتاجه لصنع المزيد من اللقاحات بطريقتين، من خلال تقديم خطوط إنتاجه إلى شركة “موديرنا”، والتواصل مع أحد شركاء منظمة الصحة العالمية. لم تستجب “مودرنا” لطلبات المصنع، لكن رئيسها التنفيذي، ستيفان بانسل، أخبر البرلمانيين الأوروبيين أن مهندسي الشركة مشغولون تماماً بتوسيع الإنتاج في أوروبا. وقال: “إن القيام بمزيد من نقل التكنولوجيا حالياً يمكن أن يعرض الإنتاج وزيادة الإنتاج للأشهر القادمة لخطر كبير”. وأضاف: “نحن منفتحون جداً على القيام بذلك في المستقبل بمجرد تشغيل مواقعنا الحالية”(22).

وقال رئيس مجلس إدارة مصنع “انسيبتا” في بنغلاديش، عبد المقتدر: “إذا كان من الممكن القيام بذلك، فسيكون لكل قارة عشرات الشركات التي ستكون قادرة على إنتاج هذه اللقاحات على الفور”. وأوضح أنه أجرى مناقشات بهذا الشأن مع تحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI)، أحد شركاء منظمة الصحة العالمية، ولكن لم يتم التوصل إلى أي شيء. وأشار إلى أنه يقدر الإنجاز العلمي الاستثنائي الذي تم تحقيقه في إنتاج لقاحات كورونا، ويريد أن يتمكن بقية العالم من المشاركة فيه، وهو على استعداد لدفع ثمن عادل. وأضاف: “لا ينبغي لأحد أن يعطي ممتلكاته مقابل لا شيء. يمكن جعل اللقاح في متناول الناس، بحيث تكون لقاحات عالية الجودة وفعالة”(23).

كيف تحصل الدول الفقيرة على اللقاحات؟

يعاني العالم من مشكلة الوصول إلى لقاح كورونا فنحو نصف جميع الجرعات التي تم إعطاؤها حتى الآن كانت في أوروبا وأميركا الشمالية، في حين أن العديد من البلدان الفقيرة قامت بتلقيح أقل من 1٪ من سكانها. ومع وجود متغيرات فيروس كورونا الجديدة التي تزيد من المخاطر الصحية، اقترحت جنوب إفريقيا والهند أن تتنازل منظمة التجارة العالمية مؤقتاً عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات “كوفيد-19” للمساعدة في زيادة الإنتاج. ورفضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي الفكرة، بحجة أن حقوق الملكية الفكرية – التي تمنح منشئي اللقاحات القدرة على منع الشركات الأخرى من إعادة إنتاج منتجاتهم – ضرورية لضمان الابتكار والتنازل عنها لن يؤدي إلى زيادة الإنتاج. لكنهم الآن تحت ضغط لتغيير رأيهم(24).

واقترح الأستاذ الجامعي والباحث دالينديبو شبالالا الأستاذ في جامعة دايتون حلاً للمشكلة، وقال إنه عندما يوافق بلد ما على براءة اختراع، فإنه يمنح صاحب البراءة احتكاراً لفترة محدودة، عادةً 20 عاماً، للأفكار الجديدة عالية الابتكار. فالوعد بالاحتكار يمنح صاحب البراءة حافزاً أكبر لتحمل مخاطر البحث والتطوير وإيصال منتج إلى السوق. ويمكن للشركة أن تفرض سعراً مرتفعاً لفترة محدودة لتعويض هذا الاستثمار.

واعتبر شبالالا أن العبارة الرئيسية هي “وقت محدود”. وهذا يضمن أنه بمجرد نفاد براءة الاختراع، يمكن للآخرين صنع المنتج. فالأدوية الجنيريك هي مثال. وتعمل المنافسة عادة على خفض الأسعار وتضمن وصولاً أكبر لمن يريدون المنتج أو يحتاجون إليه. ولحالات الطوارئ، يحتوي نظام براءات الاختراع على سلسلة من صمامات الأمان التي تسمح للحكومات بالتدخل قبل انتهاء هذا الوقت المحدود. وأهم صمام أمان لإنتاج لقاح كوفيد هو الترخيص الإجباري. فبناء على الاحتياجات العامة – بما في ذلك حالات الطوارئ الصحية – يمكن للحكومة أن تسمح للآخرين بصنع المنتج، وعادة ما يكون ذلك بإتاوة أو رسوم معقولة تُدفع لمالك البراءة. وأضاف أنه يمكن لأي دولة أصدرت براءة اختراع لصانع لقاح كورونا أن تستخدم اليوم براءة الاختراع هذه ببساطة عن طريق إصدار ترخيص إلزامي لتمكين شركاتها من الإنتاج (25).

