“ذي أتلانتيك”: لماذا انهار الجيش الأفغاني؟

“ذي أتلانتيك”: لماذا انهار الجيش الأفغاني؟

 

 

كتبت الباحثة الأميركية كوري شاك مقالة في مجلة “ذي أتلانتيك” الأميركية تناولت فيها انهيار الجيش الأفغاني الذي أنفقته الولايات المتحدة عشرات مليارات الدولارات على تجهيزه وتدريبه، أمام تقدم حركة طالبان المتشددة.

وقال الكاتب: لقد أنفقت الولايات المتحدة 83 مليار دولار على تدريب وتجهيز وتمويل قوات الأمن الأفغانية منذ عام 2001، وهو مبلغ هائل. وكما أوضحت أحداث الأيام القليلة الماضية، فإنه على الرغم من كل هذه المساعدة، أثبت الجيش والشرطة في أفغانستان عدم قدرتهما على تأمين البلاد. وقد توقع العديد من محللي الحرب فشل الحكومة في الصمود أمام هجمات حركة طالبان، لكنهم فوجئوا بسرعة الانهيار، وهو مأساة مروعة لأفغانستان وفشل برامج التدريب العسكرية الأميركية.

وأضاف الكاتب أن تاريخ الولايات المتحدة في تدريب الجيوش الأجنبية ليس مثيراً للإعجاب على وجه خاص. لقد حققت إعادة بناء الجيشين الألماني والياباني خلال الحرب الباردة نجاحاً كبيراً، ولكن كان لدى تلك الدول تقاليد عسكرية بالإضافة إلى تجارب حديثة للتميّز العسكري. لكن الحالات الأخرى لم تكن بهذه البساطة. استغرق البعض فترة طويلة لإظهار التقدم؛ وكافح جيش كوريا الجنوبية لاجتثاث الفساد قبل أن يصبح القوة القتالية الرائعة كما هو عليه الآن. البعض، مثل خطة كولومبيا، التي ساعدت القوات الحكومية الكولومبية في السيطرة على التمرد، كانت إيجابية للغاية. البرامج في البلقان خلال حروب الخلافة اليوغوسلافية، في تسعينيات القرن العشرين، لها سجل أكثر تفاوتاً. كان القليل منها كارثياً: أصبحت مدرسة الأميركتين، وهي منشأة تدريب في جورجيا لجنود أميركا اللاتينية، سيئة السمعة لإنتاج الديكتاتوريين والجيوش التي ارتكبت جرائم حرب.

وسأل الكاتب: لماذا يصعب على الولايات المتحدة تدريب القوات العسكرية الأجنبية؟

وأجاب قائلاً: أولاً، يعمل الجنود الأميركيون الذين يقومون بتدريب نظرائهم في الخارج في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة تماماً عما يفعله الجيش الأميركي. وأخبر الجنرال المتقاعد مايكل ناغاتا، القائد السابق لقيادة العمليات الخاصة الأميركية، الكاتب قائلاً: “لا يتعين علينا تعليم الجنود الأميركيين إطاعة القانون، وعدم تلقي الرشاوى، واحترام حقوق الإنسان. لقد دخلوا في قوتنا بعد أن استوعبوا هذه الأشياء بالفعل. نحاول إنشاء جيوش على صورتنا، وهذا غالباً لا يتوافق مع الظروف السياسية والاجتماعية التي تعمل فيها تلك القوات”.

ثانياً، العديد من قادة القوات التي ندربها لديهم أهداف لجيوشهم مختلفة عما لدينا. كما جادلت عالمة السياسة راشيل تيكوت، قائلة: “غالباً ما يعطي القادة الذين يواجهون الاضطرابات المجتمعية والتمرد والحرب الأهلية الأولوية لمنع الانقلابات أو تعزيز السلطة السياسية أو الإثراء الشخصي أو بقاؤهم على رأس قوة جيش دولتهم”. يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الفساد داخل القوة العسكرية، حيث يسعى القادة السياسيون إلى تشجيع ضباط الجيش (والمجتمع ككل) على عدم التمرد. كما يوضح عمل عالمي السياسة دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون، فإن الفساد هو خيار سياسي واقتصادي عقلاني في العديد من المجتمعات، على الرغم من أنه ينزع شرعية الحكومة لشعبها.

كل هذا حتى قبل أن تواجه تحديات تدريب الجنود، وكثير منهم أميون أو يتغلبون على الفروق العرقية أو الدينية أو القبلية المثيرة للانقسام.

واعتبر الكاتب أن درجة صعوبة التدريب عالية بشكل غير عادي. ربما ينبغي أن نتعجب من نجاح مثل هذه البرامج أساساً، وليس لأنها تفشل غالباً. واستدرك قائلاً: لكن جهودنا لتدريب الجيوش الأجنبية تفشل كذلك بسبب أوجه القصور الخاصة بخيارات السياسة الأميركية. تميل الولايات المتحدة إلى تنفيذ برامج تدريب وتجهيز واسعة النطاق عندما لا نريد القتال بأنفسنا؛ كانت هذه هي القصة في العراق وأفغانستان. لكن إرسال هذه الإشارة يثير مشاعر الخصوم ويضعف القوى ذاتها التي نحاول مساعدتها”.

