فورين أفيرز: شي جين بينغ هو العقبة الأكبر التي قد تقضي على طموحات الصين

فورين أفيرز: شي جين بينغ هو العقبة الأكبر التي قد تقضي على طموحات الصين

 

منذ اعتلائه سدة الحكم في الصين أواخر عام 2012، سارع الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى تعزيز سلطته السياسية وتطهير الحزب الشيوعي من الفساد المستشري، وتهميش أعدائه، بحسب ما ورد في مقال لباحث أميركي نشرته مجلة “فورين أفيرز” (Foreign Affairs) في عددها الأخير.

وجاء في المقال الذي كتبه جود بلانشيت، الذي يشغل كرسي فريمان للدراسات الصينية بـ”مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية” (The Center for Strategic and International Studies) بواشنطن، أن شي جين بينغ عكف في مستهل رئاسته كذلك على “ترويض” التكتلات التجارية “الطموحة” العاملة في قطاعي التكنولوجيا والمال، وسحق المعارضة الداخلية، وتكريس نفوذ الصين على الساحة الدولية.

وبحجة حماية “المصالح الجوهرية للصين”، افتعل بينغ معارك مع العديد من جيرانه، واستعدى دولا أبعد كثيرا من حدود بلاده لا سيما الولايات المتحدة.

وبينما كان دأب أسلافه المباشرين قائما على ضرورة أن تواصل الصين تحينها اللحظة المواتية عبر الإشراف على تحقيق نمو اقتصادي سريع، والتوسع المضطرد في بسط النفوذ الصيني بالاندماج “التكتيكي” في النظام العالمي الحالي، ظل بينغ يضيق ذرعا بالوضع الراهن، في حين أنه يمتلك قدرة عالية على تحمل المخاطر، ولديه شعور واضح بالحاجة الملحة لتحدي النظام العالمي.

مراقب قلق

ويتساءل بلانشيت في مقاله عن السبب الذي يجعل الرئيس الصيني في عجلة من أمره. وللإجابة عن هذا السؤال يقول إن العديد من المراقبين استقروا على إحدى فرضيتين متناقضتين تماما؛ الأولى ترى أن بينغ يشرف على مجموعة عريضة من المبادرات المتعلقة بالسياسات العامة “التي تهدف إلى إعادة صياغة النظام العالمي بشروط مواتية للحزب الشيوعي الصيني،  ولا شيء أقل من ذلك”.

وتؤكد الفرضية الثانية أن بينغ “مراقب قلق على نظام لينينيٍّ بالٍ وعتيق يكافح من أجل الاحتفاظ بقبضته على السلطة”.

وفي اعتقاد بلانشيت أن كلتا الفرضيتين تنطويان على جوانب من الحقيقة؛ لكن أيا منهما لا تفسر كما ينبغي مصدر إحساس بينغ بالحاجة الملحة لتحدي النظام العالمي.

إن التفسير الأكثر دقة -برأي كاتب المقال- هو أن حسابات بينغ لا تحكمها تطلعاته أو مخاوفه، بقدر ما يحددها جدوله الزمني. فالأمر ببساطة أن الرئيس الصيني جمع من السلطة والنفوذ الشيء الكثير، وأحدث اضطرابا في الوضع الراهن بما امتلكه من قوة؛ لذلك يرى أمامه فرصة ضئيلة متاحة لا تتجاوز 10 إلى 15 سنة يمكن لبكين خلالها استغلال جملة من التحولات التكنولوجية والجيوسياسية المهمة، التي يمكن أن تساعدها في تجاوز التحديات الداخلية الهائلة.

تغيرات جذرية

ويرى بينغ أن تضافر التأثيرات الديموغرافية (السكانية)، والتباطؤ الاقتصادي الهيكلي، وأوجه التقدم السريع في مجال التكنولوجيا، والتحول الملموس في ميزان القوى العالمي بعيدا عن الولايات المتحدة -والتي يطلق عليها الرئيس الصيني “تغيرات جذرية لا نظير لها طوال قرن”- كلها عوامل تتطلب استجابات فورية وجريئة.