لقد نشأت نفس المشكلة في سياق الوصول إلى أدوية فيروس نقص المناعة البشرية -“الإيدز” في أواخر تسعينيات القرن العشرين. وكما هو الحال مع أدوية فيروس “الإيدز”، فإن القدرة على تصنيع اللقاحات اليوم غير موزعة بالتساوي. ولا تكمن المشكلة الحقيقية فيما إذا كان بإمكان دولة مثل بوتسوانا إصدار ترخيص إلزامي يسمح لشركاتها المحلية بتصنيع اللقاحات – فالعديد من البلدان لا تمتلك هذا النوع من منشآت الإنتاج، وفي كثير من الحالات، لم يتم تسجيل براءات اختراع الأدوية هناك (26).

القضية الحقيقية هي ما إذا كانت الهند أو الصين أو الفلبين – البلدان ذات الصناعات الدوائية المزدهرة وحيث من المرجح أن تحصل الأدوية على براءات اختراع – يمكنها إصدار ترخيص إلزامي من شأنه أن يسمح لشركاتها بالتصدير إلى بوتسوانا. لكن المادة 31 من اتفاقية منظمة التجارة العالمية للجوانب التجارية للملكية الفكرية، تقصر التراخيص الإجبارية في المقام الأول على الإنتاج والاستخدام المحلي. ولا يسمح لأي دولة بإصدار ترخيص إلزامي لشركة خارج أراضيها. ولا تستطيع البلدان كذلك إصدار تراخيص إلزامية للشركات داخل أراضيها لإنتاج منتجات للتصدير في المقام الأول(27).

كانت هناك محاولات عديدة لحل هذه المشكلة، بما في ذلك تغيير اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي تمت الموافقة عليها في عام 2005. لكن دولة واحدة فقط – رواندا – استخدمت هذا النظام للوصول إلى الأدوية. فبعد عملية استمرت عامين تقريباً، تمكنت رواندا من استيراد 7 ملايين جرعة من كندا. وتتطلب العملية اتفاقاً بين البلدين اللذين يصدران تراخيص إجبارية. يأتي أيضًا مع سلسلة من المتطلبات القانونية، بما في ذلك إنتاج الكمية المطلوبة فقط من قبل البلد المستورد؛ استخدام عبوات أو ألوان أو أشكال مختلفة تمامًا لتمييز الدواء عن الإنتاج المنتظم؛ واتباع الإجراءات الخاصة في البلد المستورد لمنع تحويل المنتج إلى مكان آخر. ستكون هناك حاجة إلى ترخيص إلزامي مختلف وخط إنتاج لكل بلد إضافي(28).

بالنسبة للقاح كورونا، هناك مشكلة أخرى هي التقنيات المستخدمة في لقاحات كوفيد معقدة وتنطوي على العديد من براءات الاختراع والأسرار التجارية والمعرفة. يحتاج نظام الترخيص الإجباري إلى معالجة ليس فقط براءات الاختراع ولكن جميع حقوق الملكية الفكرية ذات الصلة(29).

الترخيص الإجباري العالمي

تحاول “كوفاكس” توسيع إيصال لقاح كورونا إلى البلدان منخفضة الدخل من خلال اتفاقيات مع منتجي اللقاحات، لكنها تكافح للوصول إلى هدفها المتمثل في توفير ملياري جرعة بحلول نهاية عام 2021. ولتوسيع إنتاج اللقاحات بنجاح، تحتاج البلدان إلى نظام سلس نسبياً يسمح لدولة مثل الهند بمنح ترخيص واحد شامل يسمح لشركاتها بإنتاج لقاحات طورتها شركات أميركية أو أوروبية للتصدير إلى جميع البلدان التي تفتقر إلى القدرة التصنيعية الخاصة بها(30).

لكن ذلك الأمر سيحتاج إلى نظام الترخيص الإجباري العالمي عبر منظمة التجارة العالمية. لا يعتبر الترخيص الإجباري انتهاكاً لبراءات الاختراع أو الملكية الفكرية إذ لا يزال صاحب الحقوق يحصل على تعويض، ويتم ضمان الوصول عندما تكون هناك حاجة ماسة إليه. ويسعى التنازل المقترح لمنظمة التجارة العالمية عن حقوق الملكية الفكرية إلى تلبية هذه الحاجة. لكن الحل الأفضل – في رأي شبالالا – هو تمهيد الطريق لاستخدام الترخيص الإجباري عبر جميع حقوق الملكية الفكرية ذات الصلة اللازمة لتوسيع تصنيع اللقاح(31).