وأضاف: “يتم إرسال الرسالة نفسها من خلال إسناد مهمة التدريب إلى الجيش فقط. كان يُفترض أن يكون للزيادات الحادة في القوات العسكرية في كل من العراق وأفغانستان نظراء مدنيون. هل تتذكرون الجنرال ستانلي ماكريستال وهو يدعي أننا كنا نُحضر “حكومة في صندوق” إلى أفغانستان عندما تولى قيادة القوات المتحالفة هناك؟ لم تحقق أي من الزيادة في القوات، في العراق أو أفغانستان، أهدافها المتمثلة في تعزيز الحكم المدني، وهو أمر ضروري حتى لا تتفوق برامج التدريب العسكري على نظيراتها المدنية، وبالتالي تقويض نظيراتها المدنية.

وأشار إلى أن العديد من برامج التدريب الأميركية غير ناجحة لأننا ننخرط في عمليات نشر قوات قصيرة المدى تجعل من الصعب إقامة نفوذ طويل المدى. فنادراً ما يقوم القادة العسكريون الأميركيون بجولات أطول من عامين، وكان من الشائع أن يكون للعديد من الوحدات تناوب من ستة إلى تسعة أشهر في أفغانستان. على النقيض من ذلك، فإن إيران، وهي دولة جيدة جداً في تدريب القوات الأجنبية، بعد قامت بذلك بنجاح في العراق وسوريا ولبنان، على سبيل المثال لا الحصر، لها علاقات تمتد لعقود. المرة الوحيدة التي تبدأ فيها الولايات المتحدة في جذب شراكات طويلة الأمد هي عندما يشارك الطلاب العسكريون في كليات القيادة والأركان الأميركية، وهؤلاء قليلون في العدد.

يجادل العديد من الخبراء في مجال المساعدة الأمنية بجعل المساعدة العسكرية الأميركية مشروطة، رافضين المزيد من الدعم ما لم يتم تبنّي السياسات التي ندعو إليها. هذا النهج له ثلاث عيوب. الأول هو أن الجيوش التي قد نرغب في التأثير عليها سترفض. نحن لا نقدم معروفاً لدول أخرى في تقديم المساعدة؛ نقوم بذلك حتى لا نضطر لخوض حروبهم.

والثاني هو أن رفض المساعدة له عواقب علينا: نريد أن تكون الجيوش الأخرى قوية بما يكفي للسيطرة على أراضيها والمساهمة في المهمات الدولية. سيكونون أقل قدرة على القيام بذلك من دون التدريب العسكري والمساعدة الأميركيين. إذا كنتم تعتقدون أن قوات الأمن الأفغانية تظهر الضعف الآن، فتخيلوا كيف كانت ستنجح لولا سنوات من الوصاية الأميركية. (علاوة على ذلك، من المرجح أن تحصل تلك الجيوش التي قطعت عنها المساعدة الأميركية على المساعدة التي تحتاجها من مصادر أخرى، مما يخلق علاقات ضارة بمصالحنا. والجيش الباكستاني معادٍ بشدة لأميركا، ويرجع ذلك جزئياً إلى قيامنا بقطع المساعدة عنه بعد تجربة إسلام أباد النووية. طلب المساعدة في مكان آخر، وما زلنا نحصد عواقب ذلك).

المشكلة الثالثة مع وضع الشروط هي أن الأشخاص الخائفين نادراً ما يتخذون خيارات شجاعة. إن المساعدة الأميركية تمنحهم القلب والثقة للوقوف على أرض الواقع. بغداد تعقد صفقات مع الميليشيات المدعومة من إيران لأنها تعتقد أنه ليس لديها خيار أفضل من التعامل مع التهديد في وسط العراق. القوات الأفغانية تتنازل مع حركة طالبان أو تستسلم لأنهم يعتقدون أنه ليس لديهم خيار آخر.

وقبل أن تنتقدوا القوات الأفغانية على تلك الاختيارات، تذكر أن أكثر من 69000 من أفراد الشرطة والجنود الأفغان قتلوا بالفعل على يد “طالبان”. لا ينبغي أن نتفاجأ من أن الكثيرين يعتقدون أن الوضع ميؤوس منه بعد هجرنا واستسلامنا. يجب أن ندهش ونحترم أن أي شخص قد تطوع للقتال.

*كوري شاك مديرة السياسة الخارجية والدفاعية في معهد “أميريكان إنتربرايز” البحثي.

نقله إلى العربية بتصرف: الميادين نت

مجموع القراءات 2 total views, قراءات اليوم 1 views today

مركز الدراسات الآسيوية والصينية