على أن بينغ بحصره الفرصة المتاحة أمامه في نطاق ضيق لا يتجاوز 10 إلى 15 سنة، غرس في النظام السياسي الصيني رؤية واضحة وتصميما قد يُمكِّنان البلاد من التغلب على التحديات الداخلية قديمة العهد، وتحقيق مستوى جديد من المكانة المحورية العالمية.

وإذا ما قُدِّر لبينغ النجاح، فإن الصين ستتبوأ مكانتها كمهندس لعهد جديد من التعددية القطبية، وسيفلت اقتصادها من إسار ما يسمى الدخل المتوسط، كما سيتسنى لقدراتها التكنولوجية وقطاعها الصناعي ومؤسستها العسكرية من مقارعة نظيراتها في الدول الأكثر تطورا.

ولأن الطموح والتنفيذ ليسا شيئا واحدا -بحسب بلانشيت- فإن بينغ وضع الصين الآن في مسار محفوف بالمخاطر؛ مما يهدد الإنجازات التي حققها أسلافه في حقبة ما بعد الزعيم ماو زيدونغ.

وبرأي الباحث المتخصص في الدراسات الصينية في مقاله بفورين أفيرز، فإن قناعة الرئيس الصيني بأن على الحزب الشيوعي توجيه الاقتصاد، وأن على بكين كبح جماح القطاع الخاص، ومن شأنها أن تحد من النمو الاقتصادي للبلاد في المستقبل.

موقع فريد

إن موقع بينغ الفريد داخل النظام السياسي الصيني سيحول دون طرح بدائل للسياسات العامة وتصحيح المسار، وهي معضلة استفحلت إثر إلغاء تحديد مدة زمنية لولاية رئيس الدولة، واحتمال بقائه في السلطة إلى أجل غير مسمى.

ويعتقد بينغ أن بمقدوره صياغة مستقبل الصين مثلما فعل أباطرة البلاد في الماضي البعيد. ولعله يظن خطأ أن هذه “الغطرسة” لا تعدو أن تكون “ثقة”، حيث لا يجرؤ أحد بأن يقول له خلاف ذلك، على حد وصف المقال.

ويمضي بلانشيت إلى الزعم أن الجدول الزمني “المضغوط”، الذي حدده بينغ كان واضحا منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، مضيفا أن الصين كانت قد اعتادت الوتيرة البطيئة لسلفه “الرزين” جو هينتاو، حيث توقع الكثيرون أنه سيسير في ركابه؛ لكن بالتركيز أكثر على الإصلاح الاقتصادي.

بيد أن بينغ شرع في غضون أشهر من توليه السلطة في 2012 في إعادة ترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية، ومحاربة الفساد الضارب بأطنابه داخل الحزب الشيوعي الصيني.

مشاكل عديدة في وقت واحد

وتصدى الرئيس لكل تلك المشاكل مجتمعة في وقت واحد. ففي 2013 أطلق حملة شعواء لمكافحة الفساد والقضاء على التعددية السياسية والأيديولوجيات الليبرالية من الخطاب العام، وأعلن عن حزمة جديدة من التوجيهات للحد من زيادة عضوية الحزب، وأضاف شروطا أيديولوجية جديدة يجب على الأعضاء الجدد استيفاءها.

وكانت الخطوة التالية في أجندة بينغ تقوم على ضرورة ترسيخ المصالح الصينية على المسرح الدولي، فسارع بالبدء في استصلاح الأراضي في منطقة بحر جنوب الصين، وأسس منطقة تحديد الدفاع الجوي فوق الحدود المتنازع عليها في بحر شرق الصين، وساعد في إطلاق بنك التنمية الجديد، وهو بنك متعدد الأطراف تديره مجموعة دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، وأماط اللثام عن مشروع البنى التحتية الدولي العملاق، المعروف باسم “مبادرة الحزام والطريق”، واقترح إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

وكرّس الزعيم الصيني هيمنة الحزب الشيوعي على قطاعات واسعة من المجتمع والحياة الاقتصادية في البلاد، بينما واصل بسط نفوذ الصين في المجال الدولي عبر ممارسة “القوة الخشنة” و”الإكراه الاقتصادي” و”الاندماج العميق” في الهيئات الدولية ومتعددة الأطراف.