ستسمح إزالة قيود اتفاقية التجارة العالمية على الإنتاج للتصدير لدولة مثل الهند، بناء على طلب بلد مؤهل، بإصدار تراخيص إجبارية شاملة تغطي جميع تقنيات لقاح كوفيد-19، وتحديد أسعار التعويض والسماح بتصدير اللقاحات إلى بلدان متعددة في الوقت نفسه. وستصنع الشركة اللقاح في منشآتها الحالية وسيسمح لها بتخزين اللقاح للطلبات المستقبلية. ويمكن تلبية الطلبات الإضافية من البلدان الأخرى من نفس خط الإنتاج على نفس الأساس. قد يفقد مالك البراءة السيطرة على السوق، لكنه يحتفظ بحقه في الحصول على تعويض، كما هو معتاد لأي ترخيص إجباري. وقد تكون النتيجة زيادة سريعة في تصنيع اللقاحات التي تصل إلى البلدان التي تم استبعادها(32).

فمن دون لقاحات عالمية، من الصعب رؤية نهاية لهذا الوباء. هذه الحالة الطارئة هي بالضبط ما تم تصميم نظام براءات الاختراع من أجله، إذا كان مسموحاً له بالعمل بشكل صحيح لصاحب البراءة وللجمهور.

الدافع الاقتصادي لتوزيع اللقاحات

في دراسة أجريت بطلب من غرفة التجارة الدولية، احتسب علماء الأوبئة أنه حتى لو أن الاقتصادات المتطورة قامت بتطعيم كل سكانها ضد كورونا، فإن الكلفة التي ستتكبدها بسبب ارتباط دول العالم فيما بينها، قد تراوح بين 200 و4500 مليار دولار في حال لم تحصل الدول الأقل تقدماً على اللقاحات. وأكدت الدراسة أن “هذا المبلغ أكبر بكثير من 38 مليار دولار كلفة صناعة اللقاحات وتوزيعها على الصعيد العالمي”. وخلصت الدراسة إلى أن “الاقتصادات المتقدمة لديها حافز اقتصادي واضح لأن تسرّع من توزيع اللقاحات على أساس عالمي منسق وتقليل احتمالات حدوث صدامات في العرض والطلب في الدول الأخرى مما ينجم عنه حدوث خسائر اقتصادية تطال أيضاً الدول الغنية”(33).

إذن، قد يكون إدراك دول غنية لهذا الثمن الباهظ، هو الذي دفعها في البداية إلى المشاركة في مبادرة “كوفاكس” التي تهدف إلى توزيع عادل للقاح. لكن ومع قلة كمية اللقاح المتوفرة في السوق، حددت “كوفاكس” هدفها بتوزيع جرعات تكفي لتلقيح 20 بالمائة (فحسب) من سكان الدول المشاركة بحلول نهاية 2021، لكن “كوفاكس” لاتزال بحاجة إلى ملياري دولار على الأقل من أجل تحقيق الهدف الذي وضعته لعام 2021، كما ذكرنا أعلاه(34).

دعوات عالمية لرفع القيود عن تصدير اللقاحات

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة، إلى رفع جميع القيود المفروضة على تصدير اللقاحات ومكونات اللقاحات المضادة لـ”كوفيد- 19″. وقال ماكرون “أدعو الولايات المتحدة بوضوح شديد إلى إنهاء حظر التصدير ليس فقط للقاحات، ولكن لمكونات تلك اللقاحات التي تمنع الإنتاج”. وأضاف أن “المفتاح لإنتاج اللقاحات بشكل أسرع للبلدان الفقيرة والبلدان الوسيطة هو إنتاج المزيد.. “ارفعوا الحظر على التصدير”.

ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن مختبر “كيورفاك” الألماني الذي لم تتم الموافقة على لقاحه بعد، ولكن يتوقع أن يلعب دوراً مهماً في حملات التطعيم الأوروبية، “يقول إنه لا يمكنه الإنتاج في أوروبا لأن المكوّنات عالقة في الولايات المتحدة”(35).

ورداً على اقتراح الرئيس الأميركي جو بايدن رفع براءات الاختراع الخاصة بلقاحات كوفيد، الذي أجبر الأوروبيين على اتخاذ موقف، قال ماكرون إنه منفتح على “رفع محدود” وفق نموذج علاجات الإيدز، لكن هذا الأمر ليس الأكثر إلحاحاً. واعتبر أن أوروبا أكثر سخاء من الولايات المتحدة، لأنها صدرت نصف الـ 400 مليون جرعة المنتجة على أراضيها. وأوضح الرئيس الفرنسي أن “الأولوية ليست رفع براءات الاختراع”، بمعنى عدم دفع رسوم للمختبرات الأميركية التي ابتكرت لقاحات، ولكن “إجراء عمليات نقل للتكنولوجيا لإنشاء مواقع إنتاج في البلدان الفقيرة”، مشيراً خصوصاً إلى السنغال والهند وجنوب إفريقيا، حيث سيتوجه قريباً لافتتاح مصنع أنشئ بمساعدة من الاتحاد الأوروبي(36).

ولفت ماكرون إلى أن رفع براءات الاختراع “سيكون حلاّ، لكن فقط عندما ننتج ما يكفي من اللقاحات ويصير الأمر متعلقاً فقط بالكلفة”، منوهاً إلى أن “المفتاح هو نقل التكنولوجيا التي نستحدثها في أوروبا لمساعدة منصات الإنتاج، وخاصة في إفريقيا”. وأعرب عن سخطه إزاء فكرة أن الولايات المتحدة تبدو كأنها رائدة أخلاقياً من خلال اقتراحها حول براءات الاختراع الذي أشار إليه البابا فرنسيس. وأشار إلى أن الأوروبيين أطلقوا قبل عام مبادرة لتطوير اللقاحات والأدوية ووسائل التشخيص وتعزيز الأنظمة الصحية حول العالم(37).

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعلنت معارضتها رفع براءات الاختراع المتصلة بلقاحات كوفيد، داعية الولايات المتحدة إلى فتح “السوق” للسماح بتصدير اللقاحات ومكوّناتها. وقالت في مؤتمر صحافي: “آمل الآن، بعدما تلقى قسم كبير من الشعب الأميركي اللقاح، أن نكون قادرين على تأمين تبادل حر للمكوّنات، وأيضاً فتح سوق اللقاحات”، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يصدّر “قسماً كبيراً” من انتاجه من اللقاحات(38).

الخوف من التلقيح

على الرغم من مشكلة ندرة اللقاحات والتنافس بين الدول على الحصول عليها لتطعيم مواطنيها، إلا أن بعض الدول والشعوب تعيش رفاهية رفض بعض اللقاحات وخوف جزء من السكان من اللقاح وتمنعهم عن التطعيم. هذا الأمر تعاني منه الولايات المتحدة الأميركية حيث يعارض قسم كبير من شعبها، وخصوصاً بين المحافظين والجمهوريين.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في تقرير لها إن مخاوف السلامة بسبب التقارير عن بعض التأثيرات السلبية للقاحي أسترازينيكا وجونسون أند جونسون، تعرّض للخطر حملات التلقيح العالمية وتهدد بإطالة عمر جائحة كورونا في البلدان الفقيرة (39).

ففي ملاوي، يسأل الناس الأطباء عن كيفية إخراج لقاح أسترازينيكا من أجسادهم. وفي جنوب إفريقيا، تم إيقاف جرعات جونسون أند جونسون، وهي ضربة متكررة للبلاد بعد أن أوقفت لقاح أسترازينيكا. وتم ترك مليوني جرعة من لقاح أسترازينيكا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث لم يتم تطعيم أحد (40).

وفي البلدان التي يهيمن عليها عدم الثقة بسبب الاستعمار والممارسات الطبية غير الأخلاقية، يشعر المسؤولون الصحيون بالقلق من حدوث انتشار كبير لمعارضة اللقاحات في حال ساد تصور بأن الدول الغنية تتخلص من لقاحات من الدرجة الثانية في جنوب الكرة الأرضية(41).

وبينما يطمئن المشرعون الأميركيون والأوروبيون الأشخاص الذين رفضوا تلقي جرعات من لقاحي “أسترازينيكا” و”جونسون أند جونسون” بأنه يمكنهم تلقي لقاح آخر، فإنه في كثير من أنحاء العالم، لا يوجد بديل عن هذين اللقاحين، فهما أرخص وأسهل في التخزين، مما يجعلهما الدعامة الأساسية للتلقيح العالمي (41).

في الخلاصة، فإن الدول الغنية كالولايات المتحدة ينعم مواطنوها بترف رفض أخذ اللقاح أو الاختيار بين اللقاحات بينما تستجدي الدول النامية والفقيرة اللقاحات من الدول الكبرى وسط تفشٍ واسع للوباء وموت الآلاف من مواطنيها في المستشفيات والمنازل نتيجة المرض.

المصدر: المعهد المصري للدراسات

 

 

مركز الدراسات الآسيوية والصينية