مدح السيطرة المركزية

وواصل الكاتب تحليله لسياسات الرئيس الصيني قائلا إن “العديد من المراقبين الأجانب -بمن فيهم أنا- اعتقدنا للوهلة الأولى أن عجز الحزب (الشيوعي) عن احتواء تفشي جائحة كوفيد-19 ينم عن ضعف النظام الصيني؛ لكن بحلول صيف 2020 أطنب بينغ في مدح مزايا السيطرة المركزية في التحقق من انتشار الجائحة داخل البلاد”.

وعزا كاتب المقال الوتيرة السريعة، التي تبناها الرئيس الصيني، إلى جملة التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية، مشيرا إلى أن المخاطر التي تنطوي عليها تلك التحولات مهولة؛ إلا أنها لا تشكل تهديدا وجوديا بعد، فما يزال أمام الصين فرصة للتعامل معها قبل أن تصبح مهلكة.

وبنظر بلانشيت، فإن أول تحدٍ كبير يكمن في تقييم بكين الذي يخلص إلى أن قوة ونفوذ الغرب دخل مرحلة اضمحلال سريع، نتج عنه مرحلة جديدة من تعدد الأقطاب تستطيع الصين صياغتها على هواها.

وقد ترسخت هذه الرؤية بعد أن باتت الحروب، التي تخوضها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، تشكل مأزقا لها. وزاد الطين بلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا؛ مما عزز توافق الآراء بأن الولايات المتحدة، والغرب على نحو أعم، في تراجع.

الصبر الإستراتيجي

ولعل هذا يوحي بأن الصين قد تجنح إلى ما يسميه كاتب المقال “الصبر الإستراتيجي”، وتترك القوة الأميركية ببساطة تضعف وتضمحل.

غير أن الباحث في الدراسات الصينية يستدرك قائلا إمكانية أن تعود الولايات المتحدة لقيادة العالم مرة أخرى، بعد تولي إدارة الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، والمخاوف من احتمال وفاة بينغ (الذي سيبلغ 82 عاما في 2035) تعني أن بكين غير مستعدة للانتظار لترى إلى أي مدى ستستمر مرحلة الاضمحلال الغربي هذه.

ويعتقد كاتب المقال أن الولايات المتحدة وحلفاءها إذا ما استثمروا في مجال الابتكار والموارد البشرية، سيكون في استطاعتهم إحباط مساعي بينغ في أن يكون المبادر بالاستفادة من التقنيات المستجدة والحيوية.

دور استشرافي

وبالمثل، فإن من شأن اضطلاع الولايات المتحدة بدور “نشط واستشرافي” في تشكيل النظام العالمي، أن يحد من قدرة بكين على نشر أفكارها “غير الليبرالية” إلى خارج حدود الصين.

ولعله من المفارقة والفاجعة -بحسب الكاتب- أن يُعرِّض زعيم مثل بينغ حزبه وبلاده للخطر بدلا من إنقاذهما، وهي المهمة التي يفترض أن يضطلع بها كونه صاحب رسالة.

ويخلص المقال إلى أن المسار، الذي ينتهجه بينغ، ينذر بتقويض التقدم الكبير، الذي أحرزته الصين طوال العقود الأربعة الماضية. وفي النهاية، ربما كان بينغ محقا في أن العقد القادم سيقرر ما إذا كان نجاح الصين طويل المدى.

لكن ما قد لا يدركه الرئيس الصيني أنه هو نفسه قد يكون “العقبة الأكبر” التي تعترض ذلك، حسبما يؤكد بلانشيت في ختام مقاله.

المصدر: فورين أفيرز

مركز الدراسات الآسيوية والصينية